حجم الخط:

محتوى الدرس (77)

ثالثًا: الترجيح:

[تعريفه]:

الترجيح في اللُّغة: مصدر رجّح، مأخوذٌ من رُجحان الميزان، وهو مَيَلاَنُ إحدى كفَّتيه.

وفي الاصطلاح: تقويةُ إحدى الأَمارتين على الأخرى.

وقيل: بيانُ اختصاص الدليل بمزيد قوَّةٍ عن مُقابِلِه.

والفرق بين التعريفين: أن الأولَ عبَّر بالأَمارة، والثاني عبَّر بالدليل، وهو أقربُ إلى اصطلاح الفقهاء الذين يُطلقون الدليلَ على القطعيّ والظنِّيّ.

شروط الترجيح:

يشترط في الترجيح ما يلي:

1- أنْ يكونَ بين الأدلّة لا بين البيِّنات أو الدعاوى، فلا ترجيحَ بين بيِّنة المدَّعِي وبينة المدَّعى عليه؛ لأن البيّنةَ على المدعي واليمين على مَن أنكر.

هكذا قالوا، وفيه نظرٌ، أشار إليه ابنُ القيِّم في إعلام الموقَّعين.

2- تحقُّقُ التعارُضِ في الظاهر بين الدليلين المرجَّحِ أحدهما، فلا ترجيحَ بين دليلين متَّفقين في المدلول.

3- تعذُّرُ الجمعِ بين الدليلين، فإنْ أمكنَ الجمعُ بينهما والعملُ بهما معًا لم يَنتقل المجتهدُ إلى الترجيح؛ لأن الترجيحَ يُفضي إلى ترك الدليل المرجوح، والجمع فيه عملٌ بكلا الدليلين في الجملة، والعملُ بالدليلين - ولو من وجهٍ - أولى من إهمالهما أو إهمال أحدِهما.

4- عدم معرفة تاريخ كلٍّ من الدليلين، فإنْ عُرفَ التاريخُ فالمتأخِّرُ ناسخٌ للمتقدِّم.

واشترط بعضُهم أنْ يكونَ الترجيحُ بصيغةٍٍ في الدليل، لا بدليلٍ مستقلٍّ.

والصواب: عدمُ اشتراط ذلك؛ لأنه يمكنُ أنْ يتساوى الدليلان ويترجَّحُ أحدُهما بموافقة دليلٍ آخَرَ. وستأتي أمثلةُ ذلك.

حكم الترجيح:

يجب على المجتهد إذا تعارض عنده دليلان في الظاهر، ولم يتمكنْ من الجمع بينهما، ولا القولِ بالنسخ أنْ يبحثَ عمّا يُرجِّحُ أحدَهما؛ ليعملَ بالراجح. وقد حَكى الإجماعَ على العمل بالراجح من الدليلين عند تعارضهما غيرُ واحدٍ.

ونُقل الخلافُ في ذلك عن أبي عبد الله البصري، الملقَّب بـ(جُعل)، وكذلك نُقل عن القاضي الباقلانيّ، ولم يلتفت الفقهاءُ إلى خلافهما.

والدليل على وجوب العمل بالراجح من وجوهٍ، أهمُّها:

1- قوله تعالى: ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الزمر:55]، وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ [الزمر:18].

والآيتان دليلٌ على اتّباع الدليل الراجح؛ لأنه أحسنَ من المرجوح.

2- أن الدليلين إذا تعذّر الجمعُ بينهما، فإما أنْ يُتركا معًا، أو يُتركَ الراجحُ منهما، أو يُتركَ المرجوحُ.

فالأول باطلٌ؛ لما فيه من الإعراض عن الدليلين، والتسويةِ بين الراجح والمرجوح، وهما لا يستويان عند العقلاء.

والثاني باطلٌ؛ لما فيه من تقديم الضعيف على القويّ، وهو خلافُ مقتضـى الشـرع والعقل.

فلم يبقَ إلاّ الثالثُ، وهو المطلوبُ إثباتُه.

3- إجماعُ الصحابة والتابعين على العمل بالراجح من الدليلين عند تعارُضهما، قال الطُّوفي في المختصر بعد أنْ نقل قولَ الباقلاني: (وليس بشـيءٍ؛ إذ العملُ بالأرجح متعيِّن، وقد عمل الصحابة بالترجيح). وأوضح في الشرح أن العملَ بالترجيح متعيِّنٌ عقلاً وشرعًا، ونقل إجماعَ الصحابة عليه[1].

وجوه الترجيح:

الترجيحُ له طرقٌ متعدِّدةٌ، لا يُمكنُ حصـرُها وقد قال الزركشـيُّ: (واعلمْ أن التراجيحَ كثيرةٌ، ومناطُها: ما كان إفادتُه للظنّ أكثرَ فهو الأرجحُ، وقد تتعارض هذه المرجِّحاتُ - كما في كثرة الرُّواة، وقوَّة العدالة، وغيره - فيعتمدُ المجتهدُ في ذلك على ما غلب على ظنّه)[2].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة