حجم الخط:

محتوى الدرس (6)

المندوب

تعريفه وطرق معرفته:

المندوب في اللغة: اسم مفعول، من الندب، وهو الدعاء، فيكون معنى المندوب: المدعو إليه.

وفي الاصطلاح: هو ما طلب الشرع فعله طلبًا غير جازم.

· ويعرف كون الفعل مندوبًا بطرق كثيرة منها:

1- الأمر المقترن بما يدل على جواز الترك، كالأمر في قوله تعالى: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ [النور:33] فالأمر بمكاتبة العبيد للندب؛ لأن النبي لم يشدد على الصحابة في مكاتبة عبيدهم، بل أقرهم على إمساك الأرقاء مع علمه بما فيهم من الخير.

2- الترغيب فيه بذكر ثوابه من غير أمر، كقوله : «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشـر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل» [متفق عليه].

3- بيان محبة الله للفعل، كقوله : «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» [متفق عليه].

4- مدح فاعله، كقوله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴿ ٦٣ [الفرقان:63].

5- فعل الرسول للفعل تقربًا من غير أن يأمر به، مثل الاعتكاف.

هل المندوب مأمور به حقيقة؟

· اختلف العلماء في تسمية المندوب مأمورًا به حقيقة:

فذهب الأكثر إلى أنه مأمورٌ به حقيقة، واستدلوا بأن فعله يسمى طاعة، والطاعة هي امتثال الأمر، وبأن انقسام الأمر إلى أمر إيجاب وأمر ندب شائع ذائع عند حملة الشرع.

وذهب آخرون إلى أنه ليس مأمورًا به حقيقة، بل مجازًا، واستدلوا بحديث: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» [متفق عليه].

ووجه الاستدلال من الحديث أنه يدل على أن الرسول لم يأمرهم بالسواك خشية المشقة، مع أنه ندبهم إليه بقوله وفعله، فعلم من هذا أن الندب ليس أمرًا حقيقة، وأن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة، وهذا الاستدلال قوي.

وقد أجاب عنه الأولون بأن المراد لأمرتهم أمر إيجاب. وفي الجواب نظر؛ لأنه تأويل لا حاجة له.

ومما يشكل على القول الأول أنه يلزم منه أن الأمر مشترك بين الإيجاب والندب، وهذا خلاف ما عليه الجمهور في مقتضى الأمر كما سيأتي.

أسماء المندوب:

يسمى المندوب عند جمهور العلماء من المذاهب الثلاثة غير المذهب الحنفي بأسماء كثيرة، أهمها: السنة، والمستحب، والرغيبة، والنافلة، والتطوع، ونحو ذلك.

· وعند بعض الحنفية ينقسم المندوب إلى:

سنة هدى: وهي ما كان أخذها هدى، وتركها ضلالة، ويمثلونها بصلاة العيد، والأذان، والإقامة، والصلاة في جماعة، وتركها يستوجب اللوم والعتاب.

وهذا النوع يسميه الجمهور سنة مؤكدة، ويمثلونه بصلاة الوتر، ولهذا قال أحمد: (تارك الوتر رجل سوء) مع أنه لا يرى وجوب الوتر.

سنة مطلقة: وهي ما فعله الرسول ولم يأمر به أمر إيجاب، مثل السنن الرواتب، وصيام الاثنين والخميس، ونحو ذلك.

نافلة: وهي ما شرع من العبادات الزائدة على الفروض.

· وذهب بعض الحنابلة إلى تقسيم المندوب إلى ثلاثة أقسام:

سنة: وهي ما عظم أجره.

نافلة: وهي ما قل أجره.

فضيلة ورغيبة: وهو ما توسط أجره.

وهذا تقسيم مبني على عظم الأجر، وذلك أمر مغيب عنا، والأجر يختلف باختلاف النية والإخلاص وإحسان الفعل.

· ومن الألفاظ المشهورة عند الفقهاء:

السنة المؤكدة: وهي ما فعله النبي وواظب عليه في الحضـر والسفر، مثل الوتر وسنة الفجر.

والمستحب: وهو ما رغب فيه النبي فعله أو لم يفعله، مثل صيام يوم وترك يوم، فإن الرسول قال: «خير الصيام صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يوما» ولم يفعل هذا، ومما فعله صيام الاثنين والخميس، وصيام عاشوراء.

هل يلزم المندوب بالشروع فيه؟

[تمهيد]:

اختلف العلماء في ذلك، ومحل الخلاف فيما عدا الحج والعمرة والصدقة، فأما الحج والعمرة فقد اتفقوا على وجوب إتمامهما؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ [البقرة:196]. وأما الصدقة بالمال كالنفقة على الفقير فلا خلاف في جواز قطعها.

1- ذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه إلى أن المندوب يجب بالشـروع فيه، واستدلوا على ذلك بأدلة، منها:

أ- قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴿ ٣٣ [محمد:33]، ووجه الدلالة: أن الآية فيها نهي عن إبطال العمل، والنهي يقتضي التحريم، وإذا حرم إبطال المندوب وجب إتمامه.

ب- ما روي أن النبي قال لأحد الصحابة - وكان صائمًا صوم تطوع -: «كل وصم يومًا مكانه» [أخرجه الدارقطني من حديث جابر رضي الله عنه] ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي أمره بالقضاء، والأصل في الأمر الوجوب، ولا يأمر بقضائه إلا إذا كان واجبًا.

ج- أن المندوب ينقلب واجبًا إذا نذره، فالنذر صير المندوب واجبًا بالقول، أي بقوله: لله علي كذا، والشروع في المندوب فعل صيّر المندوب لله فوجبت صيانته عن الإفساد. وخلاصة هذا الدليل قياس الشروع في الفعل على النذر.

د- القياس على الحج والعمرة.

وذهب الجمهور إلى عدم وجوبه بالشروع فيه، واستدلوا بأدلة منها:

أ- قول الرسول : «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر»، ووجه الدلالة من الحديث ظاهرة؛ فإن الرسول جعل الصائم المتطوع مخيرًا بين الصيام والفطر، وإذا كان الصيام المندوب لا يجب بالشـروع فيه فكذلك سائر المندوبات، إلا ما قام عليه دليل بخصوصه كالحج.

ب- أن الرسول كان يسأل أهله: «أعندكم طعام؟» فإن قالوا نعم أكل منه، وإلا قال: «إني إذا صائم» [أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عائشة]. ووجه الاستدلال أنه يكون ناويًا الصوم، ثم إن وجد طعامًا أكل وإلا أكمل صيامه.

ج- أن النبي أمر الرجل الذي كان صائمًا أن يفطر كما مر في الحديث الذي استدل به للحنفية. ووجه دلالته على عدم الوجوب أنه لو كان إتمامه واجبًا لما أمره بالفطر؛ لأنه يكون آمرًا بمعصية، والرسول لا يأمر بمعصية.

[الترجيح]:

· وقول الجمهور أرجح.

وأما الاستدلال بالآية فالمقصود بها إبطال الأعمال بالرياء أو بالردة.

وأما الحديث فهو دليل للجمهور؛ لأن الرسول أجاز للصائم المتطوع أن يفطر، وقوله: «صم يومًا مكانه» ندب؛ لأنه عوض عن ندب.

وأما تشبيه الشروع بالنذر فبعيد جدًا، وإلا لوجب على من شرع في الإنفاق على فقير أن يستمر، ولم يقل بذلك أحد.

وأما القياس على الحج والعمرة فمردود؛ للفرق بينهما وبين سائر الواجبات.

وثمرة الخلاف تظهر في إيجاب القضاء، فعند أبي حنيفة إذا شرع في نفل ثم قطعه وجب عليه القضاء، وعند الجمهور لا يجب.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة