حجم الخط:

محتوى الدرس (36)

الباب الثالث: دلالة الألفاظ

تمهيد

اهتم علماء الأصول بالألفاظ اهتمامًا كبيرًا من حيث تقسيماتها وأنواعها، ومن حيث دلالتها على المعاني، وذلك لأن الأحكام الشرعية إنما تستفاد من الألفاظ إما بطريق الدلالة المباشرة، أو بطريق الإشارة والإيماء، وقد أحاط الأصوليون بما قرره علماء اللغة والنحو والتصريف، وزادوا عليهم تفصيلات لا يجدها الباحث عند غيرهم حتى من علماء اللغة الذين ألفوا فيها المؤلفات الكثيرة.

ومن الأصوليين من خاض في تقسيمات وتعريفات للألفاظ لا حاجة للفقيه بها، وإنما استدعاها حب الاستقصاء وغلبة النقل على مؤلفاتهم، والاستطراد الذي ينسـي بعض المؤلفين الغرض من التأليف في علم أصول الفقه.

ولا يليق بهذا المختصر اتباع ذلك المنهج، لذا سأقتصر على المفيد من تلك الأقسام، وما له مدخل في معرفة دلالة ألفاظ الشرع. وهي:

· الأمر والنهي.

· العام والخاص.

· المطلق والمقيد.

· المنطوق والمفهوم.

· النص والظاهر والمجمل والمبين.

الأمر والنهي

الأمر والنهي هما أساس التكليف، فلا تكليف إلا بأمر أو نهي صريحين أو ما يدل عليهما بنوع من أنواع الدلالة.

ولذا اهتم الأصوليون بالكلام عن الأمر والنهي ودلالة كل منهما، وجرى كثير منهم على تقديم الكلام عن الأوامر والنواهي في مؤلفاتهم لما لهما من الأهمية.

فمنذ أن خلق الله آدم وحواء أمرهما ونهاهما، فقال: ﴿ يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ [البقرة:35].

ولشرف المأمور به قدم الأمر على النهي، واكتفى أكثرهم في النهي بالإشارة إلى أنه عكس الأمر في دلالته، قال الغزالي: (وكل مسألة في الأوامر لها وزان في النواهي).

واكتُفى في باب النهي بالكلام عن اقتضاء النهي الفساد تفصيلاً، لما لهذه المسألة من أهمية وأثر في الفقه، ومثله فعل ابن قدامة.

[كلام الأصوليين في الأمر]:

· كلام الأصوليين في الأمر ينصب على جانبين:

1- لفظ الأمر، وهو الكلمة المكونة من: (أَ مَ رَ). وهذا يظهر من كلامهم عند تعريفه، وفي أن الأمر هل له صيغة تخصه؟

2- دلالة ما يصدق عليه لفظ الأمر من الألفاظ، مثل: صلوا، وصوموا، ونحوهما من الألفاظ الموضوعة للأمر، وسأتناول كلا من الجانبين، مع الاهتمام بالجانب الثاني؛ لأنه المقصود من دراسة هذا الباب.

تعريف الأمر:

كلمة الأمر عرّفها بعض الأصوليين بأنها: طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء.

فاشتمل التعريف على ثلاثة قيود هي:

أ- طلب الفعل، وهذا يخرج طلب الترك؛ فإنه يسمى نهيًا لا أمرًا.

ب- أن يكون بالقول لا بالفعل ولا بالإشارة والكتابة.

ج- أن يكون الطلب على جهة الاستعلاء، أي: يعرف من سياق الكلام أو من طريقة التكلم به أن الآمر يستعلي على المأمور، سواء أكان أعلى منه رتبة أم أدنى منه في واقع الأمر.

وبناء على هذا التعريف فإن العبد لو قال لسيده: افعل كذا، بنبرة توحي بأنه يستعلي عليه، سمي كلامه هذا أمرًا، واستحق التأديب عليه لأنه يأمر سيده.

وأما إن قال: افعل كذا، على جهة التوسل والسؤال فلا يسمى أمرًا، مع أن اللفظ واحد.

وقد اتفق الأصوليون على القيد الأول، وهو أن الأمر طلب فعل لا طلب ترك، واختلفوا في القيدين الأخيرين.

فالقيد الثاني خالف فيه جماعة من الأصوليين وقالوا: إن الأمر قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل كالإشارة والكتابة، والجمهور قالوا: لا يسمى الفعل أمرًا إلا على سبيل المجاز المفتقر إلى القرينة.

ولهذا فإن أفعال الرسول ﷺ المجردة لا تكون بمثابة الأمر إلا إذا دل الدليل على وجوب متابعته فيها.

وأما القيد الثالث فقد اختلفوا فيه، فمنهم من اشترط في مسمى الأمر الاستعلاء، وقد تقدم تفسيره.

ومنهم من اشترط العلو، وهو أن يكون الكلام صادرًا ممن هو أعلى رتبة من المأمور في واقع الأمر.

ومنهم من اشترط الأمرين معًا (العلو والاستعلاء).

ومنهم من لم يشترط أيًّا منهما.

والصواب: أن الأمر الذي يصلح مصدرًا للتشريع لا يكون إلا ممن هو أعلى رتبة، أي: من الله سبحانه وتعالى أو من رسوله ﷺ، ولذا فاشتراط العلو هو الأقرب.

والفرق بين الاستعلاء والعلو: أن الاستعلاء صفة في الأمر نفسه، أي: في نبرة الصوت، أو في طريقة إلقائه، أو في القرائن المصاحبة، وأما العلو فهو صفة في الآمر أي: أن الآمر أعلى رتبة من المأمور في واقع الأمر.

اشتراط الإرادة في الأمر:

كلام العلماء في المسألة:

اتفق العلماء على أن الأمر يشترط فيه إرادة التكلم بالصيغة، فلو صدر اللفظ من نائم ونحوه لا يسمى أمرًا في الاصطلاح وإن وجدت الصيغة، ولكنهم اختلفوا هل يشترط فيه إرادة الآمر إيقاع الفعل المأمور به؟

فذهب المعتزلة إلى أن ذلك شرط في تسميته أمرًا، فإذا لم يرد المتكلم بالصيغة وقوع المأمور به لا يسمى أمرًا.

وذهب الأشعرية إلى أنه ليس بشرط، فيسمى أمرًا سواء أراد الآمر وقوع الفعل أم لا.

استدل المعتزلة بأن الله لا يأمر بما لا يريد وقوعه، وإلا لكان ظالمًا وهو سبحانه منزه عن الظلم. وبقوله تعالى: ﴿ ۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾ [النحل:90]، وليس من العدل والإحسان أن يأمرنا بشيء لا يريد منا إيقاعه.

واحتج الأشعرية ومن تبعهم بأن الله يأمر الكافر بالإيمان وربما لم يؤمن، ولو أراد الله منه الإيمان لوقع؛ لأن الله وصف نفسه بأنه: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴿ ١٠٧ ﴾ ﴾ [هود:107].

تحرير الكلام في ذلك:

وهذا الخلاف لم يرد على محل واحد، والفريقان أخطآ معًا؛ حيث لم ينتبهوا إلى أن الإرادة نوعان:

النوع الأول: إرادة كونية قدرية: وهذه هي التي لا بد من وقوع متعلقها فيصح أن يقال: ما أراده الله لا بد أن يقع، بمعنى ما أراد الله وقوعه إرادة كونية قدرية، أي ما قدر وقوعه وقع، والأشعرية نظروا إلى هذا النوع من الإرادة فوجدوا أن الله يأمر بأشياء ثم لا تقع فقالوا إذًا هو لم يرد وقوعها بمعنى لم يقدر في الأزل وقوعها.

والنوع الثاني: الإرادة الشرعية: وهي بمعنى المحبة، وهذه تكون مع الأمر لا تفارقه، فما أمر الله به عباده فهو يحب أن يقع، ولكنه قد يقع فعلاً أولاً يقع تبعًا لتقدير الله وإرادته الكونية، وهذه هي التي نظر إليها المعتزلة فقالوا من شرط الأمر الإرادة.

وتبين من هذا أن خطأ الفريقين جاء من جهة ظنهم أن إرادة الله واحدة لا تنقسم إلى هذين القسمين.

ويمكننا أن نصحح ما قاله الأشعرية من أن الأمر ليس من شرطه إرادة الآمر؛ أما الإرادة الكونية فواضح عدم التلازم بينها وبين الأمر، وأما الإرادة الشرعية فهي تابعة للأمر، فالأمر يستلزم الإرادة الشرعية ويدل عليها، فلا تكون شرطًا في تسميته أمرًا؛ لأن الشـرط ينبغي أن يعلم تقدمه على المشـروط، ولأن الشـرط في اللغة العلامة، والإرادة خفية لا نعرفها إلا بالأمر فلا يصح جعلها شرطًا في صحة الأمر.

والجميع متفقون على أن السيد لو أمر عبده بذبح الشاة للضيف مثلاً، وهو لا يريد منه أن يفعل ذلك أنه يعد آمرًا له عند جميع العقلاء العارفين باللغة، فلا لوم على العبد لو فعل، بل يلام على الترك، كما أنهم متفقون على أن ما قام الدليل على عدم دخوله في الأمر لا يدخل ولا يكون مأمورًا به ولو شمله لفظ الأمر لغة، فقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿ ٩٠ ﴾ ﴾ [النحل:90] فالعدل مأمور به ولكن يخرج منه ما لا يستطيعه الإنسان كالعدل بين الزوجات أو الأولاد أو الخصوم في الحب القلبي.

وقد تبع ابن قدامة وكثير من الأصوليين الغزالي في عدم اشتراط الإرادة في الأمر من غير أن يقيدوا الإرادة بالكونية القدرية، وخطأوا المعتزلة في اشتراط الإرادة من غير تفصيل، وكان الواجب أن يقولوا بالتفصيل الذي ذكرته آنفًا. والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة