حجم الخط:

محتوى الدرس (22)

الدليل الرابع: القياس

تعريفه:

[تمهيد]:

القياس في اللغة: التقدير، يقال: قاس الطبيب الجرح، إذا قدر عمقه، وقاس البزاز القماش إذا قدره بالمتر. ويطلق على المساواة بين شيئين، كما يقال: فلان لا يقاس بفلان، أي: لا يساوى به.

وفي الاصطلاح: نجد أن للأصوليين اتجاهين رئيسين في تعريفه:

الأول: جعل القياس اسمًا لفعل المجتهد الذي ينظر في المسألة غير المنصوص على حكمها ليلحقها بالمنصوص عليها.

الثاني: جعل القياس اسمًا للتساوي الواقع بين المسألتين، سواء تفطن له المجتهد فاستدل به على حكم غير المنصوص أم لم يتفطن له.

وعلى هذا يمكن أن نعرفه بناء على الاتجاه الأول بأنه: إلحاق فرع بأصل في الحكم الشرعي الثابت له لاشتراكهما في علة الحكم.

ومثله التعبير بلفظ: حمل فرع على أصل في حكم...إلخ. وكذا قولهم: حمل معلوم على معلوم... إلخ.

وأما على الاتجاه الثاني فيمكن أن يعرف بأنه: مساواة فرع لأصل في حكم شرعي لاشتراكهما في علة الحكم.

وكل من هذين التعريفين لم يسلم من الاعتراض، ولكن لما كان المقصود بالتعريف تمييز المعرف عن غيره أمكن الاكتفاء بأي منهما.

والقياس ينقسم إلى قياس طرد وقياس عكس، ولكن العلماء حين يعرفونه إنما يعرفون قياس الطرد لأنه الأصل، أما قياس العكس فقل من يراعيه عند تعريف القياس؛ إما لأنه لا يرى حجيته، وإما لقلة وروده في كلام الفقهاء، وإما لاختلاف الحقيقتين وتعذر الجمع بينهما في تعريف واحد.

[المراد بالطرد]:

والمراد بالطرد هنا: ثبوت الحكم لثبوت الوصف المدعى عليته.

والعكس: انتفاء الحكم لانتفاء الوصف المدعى عليته.

وإذا نظرنا إلى تعريفات الأصوليين للقياس نجد أن غالبهم لا يلتفت إلى قياس العكس عند التعريف فلهذا يعبرون بلفظ إثبات أو إلحاق أو حمل أو مساواة، ويعبرون بلفظ: لاشتراكهما في العلة، أو لتساويهما في العلة، ومعلوم أن هذا إنما يصدق على قياس الطرد؛ إذ هو الذي يثبت به حكم للمسكوت عنه مساو لحكم المنطوق، لتساويهما في علة الحكم.

وما جرى عليه جمهرة الأصوليين من قصر التعريف على قياس الطرد دون قياس العكس هو الأولى؛ لاختلاف الحقيقتين وعدم إمكان الجمع بينهما في تعريف واحد. ولهذا فسنذكر التعريف المختار لقياس الطرد لأنه المقصود بالقياس عند الإطلاق. فأقول: أحسن ما يعرف به القياس أن يقال:

(هو إثبات مثل حكم الأصل للفرع لتساويهما في علة الحكم).

شرح التعريف:

لشرح التعريف لا بدّ من معرفة معاني الكلمات الآتية: الحكم، الأصل، الفرع، العلة.

فالحكم سبق تعريفه، والمقصود به هنا: أي حكم من الأحكام الشـرعية، كالوجوب والتحريم والندب.

الأصل: المقصود به هنا: المقيس عليه، أي: الصورة أو المسألة التي ثبت حكمها بنص أو إجماع، أو اتفق عليه الخصمان المتناظران.

الفرع: المقصود به هنا: المقيس، أي الصورة أو المسألة التي يراد إثبات حكمها بالقياس.

العلة: المراد بها هنا: المعنى الذي ثبت الحكم في المسألة المقيس عليها لأجله، سواء عرف ذلك بنص أو باجتهاد ونظر.

فمعنى التعريف: أن القياس هو تسوية المجتهد في الحكم بين مسألتين: إحداهما ثبت حكمها بنص أو إجماع أو اتفاق من المتناظرين، والأخرى محل خلاف، فيقوم المجتهد بإلحاقها بالأولى المتفق على حكمها لأجل اشتراك المسألتين في الوصف الذي يغلب على الظن أنه علة ثبوت الحكم في المسألة المقيس عليها.

مثاله: أن الخمر محرمة باتفاق المسلمين؛ للنصوص الكثيرة الواردة في تحريمها، والنبيذ الذي هو عصير الفواكه أو التمر أو الشعير ونحوه إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه، اختلف في تحريمه. فذهب جمهور العلماء إلى تحريمه قياسًا على الخمر. فالخمر هي الأصل في هذا القياس، والنبيذ فرع، والعلة الجامعة بينهما الإسكار، فكل منهما مسكر، والحكم الذي ثبت للفرع هو التحريم.

وهذا المثال يذكره أكثر الأصوليين، مع أن تحريم النبيذ ثابت بقوله : «وكل مسكر خمر»، فالقياس هنا لا حاجة إليه إلا للاستدلال به على من لا يرى صحة الحديث.

مثال آخر: ثبت عن النبي أنه قال: «البر بالبر مثلاً بمثل» الحديث، فقاس جمهور العلماء الذرة على البر، وحكموا بتحريم بيعها بجنسها مع التفاوت في المقدار، ولم يخالف في هذا إلا الظاهرية، فالأصل في هذا المثال البر، والفرع الذرة، والعلة الجامعة أن كلاً منهما مكيل يمكن ضبط مقداره بالكيل، والحكم هو تحريم التفاضل إذا بيع بجنسه.

وبعض العلماء عللوا ذلك بالطعم فقالوا: البر مطعوم، والذرة كذلك، فالذرة تأخذ حكم البر.

وبعضهم علل بالاقتيات والادخار، فقال تقاس الذرة على البر ويثبت تحريم بيعها بجنسها مع التفاضل، والعلة الجامعة هي الاقتيات والادخار، فكل من البر والذرة يقتاته الناس ويدخرونه ولا يفسد بالادخار.

أركان القياس:

[إجمال]:

اتضحت أركان القياس من خلال التعريف والمثال، وتبين أن له أربعة أركان:

1- الأصل، وهو المسألة المقيس عليها. هذا في الاصطلاح الأكثر استعمالاً، ولكن قد يطلق الأصل على الدليل المثبت للحكم، وقد يطلق على الحكم نفسه.

2- الفرع، وهو الصورة المقيسة، أو المراد إثبات حكمها بالقياس.

3- الحكم، وهو حكم الشرع الذي ثبت في الأصل، سواء أكان تحريمًا أم وجوبًا أم إباحة أم غير ذلك.

4- العلة، وهي الوصف الذي يشترك فيه الأصل والفرع، ويغلب على الظن أنه مناط الحكم ومتعلقه.

وقد جريت على المشهور، مع أن الأولى أن نعبر بالوصف الجامع لا بالعلة؛ لأن الوصف الجامع أعم من العلة، فقد يكون علة وقد يكون وصفًا شبهيًا، وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن شروط العلة.

تعريف العلة:

العلة في اللغة: المرض، أو هي تغير المحل.

وفي الاصطلاح اختلف في تعريفها، وأحسن ما قيل في تعريف العلة، أنها: (وصف ظاهر منضبط دل الدليل على كونه مناطًا للحكم).

ومعنى قولهم: (وصف) أي: معنى من المعاني، ولهذا كثر في كلام الأصوليين والفقهاء إطلاق المعنى على العلة، بل إن المتقدمين لا يكادون يذكرون (العلة) بل (المعنى).

وقولهم: (ظاهر): قيد يخرج الوصف الخفي الذي لا يطلع عليه إلا من قام به، مثل الرضى في البيع، فإنه لا يعلل به وإنما يعلل انعقاد البيع بقول الشخص بعت أو قبلت، فالنطق بالصيغة وصف ظاهر، ولهذا جعل هو العلة في انعقاد البيع.

قولهم: (منضبط)، الوصف المنضبط هو الذي لا يختلف باختلاف الأفراد ولا باختلاف الأزمنة والأمكنة.

ومثلوا لغير المنضبط بالمشقة إذا قيل: علة الفطر في السفر المشقة، فإن المشقة تختلف باختلاف الأفراد والأزمان والأمكنة.

ومثلوا للمنضبط بالسفر إذا عللنا جواز الفطر به.

وقولهم: (دل الدليل على كونه مناطًا للحكم)، أي: قام دليل معتبر من الأدلة الدالة على العلة على أن هذا الوصف علة الحكم.

ومعنى قولهم: (مناطًا للحكم) أي: متعلَّقا للحكم، بمعنى أن الحكم يعلق على هذا الوصف فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه.

وهذا التعريف يصلح لجميع المذاهب مع اختلافهم في أثر العلة، وذلك أن العلماء اختلفوا في أثر العلة في الحكم على ثلاثة مذاهب.

[أثر العلة في الحكم]:

1- مذهب المعتزلة: أن العلة لها أثر في ثبوت الحكم، فهي المثبتة للحكم، كما أن العلة العقلية هي المثبتة لحكمها، فكما نقول: التسويد علة لكون المحل أسود، والأكل علة للشبع، والشرب علة للري، نقول: اختلاف الوزن علة لتحريم بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة مع التفاضل، وهكذا.

2- مذهب الأشاعرة: أن العلة ليس لها أثر في وجود الحكم، وإنما هي علامة مجردة عليه، والحكم يسند لله وحده لا للعلل.

3- المذهب الثالث: أن العلة لها أثر في الحكم، ولكن ليست مؤثرة بذاتها، بل الله جل وعلا هو الذي جعلها مؤثرة، وهذا القول هو اللائق بمذهب السلف؛ لأنه مقتضى نصوص القرآن والسنة، كقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:32]، وقوله: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ [الحشـر:7]، وقوله: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:55].

وهذا خلاف نقل إلى أصول الفقه من خلافهم في علم الكلام؛ فإن المعتزلة يثبتون الأسباب ويجعلونها مؤثرة بنفسها، أو يسندون التأثير إليها، والأشعرية ينكرون أثر الأسباب ويجعلون المؤثر هو الله وحده، والأسباب والعلل عندهم ليست إلا علامات على أن الله أراد وجود المسبب، فالمعتزلة يقولون: النار محرقة بذاتها، إلا إن أراد الله أن يسلبها هذه الخاصية فإنه على كل شيء قدير، والأشعرية يقولون: النار لا تكون محرقة إلا إذا أراد الله لها ذلك.

والقول الحق في ذلك هو الجمع بين القولين، فلا ننكر أثر الأسباب والسنن التي جعلها الله في الكون لعمارته وبقائه، وفي الوقت نفسه لا نقول إن ذلك يكون بغير إرادة الله وتدبيره، بل نقول: العلل والأسباب لها تأثير، ولكن تأثيرها ليس بذاتها، بل الله جل وعلا هو الذي جعلها كذلك، وبهذا لا نكون أثبتنا خالقًا مع الله، بل الله خالق كل شيء فهو خالق الأسباب والمسببات.

ومذهب المعتزلة والماتريدية أقرب إلى مذهب السلف من مذهب الأشاعرة في هذه المسألة.

وقد بنى الأشاعرة مذهبهم في كون العلة مجرد علامة، على مذهب فاسد وهو عدم تعليل أفعال الله، وهذا يناقض كثيرًا من نصوص القرآن والسنة، كقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32]، وقوله تعالى: ﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ [الحديد:23]، وقوله: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ [الحشر:7].

وهو أيضًا يناقض ما ذكروه في مواضع من باب القياس.

وقد نبه الرازي على تناقض الأشاعرة فقال: (وأما الفقهاء فإنهم يصـرحون بأنه تعالى إنما شرع هذا الحكم لهذا المعنى، ولأجل هذه الحكمة، ولو سمعوا لفظ الغرض لكفّروا قائله مع أنه لا معنى لتلك اللام إلا الغرض)[1].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة