حجم الخط:

محتوى الدرس (65)

المنطوق والمفهوم

[المقصود]:

جرى كثير من الأصوليين على تقسيم الدلالة إلى دلالة منطوق ودلالة مفهوم، وقد يقسمون المدلول نفسه إلى منطوق ومفهوم.

وجرى بعضهم على إدراج دلالة المفهوم تحت دلالة غير المنظوم.

والمنطوق: هو المعنى المستفاد من صريح اللفظ. وقد يقال: ما دل عليه اللفظ في محل النطق.

ومعنى قولهم: في محل النطق، أي: في العبارة المنطوق بها.

مثاله: المعنى المستفاد من قوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [البقرة:43]، وهو الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. والمعنى المستفاد من قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ [الأنعام:121] وهو النهي عن الأكل من متروك التسمية.

والمفهوم: هو المعنى اللازم للفظ ولم يصرح به فيه.

وقد يقال: ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق. أي في مقدر خارج عن المنطوق به.

مثل دلالة قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ [الإسراء:23] على تحريم الضـرب والشتم، ودلالة قوله تعالى: ﴿ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ ﴾ [النساء:25] على أن الأمة غير المؤمنة لا يصح نكاحها لمن لم يجد مهر الحرة.

والذين عبروا بالمنظوم وغير المنظوم، جعلوا غير المنظوم منقسمًا إلى الاقتضاء والإيماء والتنبيه (مفهوم الموافقة) ودليل الخطاب (مفهوم المخالفة).

وأما الذين عبروا بالمنطوق والمفهوم، فمنهم من جعل هذه الدلالات الأربع المتقدمة داخلة تحت المفهوم، ومنهم من جعل الثلاث الأولى داخلة تحت المنطوق غير الصريح، والرابعة هي المسماة بالمفهوم.

وهذا الاختلاف لا يترتب عليه فائدة سوى معرفة الاصطلاح، وقد وقع فيه كثير من الخلط والوهم.

والأولى سلوك طريق مَن قسّم الدلالة إلى دلالة المنظوم ودلالة غير المنظوم.

فالأولى معروفة، وهي: كل دلالة يكون الدال فيها دل بالوضع اللغوي. وهي تشمل دلالة المطابقة ودلالة التضمن.

والثانية، هي: دلالة الالتزام. وهي دلالة اللفظ على معنى خارجي لازم للمنطوق به.

وقد يقال: ما دل عليه اللفظ لا بصريح صيغته ووضعه. ويشمل دلالة الاقتضاء، ودلالة الإشارة، ودلالة الإيماء، ودلالة المفهوم.

وإليك التعريف بكل منها مع أمثلته.

1- دلالة الاقتضاء:

[المراد بها]:

هي دلالة اللفظ على معنى مسكوت عنه يجب تقديره لصدق الكلام أو لصحته شرعًا أو عقلاً.

والمعنى المدلول عليه بالاقتضاء يسمى المقتضى (اسم مفعول) وهو ثلاثة أنواع:

1- ما يجب تقديره لصدق الكلام ومطابقته للواقع، مثل دلالة قوله ﷺ: «لا وصية لوارث» [أخرجه البخاري] على المقدر المحذوف، وذلك أن الناس قد يوصون للورثة ولكن المنفي صحة تلك الوصية، والتقدير: (لا وصية صحيحة أو نافذة).

2- ما يجب تقديره لصحة الكلام شرعًا، مثل قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ ﴾ [البقرة:184]، فههنا محذوف يجب تقديره حتى يصح الكلام شرعًا، وهو عبارة (فأفطر)، للاتفاق على أن من كان مريضًا أو على سفر ولم يفطر فلا قضاء عليه. ولو لم نقدر العبارة السابقة لوجب القضاء على المريض والمسافر حتى لو صامًا، ولم ينقل هذا إلا عن بعض الظاهرية.

3- ما يجب تقديره لصحة الكلام عقلاً، مثل: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴾ [يوسف:82] فالعقل يقضي بأن القرية لا تسأل فلا بد من تقدير: (أهل القرية).

وهذه الأنواع قد تسمى عند بعضهم دلالة الإضمار، والمعنى المقدر يسمى المضمر أو المقتضَى.

[الخلاف في عمومها]:

وقد اختلفوا في عموم المقتضى أو المضمر، فذهب بعضهم إلى عمومه، وبعضهم إلى أنه لا يعم.

واحتج القائلون بعموم المقتضى بأنه إذا أمكن تقدير معنى عام لا يمكن أن نقدر الأخص منه إلا بدليل، فإذا عدم الدليل قدرنا العام.

ولهذا قالوا في حديث: «رفع عن أمتي الخطأ» نقدر الحكم ليكون اللفظ كأنه: رفع عن أمتي حكم الخطأ، فهذا يشمل المؤاخذة الدنيوية والأخروية إلا ما دل الدليل على استثنائه فيكون مستثنى ومخصصًا مثل ضمان المتلفات خطأ.

والقائلون بأن المقتضى لا عموم له، احتجوا بأن التقدير خلاف الأصل فيكتفى منه بما يصحح الكلام من غير زيادة فلا يعم، وقالوا في الحديث المتقدم: نقدر: الإثم، ليكون كأنه قال: رفع عن أمتي إثم الخطأ.

وكذا في قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ [المائدة:3]. قال الأولون: نقدر الانتفاع حتى يكون أعم، وقال الآخرون نقدر الأكل.

والقول الحق في ذلك أن يقدر ما دل العرف عليه، وهذا يختلف باختلاف اللفظ المنطوق به، ففي: «رفع عن أمتي الخطأ» الصواب تقدير (الإثم)، وفي: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ [المائدة:3]، الصواب: تقدير (الأكل)، وأما سائر الانتفاعات فإنما تلحق بطريق القياس إذا أمكن.

وفي مثل: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ [النساء:23] نقدر الوطء ودواعيه من عقد أو غيره، ولا نقدر النظر واللمس بلا شهوة.

2- الإشارة:

وهي المعنى اللازم من الكلام الذي لم يسق الكلام لبيانه، مثل فهم جواز أن يصبح المسلم جنبًا في رمضان، من قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ ﴾ [البقرة:187] فإذا جاز له الجماع طوال الليل إلى الفجر، جاز أن يطلع الفجر وهو جنب ولا يفسد صومه.

3- الإيماء:

وهو فهم التعليل من ترتيب الحكم على الوصف المناسب.

مثاله قوله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة:38]، فهذا يدل على أن العلة السرقة؛ لأن الله رتب الحكم بالفاء على وصف مناسب وهو السرقة، وهذا يومئ إلى العلة وينبه عليها، ولذا سماه بعضهم الإيماء أو التنبيه إلى العلة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة