حجم الخط:

محتوى الدرس (18)

[قبول خبر الواحد]:

شروط الحنفية لقبول خبر الواحد:

اشترط أكثر علماء الحنفية لقبول خبر الآحاد الذي لم يبلغ درجة الشهرة عندهم شروطًا خالفهم فيها جمهور العلماء، وفيما يلي نذكر هذه الشـروط، ودليل اشتراطها، ورأي جمهور العلماء فيها:

1- أن لا يكون الخبر فيما تعم به البلوى، ومرادهم بما تعم به البلوى ما يحتاج إليه أكثر الناس حاجة متأكدة متكررة، فإذا كان الحكم الذي تضمنه خبر الواحد مما يحتاج أكثر الناس إلى بيانه لكثرة وقوعهم في سببه وتكرر حدوثه فلا بد أن ينقله عدد كبير يحصل بنقلهم العلم؛ لأن الرسول ﷺ لا بد أن يبين حكمه لعموم الناس، ولا يكتفي ببيانه لواحد أو اثنين.

ومثلوا هذا بخبر بسرة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «من مس ذكره فليتوضأ» [أخرجه مالك وأحمد والترمذي والنسائي] وخبر جابر رضي الله عنه في الأمر بالوضوء من لحم الإبل، [رواه مسلم] قالوا ليس من المعقول أن يسكت النبي ﷺ عن بيان نقض الوضوء بمس الذكر لعموم الناس مع أن أكثرهم لا يلبس السراويل مما يجعل إفضاءه بيده إلى ذكره كثير الحدوث، ثم كيف تختص بسماع هذا الحديث امرأة مع أن المقصود به في المقام الأول الرجال؟

وفي الحديث الثاني قالوا: إن عادة أكل لحوم الإبل منتشرة في عهد الصحابة، فلو كان أكل لحم الإبل ناقضًا للوضوء لتكرر من الرسول ﷺ التنبيه عليه وإبلاغه إلى عامة الناس، ولو فعل لم يقتصر نقله على واحد أو اثنين من الصحابة.

[مذهب الجمهور]:

وجمهور العلماء يقولون: إذا صح الحديث وجب قبوله والعمل به، سواء أكان مما تعم به البلوى أم لا، ونقل الحديث من واحد أو اثنين لا يدل على أن البقية لم يسمعوه ولم يعلموا به؛ لأن الصحابة كان أكثرهم يتحرج من الرواية عن النبي ﷺ فإذا كفاه غيره رواية الحديث سلم من العهدة.

وبعض العلماء حملوا هذين الحديثين وما جرى مجراهما على الندب دون الوجوب، وهم مطالبون ببيان الصارف للأمر عن الوجوب ولا حجة لهم سوى ما ذكره الحنفية.

2- عدم مخالفة الخبر للأصول والقواعد الثابتة في الشريعة، وقد يعبر عنه بعضهم بعدم مخالفة الأصول أو عدم مخالفة القياس، ولا يعنون بالقياس معناه الضيق بل ما تقرر من قواعد الشريعة ودلت عليه أصولها وفروعها.

ومثلوا لمخالف القياس بحديث المصراة الوارد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تُصَرُّوا الأبلَ والغنمَ، فمن ابتاعها فهو بخيرِ النظَرَينِ بعد أن يحتلبَها، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر».

ووجه مخالفة هذا الخبر للأصول: أن قواعد الشرع تقضي بأن ضمان المتلفات يكون بالمثل أو بالقيمة، وفي الحديث ضمان لبن المصراة بصاع من تمر، والصاع ليس مثلاً للبن ولا مساويًا لقيمته، فهو مخالف لقواعد الشرع.

وحجة الجمهور أن الخبر إذا خالف غيره من الأصول صار أصلاً بنفسه، فيجمع بينه وبين غيره بحمل كل من الأحاديث على معناه.

3- أن يكون الراوي فقيهًا، وهذا الشرط ذكره بعضهم مطلقًا، وقال بعضهم إنما يشترط هذا إذا كان الحديث مخالفًا للقياس[1].

[الصحيح]:

والصحيح قبول خبر العدل سواء كان فقيهًا أو غيره إذا لم يعارض بما هو أقوى منه.

والدليل على ذلك أن الأدلة الدالة على قبول خبر الواحد لم تشترط الفقه في الراوي.

4- أن لا يعمل الراوي من الصحابة بخلاف روايته، فإن عمل بخلاف ما رواه لم يقبل حديثه، ومثلوه بخبر أبي هريرة مرفوعًا: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا» مع أن أبا هريرة كان يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا، وعللوا هذا بأن الراوي عدْل فإذا خالف ما روى دل على نسخه؛ إذ لو تركه مع عدم نسخه لكان ذلك قادحًا في عدالته.

والجمهور قالوا: إن العبرة بما ثبت عن الرسول ﷺ لا بما يفعله الصحابي، فالصحابي ليس معصومًا من الخطأ والنسيان، فقد يكون ترك العمل به نسيانًا أو تقصيرًا.

أفعال الرسول ﷺ

[تنقسم سنة الرسول ﷺ إلى]:

· تنقسم سنة الرسول ﷺ تنقسم ثلاثة أقسام كما تقدم:

1- السنة القولية

2- السنة الفعلية

3- السنة التقريرية.

فالقولية سيأتي الكلام عنها في دلالات الألفاظ، وأما الفعلية فقد خصها بعض العلماء بتأليف مستقل، ومن أفضل ما كتب في أفعال الرسول كتاب أبي شامة المقدسي واسمه: (المحقَّق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول). وأفعال الرسول ﷺ على أنواع، لكل واحد منها دلالته، ويمكن اختصارها على النحو التالي:

[تنقسم أفعال الرسول ﷺ إلى]:

1- الأفعال الجبلية:

وهي التي فعلها النبي ﷺ بمقتضى بشريته مما يحتاجه البشـر عادة من حركة أو سكون أو نوم أو أكل أو شرب، مثل ما نقل عن الرسول ﷺ في طريقة مشيه وأكله القثاء بالرطب ولبسه الجبة الشامية ونحو ذلك.

فهذا النوع يفيد الإباحة عند الجمهور ولا يتعلق به أمر ولا نهي؛ لأن الرسول ﷺ فعله من غير قصد إلى القربة به، ومن غير قصد إلى اختصاصه دون غيره في الغالب، بل فعله لكونه الأرفق به، فليفعل كل مكلف ما يناسبه.

وقال بعض العلماء: إنه يفيد الاستحباب استدلالاً بما روي عن ابن عمر أنه كان يتبع آثار النبي ﷺ، حتى إن النبي ﷺ نزل تحت شجرة فكان ابن عمر رضي الله عنهما يتعاهدها فيصب في أصلها الماء لئلا تيبس. نقله نافع مولى ابن عمر، ونقل عنه أيضًا أنه كان يتوخى سلوك طريق النبي ﷺ في حجه ويقول لعل قدمًا أن تواطئ قدمًا.

2- الأفعال التي قام الدليل على كونها خصوصية له ﷺ:

كزواجه بأكثر من أربع مجتمعات، فهذا لا خلاف في عدم جواز التأسي به فيه، وأما ما ثبت وجوبه عليه وحده دون الأمة فالاقتداء به فيه مندوب كقيام الليل والأضحية ونحو ذلك.

3- ما فعله بيانا لمجمل أو امتثالاً للأمر الوارد في الكتاب أو في السنة القولية:

كصلاته وصيامه وحجه بعد نزول الآيات الواردة في ذلك، وبعد قوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» [أخرجه البخاري]، وقوله: «لتأخذوا عني مناسككم» [أخرجه مسلم].

فهذا النوع لا خلاف في أنه لا يخرج عن الوجوب أو الندب، وحكمه حكم المبين، فما كان بيانًا لواجب فهو واجب وما كان بيانًا لمستحب فهو مستحب، هكذا نص أكثر الأصوليين[2]. وفيه نظر؛ فإن الرسول ﷺ قد بين لنا الصلاة بفعله وليس كل ما فعله في الصلاة فرضًا مع أن الصلاة فرض.

والأولى أن يقال: إن الأفعال التي تدخل في حقيقة الصلاة وواظب عليها النبي ﷺ ولم يتركها ورواها كل من نقل صفة صلاته تعد واجبة كالركوع والسجود والجلوس بين السجدتين، وأما الأفعال التي ثبت أنه تركها أحيانًا أو ترك ذكرها بعض من نقل صفة صلاته كتحريك أصبعه السبابة، وكذا ما لا يعلم إلا بالسؤال عنه من الأذكار الخفية فلا ترقى إلى الوجوب بل تكون مستحبة إلا أن يقترن بالفعل قول يدل على الوجوب.

4- الفعل المبتدأ المطلق:

[المراد به]:

وهو الذي ليس امتثالاً ولا بيانًا ولا هو من الخواص ولا أفعال العادة الجبلية.

· فهذا على ثلاثة أضرب:

أ- أن يكون معلوم الصفة من وجوب أو ندب أو إباحة، وهذا يحمل على صفته ولا يحتمل خلافًا. وإنما تعلم صفته بالقرائن أو اتفاق السلف على حكمه، مثل الاعتكاف فهو مستحب عند جميع الفقهاء، مع أنه لم يثبت فيه إلا فعل الرسول ﷺ.

ب- أن يكون غير معلوم الصفة ولم يظهر فيه قصد القربة، فهذا يحمل على الإباحة؛ لأن الأصل عدم التعبد، وقيل على الندب مثل الترجل والتكحل.

ج- أن يكون غير معلوم الصفة (الحكم) ولكن ظهر فيه قصد القربة، وهذا فيه خلاف قوي بين العلماء على أقوال:

[الخلاف في الضرب الثالث]:

القول الأول: الوجوب: وهو قول الأكثر، فهو محكي عن الإمام مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، واختاره أكثر أصحابه واختاره ابن السمعاني، وقال: (هو أشبه بمذهب الشافعي) وهو مذهب أكثر المعتزلة[3].

واستدل لهذا القول بأدلة منها:

1- قوله تعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿ ١٥٨ ﴾ ﴾ [الأعراف:158].

ووجه الدلالة: أن الأمر في قوله: (واتبعوه) يحمل على الوجوب؛ لأنه الأصل في الأمر.

2- قوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور:63]. وفعله من أمره.

3- قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾ [آل عمران:31]. ومحبة الله واجبة فما ترتب عليها كذلك.

4- ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه من أن النبي ﷺ خلع نعله في الصلاة فخلعوا نعالهم. أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم. ووجه الدلالة من الحديث أن الصحابة فهموا وجوب المتابعة في الفعل المجرد.

القول الثاني: الندب: وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد وحكي عن الشافعي.

واستدل لهذا بأن القربات التي يفعلها الرسول ﷺ لا تخرج عن الوجوب والندب، وأقل درجاتها الندب، وما زاد عليه يحتاج إلى دليل.

القول الثالث: لا يفيد الوجوب ولا الندب بمفرده بل يحمل على الإباحة، وهو مذهب الكرخي واختاره السرخسي، وقال ابن عبد الشكور: (هو الصحيح عند أكثر الحنفية)[4]. وهؤلاء يستدلون بأن الرسول ﷺ مأمور بالتبليغ، والتبليغ لا يكون إلا باللفظ، فالفعل يحتمل الوجوب والندب والإباحة فنجزم بالمتيقن وهو الإباحة وما زاد على ذلك لا بد من دليل آخر عليه.

القول الرابع: الوقف، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها أبو الخطاب، ويبدو أن سببه تعارض الأدلة.

[الترجيح]:

والراجح: هو القول الثاني، وهو حمله على الندب.

وما ذكره أصحاب القول بالوجوب لا دلالة فيه؛ فالأمر باتباع الرسول ﷺ أمر مطلق فلا يدل على اتباعه في كل فعل، وامتثال المطلق يتحقق بالاتباع فيما عرفنا أنه واجب. وفعل الصحابة لا دليل فيه على أنهم اعتقدوا الوجوب، بل يحتمل أنهم فعلوه على الندب، وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ [النور:63] ظاهره المخالفة فيما أمر به أمر إيجاب، وكلامنا في الفعل المجرد عن الأمر.

وأما حديث أبي سعيد فهو دليل على عدم الوجوب لمجرد الفعل؛ حيث سألهم النبي ﷺ عن سبب خلع نعالهم سؤال إنكار، ولو كان فعله يقتضي الوجوب لما أنكر عليهم.

وأما القائلون بحمله على الإباحة فيرد عليهم بأن ما يغلب على الظن كونه قربة لا يمكن حمله على الإباحة، وقولهم إن الرسول مأمور بالبلاغ يجاب بأن المندوب يكفي في تبليغه فعل الرسول إياه، بخلاف الواجب.

وأما الوقف فمرده لتعارض الأدلة، وقد بينت رجحانَ أدلة القول الثاني.

وقد حمل بعض العلماء القول بالوجوب على أن المراد بالوجوب وجوب التأسي بالرسول ﷺ، فما فعله الرسول على جهة الوجوب عليه فهو واجب على غيره، وما فعله على جهة الاستحباب فهو مستحب لغيره، وهذا تأويل حسن يتفق مع صنيع الفقهاء في تفريعاتهم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة