حجم الخط:

محتوى الدرس (1)

تمهيد:

[مفهوم الاتصال]

حين يستخدم الداعية أسلوب الدعوة الفردية اللصيق؛ فيكون له تلاميذ ومحبون، يؤثر فيهم، ويهذبهم، ويراقب تغير سلوكهم. نسمي هذه العملية: (عملية اتصال).

وحين يقوم الداعية بإلقاء دروس أو خطب أو مواعظ في مسجده، فإنه يمارس اتصالًا من نوع آخر.

والداعية نفسه حين يكتب كتابًا أو مقالًا، أو يتحدث عبر الإذاعة أو التلفاز، فإنه يمارس اتصالًا من نوع ثالث.

ولكل نوع من تلك الأنواع خصائص تميزه عن غيره، كما سنفصل بعد قليل.

تحوي كلمة (الاتصال) معنيين أساسيين: الأول هو: عملية الاتصال، والثاني هو: وسائل الاتصال.

فخلاصة عملية الاتصال: كيف نرسل الرسالة التي نريد إيصالها، بأفضل طريق؟.

بينما وسيلة الاتصال هي: القناة التي من خلالها نجري العملية السابقة، مثل: التلفاز- الصحيفة- الموقع الإلكتروني.. وهو وسيلة اتصال يمكن من خلالها إيصال ما نريد من رسائل: سياسية، واجتماعية، وثقافية، وعلمية...إلخ.

فهنا تتداخل وظيفة الوسيلة الاتصالية (صحيفة- إذاعة- تلفاز- مواقع إنترنت...) مع العملية الاتصالية بمكوناتها (مرسل- رسالة- مستقبل).

أنواع الاتصال

وقبل أن نفصل دعنا نلخص بوجه عام أنواع الاتصال[1]، وهي:

ينقسم الاتصال من ناحية استخدام اللغة إلى: اتصال لفظي، واتصال غير لفظي، وهو الذي قد تحل فيه الإشارة محل اللفظ؛ كاستخدام الصور مثلًا، أو تعبيرات الوجه.

وينقسم من حيث حجم المشاركين إلى:

اتصال ذاتي: حين يتواصل المرء مع نفسه ويحدثها ويرتب فكره.

اتصال شخصي: حين يتحدث المرء إلى شخص آخر.

اتصال جمعي: حين يتصل المرء مع مجموعة، على غرار ما يحدث في المحاضرات والندوات واللقاءات وحلقات النقاش.

اتصال تنظيمي: وهو يُعنى بكيفية الاتصال بين طائفة أو جماعة أو فرق عمل أو عاملين في قطاع ما، أو موظفين في شركة أو مصنع.

اتصال جماهيري: ومثاله أن يتحدث المرء عبر الهياكل الإعلامية (مقرؤة-مسموعة- مرئية) إلى حشود من الناس.

وأخيرًا: اتصال تفاعلي جماهيري: حين يُتبادل التأثير من خلال صفحات التفاعل عبر شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، ومن خلال تلقي الاتصالات المباشرة من الجمهور في البرامج المباشرة في الراديو والتلفاز.

أهمية الاتصال:

لا يبالغ المرء أبدًا حين يطلق مقولة مثل: (الاتصال هو الحياة)، أو يربط التاريخ بالاتصال، كما يقول ألبير كامو: (إن تاريخ الحضارة هو تاريخ الاتصال)[2]؛ فالاتصال يعني: التفاعل، والتفاهم، وتبادل الأفكار والمعارف والقيم.. للفرد والجماعة، وتلك خصال بشرية لصيقة بالإنسان؛ لذا: يجب ألا ينظر إلى الاتصال بوصفه نشاطًا إنسانيًّا مجردًا، بل يجب النظر إليه بوصفه نشاطًا له أهمية خاصة تنبع من تعدد الوظائف التي يقوم بها والمجالات التي تتأثر به.

ولقد ازدادت أهمية الاتصال نفسه مع تطور وسائل الاتصال المختلفة، فما لبثت البشرية تتطور حتى وصل الحال لإمكانية إرسال ملفات كاملة وصور ووثائق عبر شبكة المعلومات الدولية في أجزاء من الدقيقة، وهذا كله يزيد من إمكانية الاتصال والتفاعل ونقل المعلومات.

لقد ساهم تطور وسائل الاتصال في تسهيل عملية الوصول للمعلومات ونقلها وشرحها، وأسقطت عديدًا من الحواجز المختلفة التي كانت تحُول في السابق بين المتعلم والوصول إلى الحقائق، إن شبكة المعلومات الدولية الآن يسرت على الباحثين كلهم عملية الحصول على المعلومات وطلبها، ويسرت سبل إجراء المقارنات، بل يسرت عمليات الإحصاء والرسم البياني وإدخال الوسائط المتعددة (النصوص المكتوبة- الرسوم الثابتة والمتحركة- الرسوم البيانية- الفيديو والصوت) في عمليات التعليم والتعلم[3].

وبالطريقة نفسها يمكن الحديث عن دور وسائل الاتصال في السياسة؛ حيث تؤدي وسائل الاتصال دورًا مهمًّا في عمليات التنشئة السياسية والثقافة السياسية؛ مما يؤثر تأثيرًا بالغًا في ممارسة حرية الرأي وحرية التعبير والوعي السياسي، كما يتيح نظام الاتصال تحقيقًا لوظيفة التعبير عن المصالح[4]، ويعد الاتصال أحد القنوات المؤسسية الرسمية للتعبير عن المصالح، ومن ثم: تجد المشكلات السياسية وقضايا الساعة دائرة استماع أوسع، وتساهم في تدفق المعلومات بين النخب السياسية والجماهير ونقل المعلومات والطموحات والتصورات، فتكتمل دائرة المعلومات السياسية التي تؤثر في كفاءة النظام السياسي وفعاليته مع إمكانية استخدام الإعلام الموجه للخارج في دعم الجهود السياسية والدبلوماسية[5].

ويمكننا في الإطار نفسه تصور علاقة الاتصال بالاقتصاد وتدفق المعلومات لدعم الحياة الاقتصادية، وكذلك دفع مسيرة التنمية.

العلاقة بين الاتصال والدعوة:

[إيصال الرسالة]

ولا يبالغ المرء أيضًا حينما يقول إن رواد الاتصال الأوائل هم الأنبياء عليهم السلام ، الذين كانوا جميعًا يحرصون على إيصال رسالتهم بشتى السبل: الاتصال المباشر: كالدعوة الفردية، والاتصال الجمعي: كالخطبة، والاتصال غير المباشر: كالمراسلات، والرسائل، والنصائح.

خذ مثالًا قول نوح عليه السلام: { ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ٩ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ١٠ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ١١ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ١٢ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ١٣ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ١٤ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ١٥ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ١٦ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ١٧ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ١٨ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ١٩ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ٢٠ } [نوح: 9- 20].

إنه عليه السلام يشير إلى أنه مارس أنواع الاتصال كافة، الفردية والجمعية { أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا } ، كما أنه عرض رسالته بسبل الإقناع كافة، واستخدم الاستمالات العاطفية التي تبشر بمآلات طيبة { يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ١١ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } ، والاستمالات العقلية { أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ } التي تقنع العقل وتحثه على التفكير[6].

وهكذا ندرك أنه كلما تعرف الداعية على مكونات عملية الاتصال، وأتقن التعامل معها، وتعرف على كيفية التأثير وطرائق الاستمالات وكيفية استخدامها دون مبالغة، وكلما انتبه كذلك لعمليات التشويش على الرسالة وتخلص منها[7].. استطاع توظيف تلك المعرفة وتوجيهها؛ ليفيد دعوته ويوصل رسالته بأفضل السبل وبأيسر الطرائق.

والدعوة تستخدم الاتصال في نواحٍ كثيرة: فهو وسيلتها لتغيير المفاهيم الخاطئة، ولنقل الأخبار الصادقة، وللتخطيط الدعوي، والاستفادة من خبرات الآخرين.

لذا: فيجب على من يمارس الدعوة - ولا سيما في نطاقها المنظم الجماعي- أن يهتم بالاتصال من الناحيتين: من ناحية أن يملك وسائل اتصال حديثة، وأن يكون التواصل من خلالها بطريقة منظمة مدروسة من ناحية ثانية.

[الاتصال الدعوي في واقعنا]

لكن واقعنا- للأسف- غير ذلك تمامًا!:

إن وُجِدَت هيئة دعوية تملك وسائل الاتصال (وهي غالبًا قليلة العدد) فإن إدارتها تسند لغير المتخصصين، وإن أعطيت للمتخصصين ولم يعطوا الإمكانات اللازمة لخروج العمل بشكل منظم ومدروس.. يخرج العمل الاتصالي باهتًا هزيلًا؛ وإن توافرت الإمكانات وأعطيت لمتخصصين قد لا تسلم من تبذير بسبب قلة الخبرة في الممارسة، وهذا ما يجب على المختصين بشؤون الدعوة أن يسعوا لتلافيه.

فيجب امتلاك وسائل اتصال دعوية قوية، ويجب كذلك أن يُخَطَّط جيدًا لدورها، من خلال دراسات أساسية لما في المجتمع من أحوال ومشكلات وضوائق وميزات، فتُدعم الميزات ويُتخلص من المشكلات.

هذا هو الهدي الإسلامي في التعامل مع أحوال المجتمع؛ لذا: فقد أُرسل كثير من الأنبياء بقضايا خاصة لقومهم مع القضايا الدعوية العامة المتمثلة في: الدعوة للعبودية الخالصة لله تعالى، وفي اتباع الهدي الرسالي، وفي تطهير الأخلاق.

أُرسل هود عليه السلام بتحريم الكِبر والعتو في الأرض، وأرسل لوط عليه السلام بقضية العفة وتحريم الشذوذ، وأرسل شعيب عليه السلام بتحريم التطفيف في الكيل والميزان؛ وهكذا قامت الدعوة على دراسة واقع والاجتهاد في حل مشكلاته.

إن عملية الاتصال يجب أن تُنَفَّذ وفقًا لأمرين أساسيين: القدرة على التعامل مع الوسائل المتاحة بأفضل السبل، إضافة إلى دراسة الواقع والظروف المجتمعية التي تمارَس فيها عملية الاتصال، وهذا يتطلب قدرًا كبيرًا من التعاضد بين المؤسسات الاجتماعية ودراسات متنوعة لأحوال المجتمع؛ فما يُقَدَّم لمجتمع ليس بالضرورة أن يصلح لمجتمع آخر.

[نحو اتصال دعوي ناجح]

ولذا: يجب على من يخطط لاتصال ناجح أن يكون ملمًّا إلمامًا كاملًا بتلك الحقائق التي تشمل كافة الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحركة التاريخ وقواعد الجغرافيا في هذا المجتمع أو في المنطقة التي يمارس فيها عملية الاتصال؛ حيث الجهل بذلك يكون أول طريق الإخفاق.

ولذلك: فإن على الإدارة المنوط بها وضع الخطط التنفيذية ومتابعة تنفيذها أن تعتمد على الحقائق المحيطة بالمجتمع واحتياجاته الإنمائية وظروفه الحياتية والثقافية والسلوكية، من حيث سلبيات أفراده وإيجابياتهم، والضغوط التي سيتعرضون لها، بما فيها الأزمات التي تواجه الإدارة ذاتها.

وهذا ما نُطلِق عليه: أيكلوجيا البيئة الاجتماعية (أي: دراسة البيئة المحيطة)؛ فإنه من المهم دراسة الظروف المحيطة بالمجتمع، والأخطار الخارجية، والانتماءات الوطنية والقومية، والعلاقات المتشابكة مع المجتمعات الأخرى والدول الصديقة والدول المعادية.. إن الأمر كله يحتاج إلى دراسة علمية دقيقة، ومن دون تلك الدراسات العلمية ووضع نتائجها واضحة جلية أمام مخططي الاستراتيجية وواضعيها والمنوط بهم إدارة المؤسسات الإعلامية.. لا يمكن ضمان نجاح أي خطة إعلامية.

وظائف الاتصال:

[بداية]

تتنوع وظائف الاتصال وفقًا لأهداف الرسالة التي نريد أن نوجهها من خلاله؛ كما أن طبيعة كلًّا من المرسل والمستقبل تتحكم أيضًا في العملية الاتصالية.

ويمكن تحديد تلك الوظائف في الآتي:

التعامل مع المعلومات:

بمعنى المقدرة على التعامل معها، من حيث: التخزين، والاسترجاع، والمعالجة، ونشر الأنباء والبيانات والصور والحقائق.. سعيًا وراء فهم أفضل للظروف المختلفة (الشخصية، والبيئية، والدولية) للوصول إلى وضع يُمَكِّن من اتخاذ القرارات السليمة.

التنشئة الاجتماعية:

توفير رصيد مشترك من المعرفة يُمَكِّن الناس من العمل بفاعلية في المجتمع الذي يعيشون فيه، ودعم التآزر الاجتماعي.

وهنا يستخدم الداعية تلك الوظيفة في الانطلاق من أرضية مشتركة بينه وبين الناس؛ ليُشعِر الناس أنه منهم وأنه يريد مصلحتهم: { فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ، [يونس: 16] { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ } [الشورى: 23].

إيجاد الدوافع:

تدعيم الأهداف المجتمعية ودعم الأنشطة الخاصة بالأفراد والجماعات، فكلما أوجدنا دوافع مشتركة بين الداعية والناس.. ساهم ذلك في تفهم الدعوة وقبولها.

الحوار والنقاش:

دعم الاهتمام بموضوعات مستهدفة، والمشاركة في توفير الحقائق اللازمة، وتوضيح مختلف وجهات النظر، والحوار والنقاش بضوابطه الشرعية.. من أفضل سبل التأثير في الناس وتفهم الرسائل الدعوية.

التربية:

نشر المعرفة على نحو يعزز النمو الثقافي ويُكَوِّن الشخصية ويكسبها المهارات والقدرات في مراحل العمر كافة.

المحافظة على التراث:

نشر الأعمال الثقافية والفنية؛ بهدف المحافظة على التراث، وبهدف التطوير الثقافي عن طريق توسيع آفاق الفرد وإطلاق قدراته الإبداعية؛ فإن الإنسان يقتدي بغيره، وفي مجال الدعوة يرمى إلى النهوض بفهم الناس لقضايا الفكر والدعوة، من خلال دعم مشروعات ثقافية وفكرية.

الترفيه:

يُستخدَم الاتصال ووسائله من أجل الترفيه عن المجتمع، باستخدام الطرائف والفنون وطَرْقِ الموضوعات التي تساعد في نسيان الهموم الشخصية على الصعيدين الاجتماعي والشخصي.

هنا أيضًا يمكن أن ترشد الدعوة سبل الاتصال في قضية الترفيه بدعم ما هو مباح شرعًا منه؛ لئلا يُترَك ذلك المجال لغير الخيِّرين، فلا بد من إنشاء مشروعات اتصال ترفيهية تسد تلك الثغرة لدى الناس، وفي الوقت نفسه تكون منضبطة شرعًا، ولا ينزلق فيها إلى التنزل بشكل كبير يحدث معه التنازل عن المبادئ أو ضياع معني الجدية والاجتهاد، وهذا مما تجب فيه الدقة، لا سيما مع إسناد تلك المهام إلى من ليس لديه الوعي الدعوي الكامل أو مع تسلط من لا يحمل تَفَهُمًا لهذا الأمر ولحاجة الناس إليه في ظل إشكالية الضخ الإعلامي غير المنضبط، فيمنع كثيرًا مما يمكن السماح به.

التكامل:

يعمل الاتصال على توفير حاجة الأشخاص والمجموعات في التعارف والتفاهم والتعرف على ظروف معيشة الآخرين ووجهات نظرهم وتطلعاتهم[8]، وهذا كله يدعم تكاملية العمل الدعوي في كل مكان، ويدعم أيضًا القضايا العامة للمسلمين في الدول المختلفة، لا سيما في أماكن الأقليات الإسلامية.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة