الاستصلاح
الاستصلاح في اللغة: العمل على إصلاح شيء ما.
وفي الاصطلاح: بناء الأحكام على المصلحة المرسلة.
والمصلحة في اللغة: المنفعة، سواء أكانت دنيوية أم أخروية، بجلب نفع أو بدفع ضرر.
والعلماء متفقون على أن الشـرع جاء بحفظ المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، وأن الله جل وعلا قد راعى في أحكامه مصالح العباد، وأن الشـريعة ليست نكاية بالخلق ولا تعذيبًا لهم، وإنما هي رحمة وتزكية، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿ ١٠٧ ﴾ ﴾ [الأنبياء:107]، وقال تعالى: ﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴿ ١٥١ ﴾ ﴾ [البقرة:151] وقال في صفة رسوله ﷺ: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿ ١٢٨ ﴾ ﴾ [التوبة:128].
وأهل السنة يرون أن مراعاة الشارع لمصالح العباد تفضل منه وكرم وليس بواجب عليه، وأكثر المعتزلة يرون أن مراعاة مصالح العباد واجب على الله أوجبه على نفسه؛ لأنه من لوازم حكمته وعدله.
أقسام المصلحة من حيث اعتبار الشرع لها:
والمصلحة من حيث اعتبار الشرع لها وبناء الأحكام عليها وعدمه تنقسم ثلاثة أقسام:
وهي كل منفعة دل الشرع على عدم الاعتداد بها وعدم مراعاتها في الأحكام الشرعية، وذلك لانطوائها على مفسدة أعظم منها، أو لأنها تفوّت مصلحة أكبر.
ومثال المصلحة الملغاة ما في الزنى من لذة قضاء الشهوة، وما في ترك قطع السارق من مصلحة تمتعه بأعضائه، وما في التسوية بين الرجال والنساء في الميراث من مصلحة ترغيب النساء في الإسلام، وغير ذلك.
والضابط الذي به نعرف أن المصلحة ملغاة هو مخالفتها لنص أو إجماع أو قياس جلي.
فالمنافع المشار إليها قبل قليل مصادمة لنصوص الشـرع الصحيحة الصـريحة، وإذا دققنا النظر فيها نجد أنها مصالح جزئية لو روعيت لفوتت مصالح كلية.
2- [مصلحة اعتبرها الشارع بعينها]:
مصلحة اعتبرها الشارع بعينها وراعاها في أصل معين يمكن أن يقاس عليه ما يشبهه:
وهذه هي المصلحة التي تتضمنها العلة في القياس، ويسميها بعضهم المناسبة، ومثالها: مصلحة حفظ العقل التي تضمنها تحريم الخمر، فيقاس على الخمر كل ما يذهب العقل من المخدرات والحشيش ونحو ذلك.
وهذه لا يختلف القائلون بحجية القياس في مراعاة الفقيه لها في اجتهاده، ولكنهم لا يعدونها دليلاً مستقلاً غير القياس.
3- [مصلحة اعتبر الشارع جنسها]:
مصلحة اعتبر الشارع جنسها، ولا يشهد لعينها أصل معين بالاعتبار:
بمعنى أن نصوص الشرع العامة تدل على مراعاة جنس هذه المصلحة، ولكننا لا نجد نصًا خاصًا على تحقيق هذه المصلحة بهذا الحكم المعين بخصوصه؛ إذ لو وجدنا أصلاً خاصًا وأمكن القياس عليه لكانت من النوع الثاني.
ومثال هذا النوع: المصلحة الناشئة من جمع القرآن في مصحف واحد، فهذا العمل فيه مصلحة حفظ الدين، ولكن لم نجد نصًا يدل على حفظ الدين بهذه الطريقة بخصوصها، ولا بشيء يشبهها شبهًا يمكن معه قياسها عليه.
ومن ذلك المصلحة الناشئة عن وضع إشارات المرور في الشوارع العامة، ومعاقبة من لا يراعيها، فإن هذا العمل فيه مصلحة ظاهرة للناس؛ حيث إن الالتزام بهذه الإشارات يحفظ أرواح الناس وأموالهم، وعدمه يؤدي إلى التصادم وتعطيل الحركة وهلاك الأنفس والأموال، فهذه المصلحة من حيث جنسها قد جاء بها الشـرع، ولا يشك مسلم في أن الإسلام يدعو إلى حفظ الأنفس والأموال، ولكن لا نجد نصًا خاصًا يدل على حفظها بهذه الطريقة (أي: بوضع إشارات المرور) ولا بطريقة تشبهها شبهًا بينًا يمكن قياسها عليها.
وهذه المصلحة هي التي تسمى المصلحة المرسلة، وهي التي اختلف في حكم الاحتجاج بها على إثبات الأحكام الشرعية.
ولا يصح أن نفسر المصلحة المرسلة بالمهملة أو المسكوت عنها؛ فإن الشرع لم يهمل شيئًا من المصالح الحقيقية، وإنما أهمل المصالح المتوهمة، والظاهر أن قولهم: المرسلة، لإخراج المقيدة، وهي التي شهد لها أصل خاص بالاعتبار، وأمكن القياس عليها.
ذهب جمهور الفقهاء إلى الاستدلال بالمصلحة المرسلة في إثبات الأحكام الشـرعية، وأكثر الإمام مالك من العمل بها حتى ظن بعض الناس اختصاصه بها.
والأصوليون يذكرون خلافًا قويًا في عدها من الأدلة، وينقلون عن الإمام الشافعي إنكار الاحتجاج بالمصلحة التي لا ينتظم منها قياس صحيح، ورأى الغزالي أن ما يقع منها في مرتبة الضروريات يمكن الاحتجاج به وإن لم يشهد له أصل معين، بخلاف ما يقع في رتبة الحاجيات والتحسينيات، وأنكر ابن قدامة الاحتجاج بها في روضة الناظر، ولكنه في كتبه الفقهية يعلل بالمصلحة المرسلة أحيانًا.
وفي المقابل نجد الطوفي يرى أن المصلحة إذا كانت ضرورية تقدم على النص، وقد أنكر عليه هذا من جاء بعده واستبشع قوله.
والحق أن المصلحة الضرورية القطعية لا يمكن أن يوجد في النصوص ما يعارضها.
فهذا القول وإن كان في ظاهره شناعة، إلا أنه لا يترتب عليه عمليًا ما يحملنا على اتهام الطوفي في عقيدته، كما فعل بعض من رد عليه؛ لأنه لا يوجد مثال صحيح تتعارض فيه مصلحة ضرورية مع نص شرعي صحيح.
وخلاصة القول: أن الذين خالفوا في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة إنما خالفوا في عدها دليلاً مستقلاً أو في تقديمها على النصوص أو في المصالح المعارضة بمثلها أو بما هو أعظم منها.
· يستدل للعمل بالمصلحة المرسلة بأدلة كثيرة، ومنها:
1- أن الصحابة رضي الله عنهم عملوا بالمصالح المرسلة فيما طرأ لهم من الحوادث، فمن ذلك:
- جمع القرآن في مصحف واحد.
- وإيقاع عمر الطلاق الثلاث بكلمة واحدة.
- وقتل الجماعة بالواحد، وهذا يعد إجماعًا منهم.
2- الآيات الدالة على أن الشريعة جاءت لمصالح العباد والتيسير عليهم، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿ ١٠٧ ﴾ ﴾ [الأنبياء:107]، وقوله: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة:185]، وقوله: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ۚ ﴾ [النساء:28]، وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ ﴾ [الحج:78].
فهذه الايات تدل على أن من مقاصد الشـرع التيسير على الناس ورفع الحرج، والعمل بالمصالح المرسلة فيه تيسير على الناس؛ إذ لو كلفنا الرجوع إلى النصوص الخاصة لخلت كثير من الوقائع عن الأحكام، ولو لم يلتفت الشـرع إلى مصالح العباد ويبني عليها الأحكام التي تحفظها لوقع الناس في الضيق والحرج.
· يشترط للعمل بالمصلحة المرسلة ما يلي:
1- أن تكون المصلحة حقيقية لا متوهمة، فالمصلحة المتوهمة لا ينظر إليها، ومثالها: ما يتوهمه بعض الناس من أن التسوية بين الرجل والمرأة في الإرث فيه مصلحة، وهي ترغيب الكفار في الإسلام، ومن ذلك: ما يتوهمه البعض من أن العمل بالقوانين الوضعية المستوردة فيه مصلحة وهي التسوية بين الناس في الحقوق والواجبات.
وهؤلاء وأولئك غفلوا عن أن خالق الناس أعلم بما يصلحهم وما يناسبهم، وأن ترغيب الكفار في الإسلام بترك فرض من فرائضه مفاسده أعظم مما يتوخى فيه من مصلحة، وما في القوانين الوضعية من المصالح يمكن تحصيلها من الشريعة على وجه أكمل.
2- أن لا تعارض نصًا من كتاب أو سنة، أو إجماعًا صحيحًا، فإن عارضت شيئًا من هذه الأدلة فهي مصلحة ملغاة؛ إما لانطوائها على مفسدة أعظم، أو لتفويتها مصلحة أعظم.
3- أن لا تعارض مصلحة مساوية لها أو أعظم منها، فإن تعارضت المصالح رجحنا أقواها أثرًا وأعمها نفعًا وأكثرها دفعًا للمفسدة، وإذا تعارضت مصلحة فرد أو فئة مع المصلحة العامة قدمنا المصلحة العامة.
4- أن تكون في مواضع الاجتهاد لا في المواضع التي يتعين فيها التوقيف، كأسماء الله وصفاته، والبعث والجزاء، وكأصول العبادات، فإن المصلحة المرسلة لا يمكن أن يستدل بها على ثبوت عبادة أو زيادة فيها أو نقص شيء منها.
أمثلة تطبيقية للعمل بالاستصلاح:
1- ضرب العملة السائرة في كل بلد، فهذا العمل لو طبقنا عليه دليلاً من النص لم نجده؛ إذ ليس في القرآن أمر بذلك، ولم يفعله الرسول ﷺ ولم يأمر به، ولكن الحاجة ماسة إليه ليتعامل الناس بعملة مقبولة عند جميعهم، تمكنهم من مبادلتها بما يحتاجونه من مأكول ومشروب وملبوس ومركوب وخدمات ينتفعون بها، ولذا وجب على الدولة أن تقوم بضرب عملة وتحميها من التزوير حتى تحتفظ بقيمتها.
2- وضع الإشارات التي تنظم السير في الطرقات، ووجوب الوقوف عندها، فوضعها في المدن الكبيرة من الضروريات التي يؤدي الإخلال بها إلى تلف الأنفس والأموال، فيجب على ولي الأمر وضعها، ويجب على الناس الالتزام بها.
3- تسجيل الأنكحة والمواليد في سجلات خاصة، فهذا من الحاجيات التي يؤدي الإخلال بها إلى فقدان كثير من المصالح، وقد يقال: إنها مما يحفظ الأنساب فتلحق بالضروريات.
4- الإلزام باستخراج بطاقات الجنسية، ورخص القيادة، ومعاقبة المخالف لذلك.
فهذه كلها مما تدعو الحاجة إليه لضبط الأمن، ومعرفة الأنساب، والمحافظة على الأرواح والأموال.