العام والخاص
العام: اسم فاعل من العموم، بمعنى: الشمول والإحاطة. ومنه سميت العمامة لأنها تحيط بالرأس. والعم والعمومة: اسم بعض القرابات، سموا بذلك لأنهم يحيطون بالإنسان عند احتياجه للمساعدة عادة.
والعام في الاصطلاح: (اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد).
هذا تعريفه عند جمهور الأصوليين، وهو لفظ الرازي في المحصول، وقد تبعه عليه أكثر من جاء بعده، وهو قد أخذه عن أبي الحسين البصري وزاد فيه بعض القيود.
وعند المتقدمين من الأصوليين يعرف بأنه: ما عم شيئين فصاعدًا.
فلا يذكرون فيه تقييده باللفظ فيكون شاملاً للفظ والمعنى بناء على أن المعنى يعم كما سيأتي.
ولا يقيدونه بالاستغراق، بل يكتفون بأن يكون فيه شمول ما. ولهذا فإنهم قد يطلقون اسم العام على المطلق وبالعكس.
وبعد استقرار الاصطلاح يجب أن يحتوي التعريف على ما يميز العام عن المطلق. وقد اجتهدوا في اختيار العبارة المناسبة لتعريفه.
ومن أفضل العبارات عبارة الرازي المتقدمة.
(اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد).
قوله: (المستغرق)، من الاستغراق وهو التناول مع الاستيعاب، يقال: استغرق العمل ليلة، أي: استوعبها كلها.
وقوله: (لجميع ما يصلح له)، أي: لجميع ما يدخل تحت اللفظ لغة أو عرفًا. فالصلاحية من حيث اللغة أو العرف.
وقوله: (بحسب وضع واحد)، قيد يخرج المشترك اللفظي الذي يدل على معنيين بوضعين مختلفين، مثل القرء الدال على الطهر والحيض، فإنه يدل على هذين المعنيين بوضعين مختلفين؛ لأن العرب استعملوه مرة في الطهر، ومرة في الحيض، أو استعمله بعضهم في الطهر واستعمله بعضهم في الحيض ثم اشتهر المعنيان فصار مشتركًا.
فدلالة القرء على هذين المعنيين ليست من دلالة العام على أفراده، بل من دلالة المشترك الذي يحتاج في فهم المراد منه إلى قرينة.
والمشترك عند كثير من الأصوليين ليس عامًا في أفراده ولا يمكن حمله على العموم بإطلاق واحد.
وسيأتي مزيد إيضاح لذلك عند الكلام عن المجمل.
وهذا القيد لا يخرج المشترك الذي يكون عامًا في أحد معنييه أو معانيه؛ فلفظ القروء إذا قامت قرينة على أن المراد بها الأطهار يكون عامًا فيها؛ لأنه جاء بصيغة عموم.
ولفظ (العيون) في قولنا: جفت عيون الوادي الفلاني، تحمل على عموم العيون الجارية في ذلك الوادي، ولا يقال إنه مشترك فيتوقف فيه بعد قيام القرينة، وهي الجفاف الذي يناسب العيون الجارية دون غيرها من معاني العين.
فصار هذا القيد يخرج المشترك باعتبار معنييه أو معانيه، ويدخله إذا كان عمومه باعتبار معنى واحد من معانيه.
والخاص: اسم فاعل من الخصوص ضد العموم.
وفي الاصطلاح: ما دل على معين محصور.
والعموم والخصوص وصفان نسبيان يطلقان على اللفظ أو الدليل بالنسبة، فقد يكون اللفظ عامًا بالنسبة إلى ما تحته من الأفراد، وخاصًا بالنسبة إلى ما فوقه.
مثاله في الألفاظ: الإنسان: عام بالنسبة للرجل والمرأة، خاص بالنسبة للحيوان.
ومثاله من أدلة الشرع: قوله ﷺ: «من قتل قتيلاً فله سلبه» [متفق عليه] فالسلَب خاص بالنسبة للغنيمة، وهو عام في لباس المحارب، فيشمل قليله وكثيره.
العام والمطلق بينهما وجه شبه من حيث إن كلاً منهما له عموم في الجملة. ولذا كان بعض المتقدمين لا يفرقون بينهما. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي عبيد وإسحاق سواء)[1].
وإطلاق لفظ العام على المطلق وبالعكس قد جاء في كلام بعض الأصوليين على الرغم من تفريقهم بين المصطلحين، فالقاضي أبو يعلى الحنبلي ذكر احتجاج الحنفية على عدم التفريق بين الماء وغيره من المائعات بقوله تعالى: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿٤﴾ ﴾ [المدثر:4]، ثم قال في الجواب (إن الآية عامة)[2]، ومعلوم أن الأمر بالتطهير ليس عامًا فيما يطهر به بل هو مطلق.
وكذلك فعل الغزالي في مواضع من المستصفى[3].
والمتخصص في أصول الفقه لا ينبغي له أن يخلط بين المصطلحات، ولذا فإن بين العام والمطلق فروقًا أجملها فيها يلي:
1- من حيث التعريف فتعريف العام كما تقدم. والمطلق هو: (اللفظ الدال على الحقيقة من حيث هي من غير قيد) أو يقال هو: (اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه)[4]، مثل لفظ رقبة في قوله تعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ [النساء:92].
2- من حيث الحكم، فإن المطلق إذا ورد الأمر به لا يتناول جميع الأفراد التي تصلح للدخول تحت اللفظ، بل تحصل براءة الذمة بواحد منها.
أما العام فيشمل جميع الأفراد التي تصلح للدخول تحته، ولا تبرأ الذمة إلا بفعل الجميع.
ولهذا فقوله تعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ [النساء:92] مطلق؛ لأن المأمور بالعتق لم يطلب منه تحرير كل رقبة، بل رقبة واحدة يختارها من بين الرقاب. ولو جاء اللفظ عامًا لوجب تحرير جميع الرقاب.
يُقسم العام عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة:
التقسيم الأول باعتبار طريق معرفة عمومه:
ينقسم العام بهذا الاعتبار ثلاثة أقسام:
وهو ما عرف عمومه بالوضع اللغوي. وهو المراد بالعام عند الإطلاق. ويشمل العموم الذي دلت عليه صيغ العام الآتي ذكرها ومنها كل، وجميع، والجمع المحلى بأل.
وهو ما عرف عمومه بطريق العقل كالعموم المستفاد بطريق التعليل مثل فهم العموم من قوله ﷺ: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» فإن النص هنا خاص بمنع القاضي من القضاء حال الغضب. ويلحق به كل ما يشوش الذهن من جوع أو عطش أو حزن. وقوله ﷺ: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». يفهم منه أنه إذا نقص عن القلتين فإنه يحمل الخبث أي ينجس بالنجاسة ولو لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه.
والناقص عن القلتين قد يكون في إناء صغير، أو في بركة صغيرة، والنجاسة الواقعة فيه قد تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لا تغيرها.
فيحمل مفهوم الحديث على العموم، ويحكم بنجاسة الماء الناقص عن القلتين سواء تغير أم لم يتغير.
وهذا العموم ليس من منطوق اللفظ بل من مفهومه الذي أدركه العقل.
وهو ما عرف عمومه بعرف الشرع أو بعرف أهل اللغة.
مثال الأول: عموم الخطاب الوارد بصيغة جمع الذكور للإناث، مثل قوله ﷺ: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» [متفق عليه]، فلفظ (المسلمون) جمع مذكر سالم، ولكنه يشمل النساء عرفًا؛ حيث عرف من عادة الشارع تغليب الذكور على الإناث عند الاجتماع.
ومثال الثاني: قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ [الإسراء:23] فهذا اللفظ يدل بالوضع على تحريم التأفف من الوالدين، ومن حيث العرف اللغوي هو عام في كل ما فيه أذى لهما.