حجم الخط:

محتوى الدرس (15)

القواعد الإعلامية الشرعية العامة:

تمهيد:

تتنوع القواعد في الشريعة الإسلامية، وضابط ما يجعل النص قاعدة هو أن يكون جامعًا، ويشمل انطباقًا على الأجزاء، وهو ما عبَّر عنه تعريفها، وهو: (قضية كلية منطبقة على جميع أجزائها)[1]. ولذا: فلا مانع من أن تكون القاعدة في العقيدة مثلًا، أو في الأخلاق، أو في المعاملات، أو الدعوة أو الإعلام.. وهو موضوع حديثنا.

وقد اختار بعض الباحثين- كالدكتور محمد أبو الفتح البيانوني- تقسيم القواعد إلى قسمين أساسيين: قواعد شرعية عامة، وقواعد شرعية خاصة.

ويقصد بالقواعد العامة: (تلك المتعلقة بالجوانب الشرعية المتنوعة أو بمعظمها، وإن غلب استخدامها في جانب خاص من جوانب الشريعة أو أكثر)، ومن أمثلتها ما يسميه العلماء بأمهات القواعد، وهي خمس: الأمور بمقاصدها- الضرر يزال- اليقين لا يزول بالشك- المشقة تجلب التيسير- العادة مُحَكَّمَة، وهذه القواعد يمكن تطبيقها على كثير من جوانب الشريعة، كالعقيدة والدعوة والإعلام والفقه...

أما القواعد الخاصة فهي: (القواعد التي يغلب عليها التعلق بجانب خاص من الجوانب الشرعية، فيُحتاج إليها في علم من العلوم أكثر من غيره)[2]، وقوله (فيُحتاج إليها في علم من العلوم أكثر من غيره) دقيق؛ لأننا في بحثنا هذا استنبطنا من كثير من القواعد العامة والفقهية- وهي قواعد خاصة- ما يحتاج إليه الإعلامي، وقد أسميناها القواعد الإعلامية[3].

وسوف نذكر خمس قواعد عامة مع شرح مختصر، وعشر من القواعد الفقهية - لكن دون شرح؛ خشية التطويل-، التي يمكن الاستفادة منها إعلاميًّا، وذكرتها في البحث المشار إليه[4].

نماذج من القواعد العامة[5]:

1- قاعدة الربانية:

(الإعلام المسلم يجب أن يكون إعلامًا ربانيًّا)

ونقصد بقاعدة الربانية في الإعلام أن تكون العملية الإعلامية تحقق ما يريده الشرع الحكيم وترتبط به نصرة لقضاياه وإخلاصًا لله تعالى فيه.

فهذه قاعدة عامة تشمل كل جوانب العملية الإعلامية، من: الرسالة الموجهة، وطرائق إيصالها، والأفراد الذين يقومون بهذا العمل، ولا نقصد هنا أن تكون البرامج المقدمة هي برامج دينية تتحدث عن الجوانب المختلفة للشريعة، بل نقصد أيضًا كل البرامج والرسائل التي يبثها الإعلام فتكون رافدًا من روافد دعوة الناس للخير.

2- قاعدة الالتزام الشرعي:

(الإعلام يجب أن يكون ملتزمًا شرعًا)

ونقصد بذلك: أن يكون الخطاب الإعلامي متناسبًا مع التوجه العام للشرع، متناسقًا مع عموم روح الإسلام، يصب دومًا في جانب الطاعات، ويبتعد دومًا عن المحرمات والمكروهات.

فمن ناحية المضمون: يكون الإعلام ربانيًّا كما سبق أن أشرت في القاعدة السابقة، ومن ناحية الشكل يكون الإعلام ملتزمًا، أي: منضبطًا ومتوافقًا مع الضوابط الشرعية، وغير مخالف لأوامر الشرع، ولا مخالف لروح الشريعة وأهدافها.

وكلمة الالتزام مشتقة من الفعل (لَزِم)، أي: جاور الشيء وتمسك به، ويقال في اللغة: لزم الشيء، أي: تمسك به، فالالتزام هو: الانصياع للأمر، والتمسك بالقيم، والثبات على المبدأ، ومعناه أيضًا: التمسك بما تمليه المبادئ الأخلاقية من غير قسر خارجي، والتزام حدوده: وجوب الوقوف عند حدود معينة[6]. ولقد ألزمنا الله عز وجل بكثير من الضوابط والأخلاق، كما نهانا عن ارتكاب كثير من النواهي وأمرنا بالابتعاد عنها.

فالالتزام الذي نقصده هو الاتباع المباشر لتلك الأوامر في حال تنفيذ البرنامج؛ فمثلًا: أمر الله تعالى بأداء الحقوق، فلا بد للإعلام المنضبط الملتزم أن يفعل ذلك، سواءً بأداء الحقوق المعنوية، كالتقدير والإحسان وحسن الخلق مع الضيوف والمشاركين بالبرنامج، أو بأداء الحقوق المادية، كدفع الرواتب والأجور والالتزام بالجوائز المعلن عنها.

قل مثل ذلك في صورة البرنامج من ناحية الموضوع المتحاوَر فيه، وهل يجوز طرحه أم لا؟، وهل يسبب الفتن بين الناس أم لا يحسن العامة فهمه؛ فيبلبل أفكارهم؟، وهل يؤذي طائفة من الناس أفرادًا أو جماعات؟.

وقل مثل ذلك في المحرمات: فليس ملتزمًا ذلك البرنامج الذي يروِّج للربا؛ ولا الذي يشجع الانهزام؛ ولا الذي يُهَوِّن من المعاصي، أو يدعو إلى كشف العورات والاختلاط المذموم شرعًا.

3- قاعدة عالمية الدعوة الإسلامية:

(الإعلام الإسلامي إعلام عالمي)

فالإعلام الإسلامي يستمد وجوده من الدعوة الإسلامية، ودعوة الإسلام دعوة عالمية؛ لذا: يجب أن ينتحي الإعلام الإسلامي هذا المنحى؛ حتى يتوافق مع أهداف الدعوة الإسلامية.

· ومن مظاهر عالمية تلك الدعوة:

أنها تؤمن برسل الله تعالى جميعًا ولا تكفر ببعضهم كحال غيرها من أهل الكتاب، وهذا يستدعي إجلال الأنبياء وتكريمهم واحترام ما صح عنهم، وهذا في ذاته جسر كبير للتواصل مع الآخر؛ قال تعالى: { قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [البقرة: 136].

وفي جانب العقيدة الإسلامية تجدها جلية ومتوافقة مع الفطرة، وتتميز بالوضوح من ناحية والرحمة مع جميع الخلق من ناحية أخرى، فالله تعالى رب رحيم يشمل خلقه بعنايته، ويتوب على خلقه، ولا يحملهم أوزار الآخرين.

والإسلام عالمي في اسمه؛ فهو لا ينتمي لطائفة، ولا ينسب لشخص أو لمكان كاليهودية والمسيحية والزرادشتية والبوذية.. وغيرها من الديانات. وهو عالمي في مبادئه وأحكامه وتشريعاته ودعوته، فهو دين فيه رحمة وتيسير؛ لذا: يصلح ليعتنقه البشر جميعًا.

والتوجيهات الإسلامية منذ أول يوم نزل فيه القرآن شاملة، وتصلح لكل البشر، فهي ليست خاصة بطائفة دون أخرى، فالإسلام بالجملة: عقائد، وعبادات، ومعاملات.

وعلى ذلك: فالإعلام الإسلامي يجب أن يحمل هَمّ الدعوة بصورة عالمية، ولذلك لا بد من مراعاة:

[الدعوة بصورة عالمية]

عدم الإغراق في المحلية:

وهي صورة موجودة في كثير من المنظومات الإعلامية حول العالم، حيث تحولت لملهاة تُبعد الناس عن الأحداث الكبرى حولهم؛ فعلى الإعلام المسلم أن يقوم بدوره المحلي، لكنه لا يغفل أبدًا متابعة المستجدات والأفكار العالمية ومحاولة التأثير العالمي من خلال الخطاب المتفهم والعاقل والمدرك للشبهات والأفهام المغلوطة عنا وعن حضارتنا.

وعلى الإعلام الإسلامي أيضًا أن يحُول بين الأعداء وتحقيق مآربهم من خلال فضح المخططات والإساءات.

تبليغ المفاهيم الأساسية:

وهنا مسؤولية أخرى يتحملها الإعلام الإسلامي في تبليغ ما يجب علينا بيانه من مفاهيم الإسلام الأساسية- في حال توجيه الخطاب لغير المسلمين- وعدم الانجرار إلى تفاصيل لا تُناقَش من غير إقرار بأصول غفل عنها المتحاورون، وفي حال توجيه الخطاب إلى قاعدة عريضة من الناس يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار عدم قدرة محدودي الثقافة على متابعة ما يدور، وهذه إشكالية يجب على الإعلامي الحصيف أن يوجِد حلًّا لها، بحيث ينهض بمحدود الثقافة ويُشبِع حاجة متوسط الثقافة، ولا يستصغر شأن واسع الثقافة!.

عدم التعصب لجنس وعدم الترويج لأفكار تضاد الإسلام وعالميته:

فالإسلام جاء بما يجمع ولا يفرق، وبما يوحد ولا يثير، وقد استوعب العرب والعجم واختلط الجميع في تجانس كريم طيب على الرغم من الديار النائية والألسن المتباينة، وهذا من جوانب عظمة الإسلام، فيحرُم تكدير هذا الصفو أو الإساءة والسخرية من جنس أو لون أو لغة أو لهجة.

رد الشبهات عن الإسلام:

والشبهات التي تروج عن الإسلام متهافتة بطبعها؛ فإن على الحق نورًا؛ ودليل ذلك أن الإسلام ينجح عند العقلاء من القوم في عقر دور المثيرين للشبهات عليه؛ ومع ذلك تبقى مسؤولية تَتَبُّع الشبهات السائدة والكر عليها بما يذهبها ويُبعد أثرها عن الناس، ليظهر الإسلام في صورته النقية الكريمة واضحًا لا لبس فيه.

4- قاعدة الوحدة:

(الإعلام المسلم يسعى للوحدة والأخوة)

هذا الأَصْل العظيم، وهو: الاعتصام بحبل الله جميعًا وألا تتفرق الأمة، هو من أعظم أصول الإسلام، ومما عَظُمَت وصية الله تعالى به في كتابه؛ فذاك مستقر في الشريعة ومن مقاصدها العظيمة؛ وذلك لأن وحدة الصف والأخوة تعني القوة والتماسك، وأن تكون الأمة بعيدة عن الفرقة والاختلاف والتناحر، فالفُرقة تجلب غضب الله تعالى على الأمة ويجرِّئ أعداءها عليها، بينما الوحدة والأخوة والمحبة تورث رضا الله وتثمر التعاون على الخير، قال تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [آل عمران: 103].

[الإعلام والوحدة الإسلامية]

وعلى ذلك فالإعلامي هنا يجب عليه لتطبيق هذه القاعدة:

· أن يساهم في جميع أعماله بتعميق معاني الأخوة وعدم التعصب.

· أن يشيع ثقافة اللين في النصح.

· ألا يدعو إلى عصبية أو ما يثير العصبية والفتن بين الأعراق والجنسيات.

· أن يتجنب السخرية من أي طائفة أو مهنة أو لسان.

· أن يبين حقوق من وقع في المعصية، مثل: أنه ما يزال في عداد المسلمين، كما يبين واجباته، مثل: التوبة منها، والبعد عنها.

· أن يعرف الفرق بين الفعل وفاعله: فالفعل قد يكون مدانًا أو حرامًا أو بدعة، والفاعل قد يكون معذورًا إما بجهل أو بتأول، وليسأل أهل العلم قبل إطلاق الاتهامات.

· أن يعرف أن أهل البدع وإن خالفونا، فإن لهم من حقوق الإسلام والموالاة ما يجعلنا لا نساويهم بالكفار الأصليين، ويبقى النصح والإرشاد والتوجيه والبيان والرد على الشبهات قائمًا.

· لا يعني اهتمامنا بالوحدة أن نترك الدعوة أو بيان الحق، بل يبقى الحق حقًّا وهو أحب إلينا من كل شيء؛ لكن حصافة الإعلامي هنا تتدخل لبيان الحق بأوضح وألطف عبارة بما يلين القلوب ولا ينفرها.

5- قاعدة الالتزام الخلقي:

(الإعلام الإسلامي ملتزم أخلاقيًّا)

سبق لنا الكلام عن عموم الالتزام الشرعي في قاعدة الالتزام، وهنا نخصص تلك القاعدة للأخلاق، لتأكد ارتباط معنى الالتزام الشرعي بها؛ لأن الأخلاق صفة يحتاج إليها الإعلامي بشكل لصيق، فكان مناسبًا إفرادها بالحديث؛ لنجلي بعض المعاني التي قد تخفى عند الإجمال.

ومعلوم أن الإسلام أولى عناية كبيرة بالأخلاق؛ فهو دين الأخلاق، فببعث رسوله تمت تلك المكارم وأثنى عليه ربه بها، فقال تعالى: { وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم: 4]، وتأسيسًا على ذلك: فقد ورد بيان فضيلة محاسن الأخلاق، وأنها تثقل موازين العبد يوم القيامة؛ ففي الحديث عن أبي الدرداء أن النبي قال: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ»[7].

[الإعلامي المسلم ومحاسن الأخلاق]

ومما يترتب على هذه القاعدة أنه يجب على الإعلامي المسلم أن:

· يبش في وجوه ضيوفه ومتابعيه، بما يزيل الوحشة أو الرهبة من نفوسهم.

· يتلطف في اختيار العبارات والكلمات، بما لا يؤذي المتابعين أو الضيوف.

· يكتفي بالتعريض عما يُستحيا منه، كأمور الجماع وغيرها.

· لا يتطرق لموضوعات يكون من شأنها التعريض بالتنقص أو الأذى لطائفة أو مهنة أو جنس أو لون.

· يجتنب ما يخدش الحياء أو يثير الغرائز من الأقوال أو الأفعال.

· يتجنب ما يثير القلاقل الفكرية أو الشبهات.

· لا يقاطع المتحدث من دون سبب، ويقاطعه- إن احتاج- بأدب.

· لا يتكبر على ضيوفه ولا يتعالم عليهم ولا يزدري متابعيه ولا يسفه من أفكارهم.

نماذج لقواعد فقهية تفيد الإعلاميين:

وهذا هو النوع الثاني من القواعد الشرعية، وهي القواعد الإعلامية المتماشية مع القواعد الخاصة في الشريعة.

وقد اخترت هنا بعض القواعد الفقهية نموذجًا من القواعد الخاصة، منها:

· الأصل في الكلام الحقيقة، ويلحق بها قاعدة: (إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز).

· إعمال الكلام أولى من إهماله.

· الفعل القلبي لا يحكم بوجوده إلا إذا ظهر على الجوارح.

· لا ينسب لساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة بيان.

· لا مساغ للاجتهاد في مورد النص[8].

· الدعوى بالمجهول فاسدة[9].

· الأصل براءة الذمة[10].

· الضرورات تبيح المحظورات، ويكملها قاعدة: (الضرورات تقدر بقدرها)[11]، وقاعدة (الاضطرار لا يبطل حق الغير- بمعنى: الآخرين-).

· الأصل في الأشياء الإباحة[12].

· ما حرم فعله حرم طلبه[13].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة