الباب الثاني: أدلة الأحكام الشرعية
الأدلة: جمع دليل، والدليل في اللغة: المرشد إلى الشيء والهادي إليه.
وفي الاصطلاح: (ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري).
والمراد بالنظر: الفكر الموصل إلى علم أو ظن. ووصف بكونه صحيحًا ليخرج النظر الفاسد المخالف لمقتضى العقل السليم أو للفطرة المستقيمة أو للغة أو للشـرع، والمراد بقولنا مطلوب خبري أي حكم من الأحكام.
وقلنا: ما يمكن التوصل.. إلخ، حتى يدخل الدليل الذي لم يتنبه المجتهدون للاستدلال به، فإنه دليل وإن لم يستدل به فعلاً، وهو أفضل من قولنا ما يتوصل؛ لأنه يدل على أن الدليل هو ما حصل التوصل به فعلاً.
وقولنا: بصحيح النظر فيه، يخرج النظر الفاسد فإنه لا يوصل إلى الحكم الصحيح، وإن توهم الناظر أنه يوصل إليه. وهذا القيد لا يمنع من دخول الدليل الذي لم ينظر فيه نظرًا صحيحًا ولم يتوصل به إلى المطلوب؛ لأن عدم الاستدلال به جاء من جهة فساد النظر لا من جهة عدم دلالته.
· 1- تنقسم الأدلة الشرعية من حيث الاتفاق على العمل بها وعدمه ثلاثة أقسام:
أ- أدلة متفق عليها، وهي الكتاب، والسنة.
ب- أدلة فيها خلاف ضعيف، وهي الإجماع والقياس.
ج- أدلة فيها خلاف قوي، وهي قول الصحابي والاستحسان والمصلحة المرسلة وشرع من قبلنا والاستصحاب وسد الذرائع.
· 2- وتنقسم من حيث طريق معرفتها إلى قسمين:
أ- أدلة نقلية، وهي الكتاب والسنة والإجماع وقول الصحابي وشرع من قبلنا والعرف.
ب- أدلة عقلية، وهي القياس والمصلحة المرسلة وسد الذرائع والاستحسان والاستصحاب. وليس مرادهم أنها عقلية محضة بل هي عقلية مستندة إلى نقل.
ويقسمها بعضهم إلى ثلاثة أقسام:
نقلية محضة، وعقلية محضة، ومركبة من العقل والنقل. ولا يترتب على ذلك التقسيم كبير فائدة، والتقسيم غير منضبط.
والسبب في اختلافهم في تقسيمها أن بعضهم يعد ما للعقل مدخل في دلالته دليلاً عقليًا وإن كان مستندًا إلى نقل، وبعضهم يعد ما يستدل به العقلاء قبل الشـرع دليلاً عقليًا وما لا يعرف كونه دليلاً إلا بعد ورود الشرع يعده دليلاً شرعيًا.
والظاهر أن الأدلة الشرعية منها ما يدل بمقتضى الوضع اللغوي مثل أكثر نصوص الكتاب والسنة. ومنها ما لا يدل إلا بضميمة إليه كنص شرعي آخر مثل قول الصحابي وشرع من قبلنا والإجماع ونحوها. ومنها ما يستدل به العقلاء قبل ورود الشرع وجاء الشرع مؤيدًا له كبعض أنواع القياس والاستصحاب والمصالح المرسلة.
· 3- وتنقسم الأدلة الشرعية من حيث قوة دلالتها إلى قطعية وظنية:
والدليل القطعي: هو ما دل على الحكم من غير احتمال ضده. وقيل ما دل على الحكم ولم يحتمل غيره احتمالاً ناشئًا عن دليل. فعلى الأول يكون الاحتمال الممكن - وإن كان بعيدًا لا دليل عليه - ناقلاً للدليل من القطع إلى الظن، وعلى الثاني لا ينتقل الدليل إلى الظن بمجرد الاحتمال بل لا بد أن يكون الاحتمال مستندًا لدليل.
مثاله قوله تعالى: ﴿ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ﴾ [البقرة:196]. فدلالة العدد هنا على الأيام الواجب صيامها دلالة قطعية.
والظني: ما دل على الحكم مع احتمال ضده احتمالاً مرجوحًا، ومثاله: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ ﴾ [البقرة:264]، فالآية تدل بظاهرها على أن كلاً من المن والأذى يبطل الصدقة ويذهب أجرها، ولا يلتفت إلى الاحتمال المرجوح الذي تحتمله الآية وهو أن الصدقة لا تبطل إلا بمجموع الأمرين.
الأصل في الأدلة الشرعية العموم:
الأدلة الشـرعية تحمل على العموم سواء وردت بصيغة العموم أم بصيغة الخصوص، إلا أن يدل على خصوصيتها دليل.
ومعنى ذلك أن الدليل الشرعي من القرآن أو السنة يجب أن يعد شاملاً لمن ورد في بيان حكمه ومن يماثله من المكلفين على مر العصور.
فالآيات والأحاديث الواردة بصيغة العموم لا إشكال في عمومها بطريق اللغة، وأما الواردة بصيغة الخصوص كالتي وجه الخطاب فيها إلى فرد أو أفراد محصورين فتكون عامة فيمن حاله كحالهم ممن يأتي بعدهم إلا أن تقوم دلالة على أنها خاصة بمن وردت فيه بعينه لا بوصفه.
فالأحاديث الواردة في رجم ماعز لمّا زنى يدخل فيها كل زان محصن، والأحاديث الواردة في قتل العرنيين الذين قتلوا الرعاة وسملوا أعينهم تشمل من يفعل مثل فعلهم بطريق المعنى، وقوله ﷺ - في المحرم الذي وقصته دابته -: «لا تخمروا رأسه» [متفق عليه] يشمل كل من مات محرمًا على الصحيح من قولي العلماء، ومن قال بخصوص الحديث إنما قال بذلك لدلالة قامت عنده على الخصوصية.
· والدليل على ذلك الأصل من وجوه:
1- عموم رسالة الرسول ﷺ وما جاء به من الشـرع؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [الأعراف:158]، وقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ [سبأ:28]، وقوله ﷺ: «بعثت إلى الناس كافة» [أخرجه البخاري بهذا اللفظ ومسلم بمعناه].
2- قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب:21]. فإذا كان التأسي بالرسول ﷺ مطلوبًا فيكون ما يثبت في حقه من الأحكام ثابتًا في حق أمته إلا أن يقوم دليل على الخصوصية.
3- الأدلة الدالة على مشروعية القياس تدل على عموم الأدلة؛ لأن القياس مبناه على توسيع مجرى النص وإدخال من لا يدخل تحته وضعًا بطريق المعنى.