الأمر في الواجبات الكفائية:
اختلف العلماء في الأمر في الواجبات الكفائية، مثل الجهاد ونحوه، أيتوجه إلى الكل ويسقط بفعل البعض؟ أم يتوجه إلى بعض مبهم؟
وقد ذهب الأكثر إلى أن الأمر في الواجبات الكفائية موجه لكل واحد من الأمة ويسقط بفعل من يكفي.
واستدلوا بأن الأمر لا يخلو إما أن يكون موجهًا إلى جميع الأمة، أو إلى بعض مبهم، والاحتمال الثاني باطل، لأنه لو وجه الخطاب إلى بعض مبهم، لأدى ذلك إلى ترك الواجب؛ إذ كل واحد سوف يقول: لست من ذلك البعض المبهم، فلا يقوم أحد بالفعل المأمور به، ولأن المكلف لابد أن يعلم أنه مكلف، وإذا كانت دلالة الخطاب على مبهم فإن المكلف لا يعلم أنه مخاطب، فيكون معذورًا.
وذهب بعض العلماء إلى أن المأمور في الواجبات الكفائية بعض مبهم.
واستدلوا بأن الأمر لو توجه إلى الجميع لما سقط بفعل البعض؛ لأن الفرض لا يسقط إلا بأداء أو نسخ.
وأيضًا فإن الإبهام في المكلف به جائز، فكذلك الإبهام في المكلفين.
وقد يستدلون بقوله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾ [آل عمران:104].
ووجه الدلالة: أن الدعوة إلى الخير من الواجبات الكفائية، ومع ذلك وجَّه اللهُ الأمر بها إلى البعض، لا إلى الجميع حيث قال: (منكم) و (مِن) تفيد التبعيض.
والراجح: أن الأمر في الواجبات الكفائية، الأصل فيه أن يتوجه إلى المجموع، أي إلى الأمة مجتمعة، لا إلى الجميع أي لا لكل فرد بخصوصه ولا إلى بعض مبهم وتوجيه الخطاب إلى مجموع الأمة يجعل كل واحد منها عرضة للعقوبة إذا لم يتم الفعل المأمور به.
وهذا القول قريب من القول الأول من حيث النتيجة ولكنه يسلم من الاعتراض الذي أورد عليه من أصحاب القول الثاني.
فلا يرد عليه قولهم: لو كان الخطاب موجهًا للجميع لكان كفروض الأعيان لا يسقط إلا بفعله أو نسخه.
ويتحقق به المقصود الذي أراده أصحاب القول الأول من كون الخطاب المبهم يؤدي إلى ترك الفعل المأمور به.
هذه المسألة من المسائل الكلامية التي لا أثر لها في الفقه. ولكني رأيت كثيرًا من الدارسين لا يعرف حقيقتها، ولا الباعث عليها، فأردت إيضاحها، فأقول:
هذه المسألة من المسائل التي أثارها المعتزلة ضد خصومهم من الأشعرية القائلين إن كلام الله قديم أزلي، فأوردوا عليهم سؤالاً مضمونه: لو كان كلام الله أزليًا لتعلق الأمر بالمأمورين قبل وجودهم، لأن كلام الله في الأزل عندهم أمر ونهي، ولا يمكن أن يكون أمر بلا مأمور.
فلما أورد المعتزلة عليهم هذا السؤال اضطروا إلى الالتزام بما يترتب على قولهم من لوازم فاسدة فقالوا: يتوجه الأمر للمعدوم. فلما شنّع عليهم العقلاء هذا القول قالوا: إن الأمر هنا ليس ناجزًا بل معلقًا على شرط الوجود.
قال إمام الحرمين: (وهذه المسألة إنما رسمت لسؤال المعتزلة، إذ قالوا: لو كان الكلام أزليًا لكان أمرًا، ولو كان أمرًا لتعلق بالمخاطب في عدمه، فإذا بينا أنه لا يمتنع ثبوت الأمر من غير ارتباط بمخاطب فقد اندفع السؤال، فآل الأمر إلى أن المعدوم مأمور على شرط الوجود، وهذا منتهى مذهب الشيخ رضي الله عنه. فأقول: إن ظن ظان أن المعدوم مأمور، فقد خرج عن حد المعقول وقول القائل: إنه مأمور على تقدير الوجود تلبيس، فإنه إذا وجد ليس معدومًا، ولا شك أن الوجود شرط في كون المأمور مأمورًا)[1].
وإمام الحرمين قد انتهى به الأمر إلى تأجيل النظر في حل هذا المعضل فقال: (فهذا مما نستخير الله تعالى فيه وإن ساعف الزمان أملينا مجموعًا من الكلام فيه شفاء الغليل إن شاء الله)[2].
وهذا السؤال الذي حير إمام الحرمين، وتخبط في الجواب عنه شيخه الباقلاني، لا يرِد على من اتبع مذهب السلف في كلام الله، الذي خلاصته أن كلام الله متجدد، وأنه تعالى يتكلم بما يشاء متى شاء، وأن كلام الله قبل تعلقه بالمخلوقين لا يسمى أمرًا ولا نهيًا بالمعنى المعروف للأمر والنهي، فلا يسمى المعدوم مأمورًا ولا منهيًا قبل وجوده، ولا يوجد أمر بلا مأمور بل لا يسمى كلام الله أمرًا إلا إذا توجه إلى المأمورين، ولا يلزم من ذلك عدم دخول المعدومين حين نزول القرآن في الخطاب إذا وُجدوا؛ لأن كلام الله حكم عام مستمر، وكل من وجد وتوافرت فيه شروط التكليف دخل تحته من غير حاجة إلى قياس. وعند قوم يدخل من يوجد بعد عصر نزول الوحي بطريق القياس الجلي، لأنه قياس بنفي الفارق.
والخلاف بين الفريقين عديم الفائدة في الفروع الفقهية، والإجماع قائم على دخولنا في هذا العصر تحت الأوامر والنواهي العامة، وبهذا يتبين أن المسألة كلامية، وإنما ذكرتها لإيضاح ما فيها من غموض.