البيان
البيان في اللغة: الإيضاح والكشف. والمبيَّن: الموضح.
وفي الاصطلاح: يطلق البيان على الدليل الذي أوضح المقصود بالمجمل، وهو المبيِّن. ويطلق على الخطاب الواضح ابتداء، ويطلق على فعل المبيِّن.
ويطلق المبيَّن - بالفتح - على الدليل المحتاج إلى بيان، كالمجمل بعد ورود بيانه، كما يطلق على الخطاب الذي ظهر معناه ابتداءً، ولهذا اختلفت عبارات الأصوليين في تعريفه.
فبعضهم عرفه بأنه: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي.
وعرفه بعضهم بأنه: الدليل.
والخطب يسير، كما قال الغزالي؛ فإنه لا حاجة لعقد باب مستقل له، وإنما ينبغي أن يلحق بالمجمل.
البيان واجب على الرسول ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ [النحل:44].
والبيان يحصل بأمور، بعضها أقوى من بعض، وهي:
وهو الكلام المسموع، وقد حصل غالب البيان للشريعة بهذا الطريق؛ فبينت أنصبة الزكاة، والقدر الواجب فيها بالقول، وبينت أكثر أحكام الصلاة والبيوع وسائر المعاملات بالقول.
وهو أن يفعل النبي ﷺ ما يبين مجمل القرآن أو مجمل سنة سابقة، وذلك كبيان صفة الصلاة وعدد ركعاتها، وصفة الحج؛ فإن أكثر ذلك إنما بين بالفعل، مع قوله ﷺ «خذوا عني مناسككم» [رواه مسلم] وقوله في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي» [رواه البخاري].
وهو أن يكتب النبي ﷺ ما يبين بعض الفرائض، والغالب أن لا يكون البيان بالكتابة إلا للبعيد عن المدينة، وذلك مثل كتابه لأهل اليمن الذي فيه بيان زكاة بهيمة الأنعام، والديات.
وذلك بأن يشير النبي ﷺ إلى المراد، بيده أو بغير ذلك، ومثاله: قوله: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا» الحديث [متفق عليه]، وأشار مرة بأصابع يديه العشرة ثلاث مرات، وأشار مرة أخرى بأصابع يديه العشرة مرتين وعقد في الثالثة أحد أصابعه؛ إشارة إلى أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يومًا.
وكذلك إشارته بيده إلى وضع النصف من الدين في حديث كعب بن مالك وأبي حدرد حين تقاضى كعب دَينًا له على أبي حدرد في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ فخرج إليهما فنادى: «يا كعب» قال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دَينِك... الحديث [متفق عليه].
وذلك بالإيماء إلى المعنى الذي يعلق عليه الحكم حتى يكون علة له، يوجد الحكم بوجودها.
مثاله قوله ﷺ: «أينقص الرطب إذا جف» [أخرجه مالك وأصحاب السنن] فإن في ذلك إشارة إلى أن العلة في التحريم عدم تساوي الرطب والتمر. وكذلك قوله ﷺ لأبي بكر: «إنك لست ممن يجره خيلاء» [أخرجه البخاري] فإن فيه تنبيها إلى أن العلة في تحريم الإسبال الخيلاء، وإن كان بعض العلماء عمم التحريم عملاً بالظاهر وأعرض عن دلالة هذا التنبيه.
والمقصود به أن يترك النبي ﷺ فعل الشيء مع قيام الداعي له، كما ترك الوضوء مما مسته النار مع أنه كان يتوضأ من الأكل مما مسته النار، [أخرجاه في الصحيحين] ففهم الصحابة من فعله نسخ الحكم السابق.
والترك إن كان مع وجود المقتضي الداعي للفعل دل على عدم المشـروعية، فأما الترك المطلق فإنما يكون دليلاً على عدم الوجوب لا غير.
ومثال الأول: ترك تجديد أنكحة من أسلم من الكفار، دليل على صحتها وعدم مشروعية تجديدها، وترك أخذ الزكاة من الخضروات كذلك.
فأما ترك صلاة التراويح جماعة بعد أن صلاها ليلتين فإنه لا يدل على عدم مشروعيتها؛ لأنه بين علة الترك وهي خشية أن تفرض عليهم.
ومثال الثاني: ترك قيام الليل ليلة جمعٍ (المزدلفة)، فإنه لا يدل على المنع، وترك مباشرة الأذان والإقامة لا يدل على كراهتها له ولا للأئمة بعده.
وقد توسع بعضهم في الاستدلال بالترك، وظن أن كل ترك يمكن أن يكون بيانًا، وليس كذلك؛ لأن النبي ﷺ قد يترك فعل الشيء لعدم وجود الداعي له، كما ترك جمع القرآن في مصحف واحد، ولم ير الصحابة أن ذلك دليل على المنع إذا توافرت الدواعي، ولذلك أجمعوا على جمعه فيما بعد حين خافوا ضياع شيء منه أو الاختلاف فيه.
وقد يجعل الترك داخلاً في الفعل؛ لأن الأكثر يعدون الترك فعلاً للضد مع قيام الداعي.