حجم الخط:

محتوى الدرس (17)

3- ما يجب مراعاته من حقوق المجتمع في العمل الإعلامي:

أ- مراعاة المصالح والمفاسد:

مراعاة المصالح والمفاسد من أعظم الضوابط التي لا بد استحضارها في الأنشطة الإعلامية عمومًا، وهذا خاص بالأفراد وبالمجتمع أيضًا؛ ومما ينبغي التنبيه عليه أن من أراد تغيير منكر بأي درجة من الدرجات فلا بد من النظر فيما يترتب على تغيير المنكر من حصول المصالح والمفاسد وما يترتب على تركه من المصالح والمفاسد على الفرد أو الجماعة، فما ترجحت مصلحته في التغيير أو تركه أخذ به وما ترجحت مفسدته في التغيير أو تركه أخذ به، وإذا تعارضت المصالح في التغيير والترك جاز تفويت أدناها لحصول أعلاها، وإذا تعارضت المفاسد في التغيير والترك جاز ارتكاب أخفها؛ ليدفع أشدها وهكذا، وإذا تساوت المصالح والمفاسد فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

وأكثر الأفعال تختلط فيها المصالح والمفاسد، والإنسان بطبعه يؤثر ما رجحت مصلحته على مفسدته، وينفر مما ترجح مفسدته على مصلحته، ولكنه في اختياره ينظر لنفسه لا للجماعة، فيؤثر ما فيه مصلحته ولو أضر بالجماعة، وينفر مما يراه مفسدة عليه ولو كان فيه مصلحة الجماعة، وقد شرعت العقوبات بما فيها من التهديد والوعيد والزجر علاجًا لطبيعة الإنسان، فإن الإنسان إذا نظر إلى مصلحته الخاصة وما يترتب عليها من العقوبات نفر منها بطبعه، لرجحان المفسدة على المصلحة.

ومَثَل الإعلاميين في هذا الأمر كمثل الأطباء: يدفعون أعظم المرضَين بالتغاضي عن بقاء أدناهما، إذا لم يقدروا على إزالتهما معًا. وهنا نلفت النظر إلى أمر آخر وهو ضرورة الرجوع إلى أهل العلم في بعض الأحيان لاستشارتهم.

ب- حجب المعلومات بسبب الحاجات الأمنية:

قد تتبدى الحاجة إلى عدم إذاعة بعض المعلومات أو الأخبار بسبب حساسية تلك المعلومات أو خطورة عرضها على العامة أو بسبب أن الإعلام له وضعية علنية يتابعها بلا شك أعداؤنا؛ ليستنبطوا من وراء الأخبار أو الأحاديث بعض ما يستخدموه في مواجهتنا.

وقد مر بنا الحديث عن الحجب بسبب المعصية وترويجها أو الحجب بسبب ترك المجاهرة بالمعاصي وتهوينها بين الناس، فلا نكرر هذا هنا، ولنكتفِ بالحديث عن الحجب بسبب الحاجات الأمنية والسياسية.

وهنا ينبغي أن يكون الإعلامي حصيفًا في تمييز ما يحسن عرضه مما يجب حجبه، وذلك في موازنة عاقلة بين الأمور، فلا يفوِّت فرصة إعلام المجتمع بما يحدث، وفي الوقت نفسه يفوت ما استطاع على الأعداء استفادتهم من تلك الموضوعات، وهي مهمة صعبة أيضًا وتحتاج إلى خبرة وتمييز؛ لأنه لو ترك الأمر لاختيار رجال الأمن مثلًا، لرأوا كل معلومة مهما صغرت يجب حذفها، فيتحول الإعلام إلى بوق دعاية أو يحاط بأسوار حديدية لا يحق للناس اقتحامها، ومن جانب آخر لو ترك الأمر إلى أولئك الذين لا يعبأون بالمصالح والمفاسد لتسببوا في كثير من الحرج أو المفاسد.

فهو أمر صعب لكنه ممكن لا سيما مع الخبرة ومع الرجوع إلى الصادقين ممن ينصحون.

ومع ذلك فالأدلة الشرعية تبين جواز- وربما وجوب- هذا الحجب إن رجحت بسببه المصلحة؛ فها هو رسول الله وصحابته يحجبون عن عامة الكفار مكان اجتماعهم في بيت الأرقم بن أبي الأرقم، وربما كان يَخُصّ أحدًا بعلم - ليس ممّا يرجع إلى أمور التّشريع-، كتلك الأسرّار التي يلقيها إلى بعض أصحابه لتحقق مصالح معينة للحجب عن العامة، أو ليقوم هذا الشخص بدور يريده، كما أسرّ إلى أبي بكر رضي الله عنه بأنّ الله أذِنَ له في الهجرة، وأسرّ إلى حذيفة خبر فتنة الخارجين على عثمان.

ج- العناية برد الشبهات:

يعاني المجتمع كثيرًا مما يرد على الناس من خلال الفضائيات المختلفة وغيرها من مصادر الإعلام التي تبث الشبهات المختلفة، وقد غطى هذا البث للشبهات كل مناحي الحياة ومجالات المجتمعات، على تنوع تلك المناحي من دينية وثقافية واجتماعية وسياسية.. وغيرها، بل وجدنا من يردد شبهات تاريخية، من قبيل ادعاء حقوق اليهود في أرض فلسطين.. وغير ذلك، وظهرت برامج معروفة وشخصيات مشهورة في هذا الصدد، كل عملها أن تنقِّب في الكتب والتراث وتجتزئ كلمة من هنا وسياقًا من هناك لتلوي أعناق النصوص وليخرج شبهة أو طعنًا في صورة تبدو علمية ومنطقية، وبذلك يُخدع الناس وتروج تلك الشبهات عليهم، وهنا يجب أن تقوم البرامج الحوارية بدورها في التوعية والرد على تلك الشبهات وتفنيدها.

بين التجاهل والرد:

قد يكون التجاهل علاجًا للشبهة، فتموت.

وقد تكون تافهة بيِّنة الخلل سفيهة المنطق فيها من التهافت ما يدحضها، أو قد يكون الناطق بها ساقط الأهلية مرفوضًا من قِبَل المجتمع، فهنا يكون التجاهل هو العلاج الأفضل.

وقد تكون الشبهة متوسطة تقلق بعض الناس- وليس كلهم- فهنا يكون التدخل لكشفها وتفنيدها مساويًا لها- كما أشرنا إلى ذلك في طرحنا لفكرة المصالح والمفاسد قبل أسطر-، فقد يأتي الرد عرَضًا ضمن البرنامج ولا تُخصَّص له حلقة أو حلقات، أو تخصص له فقرة وربما حلقة أو مجموعة حلقات، بحسب رؤية من يقوم على البرنامج وتقديره لحجم الشبهة وتأثيرها.

وأما إن كانت الشبهة منتشرة، واتضح أنها أصابت المجتمع بالبلبلة، وسرى أمرها، فهنا يحتاج الأمر غالبًا لحملة مرشدة ومنظمة، تُستخدم فيها السبل المباشرة وغير المباشرة كافة لمكافحة تلك الشبهات والرد عليها وتفنيدها.

صحيح أن تراثنا وتاريخنا له من القوة والثبات ما لا تزعزعه تلك الشبهات، لكن ما المانع من تفنيد تلك الشبهات وبيان تهافتها حماية لأبنائنا ومجتمعنا من الفتن، ودرءًا عن حصوننا، وفي الوقت نفسه: لردع أولئك الذين يريدون التلاعب بمجتمعنا وتشويه تاريخه وتراثه وقيمه؛ فنقارعهم الحجة بالحجة ونسقيهم من الكأس نفسه الذي جرعونا إياه. وقد قال الله تعالى: { لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا } [النساء: 148].

د- حق الخصوصية (العامة والخاصة):

للناس حقوق مختلفة، منها: حق الخصوصية، بمعنى: ألا ينتهك ستر مستور الحال وأن تحترم أسرار كل إنسان.

وكذلك بالنسبة لعامة الناس: هناك خصوصيات لأسر أو قبائل أو شعوب يجب أن تحترم، فلا يسمح لأحد أن يتطاول عليها أو يسيء إليها، وعندما نتحدث عن حق الخصوصية فإن هذا الحق يشمل حقوق الضيوف والمتابعين على السواء؛ فلا يجوز انتهاك حقوق ضيف البرنامج، وأيضًا لا يجوز للضيف أن ينتهك حقوق المذيع أو أي مشارك آخر معه؛ كما لا يجوز انتهاك خصوصية المشاهدين. وبذا: جاء شرع الله سبحانه وتعالى الذي شرع الاستئذان بكافة أنواعه، مراعاة لتلك الخصوصية فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [النور: 27].

أخلاق الإعلام في مضمون المادة المقدمة:

من علامات الالتزام الأخلاقي في الإعلام:

· أن يكون العمل الإعلامي داعيًا إلى معالي الأمور مبتعدًا عن سفاسفها، وفي الحديث عن طلحة بن كريز الخزاعي، قال: قال رسول الله : «إِنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا»، وفي رواية: «يُحِبُّ مَعَالِيَ الأخلاق»[1].

· لزوم الأخلاق في الغايات والوسائل المفضية إليها: فلا يجوز بحال أن تسوِّغ الغايةُ الوسيلةَ؛ لأن هذا ليس من مبادئ الإسلام، بل يجب أن تكون الغاية مشروعة والوسيلة إليها مشروعة أيضًا، قل هذا في نصرة القضايا أو الدعوة للخير: لا يجوز فيها الكذب ولا التهاون في فعل بعض المعاصي، أو التغاضي عن أعمال مثيرة للغرائز باسم الفن ولو كان هذا لهدف نبيلًا.

· أن ينزل الناس منازلهم، فيحترم الكبير ويتعقل مع الصغير، وفي الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، قالت: قال رسول الله : «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ»[2].

· أن يكون العمل الإعلامي بعيدًا عن إشاعة الفاحشة وحريصًا على طهارة المجتمع: قال الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ } [النور: 19]؛ أي: تنتشر، وقد شاع يشيع شيوعًا وَشُيُوعَةً، أي: انْتَشَرَ، وكذلك: ذاع يَذِيعُ ذُيُوعًا وَذِيُوعَةً، فإشاعة الفاحشة: نشرها، وكذلك إذاعتها.

فمن صور إشاعة الفاحشة: بث ما لا يجوز بثه من اللقاءات التي يعمد أصحابها من خلالها إلى الترويج للاختلاط المحرم بين الجنسين، أو الترويج للعلاقات المحرمة بين الجنسين، أو كشف العورات والرقص والعري.. وتزيين ذلك.

ولا شك أن انتشار هذه المظاهر والصور في مجتمعات المسلمين تؤثر في كيانهم، وتزلزل هويتهم، وتبعد أجيالهم عن التفكير البنَّاء في إعادة المجد الحضاري لأمتهم، وتجعلهم لقمةً سائغةً لأعدائهم.

· أن يحترم توبة التائب من الذنب، فلا يذكِّره بمعاصيه، ولا يسعى لإفساد توبته أو فضيحته، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ، قال: «لا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[3]، قالَ العلماء: مَن كان مستورًا لا يُعرف بشيء من المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة أو زلة؛ فإنه لا يجوز هتكها ولا كشفها ولا التحدث بها؛ لأن ذلك غيبة محرمة!، وفي مثله جاء الحديث: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، إِلا الْحُدُودَ»[4].

· من أهم ما ينبغي للإعلامي أن يتحراه: الصدق مع الناس، فيتحرى صدق النقل، فلا يجتزئ منه ما يريد فقط؛ ويتحرى صدق الحديث وصدق الوعد وصدق المعلومات التي يذكرها.

العمل الإعلامي وترشيد المجتمعات:

يمكن أن يقوم العمل الإعلامي بدوره في ترشيد المجتمع نحو المثالية الشاملة بعدة أمور، منها:

· ربط الناس بالقدوات الحسنة السابقة منها والمعاصرة.

· استعراض التجارب الناجحة، وبيان كيف اجتهدت وعانت؟ وكيف أثمر اجتهادها؟ لا سيما من كان ناجحًا في مجالات مختلفة.

· لا يقتصر دور الإعلامي هنا على خدمة طبقة دون طبقة ولا طائفة دون أخرى، بل يجب عليه أن يسعى إلى نصح جميع المتلقين وتنويرهم بما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، ويمكن للإعلام أن يكون له دور حتى في توعية الحكام وقادة الرأي بنبض الشارع واهتماماته ومشكلاته، وتوعيتهم أيضًا ببعض القضايا والأمور التي يعرفها النخبة المثقفة، وربما تحُول الرسميات دون وصولها إلى الجهات التنفيذية والسلطات المختلفة، فيعمل الإعلام على تزويد هؤلاء جميعًا بما ينفعهم، ولعل البرامج المتخصصة فيها تركيز في هذه الجوانب، ويشبه الإعلامي الملتزم بهذا مَن سماه الرسول (وزير الصدق)؛ ففي الحديث عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها، قالت: قال رسول اللهِ : «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالأَمِيرِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ؛ إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ؛ إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ، وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ»[5].

الضوابط المتعلقة بالحوار الإعلامي:

[ميزات الحوار المبثوث إعلاميًّا]

إذا نظرنا إلى أوجه اختلاف الحوار المبثوث إعلاميًّا عن غيره من الحوارات، نجد أن الحوار المبثوث إعلاميًّا تميزه عدة ميزات:

أولًا: أن الهدف ليس هو الحوار في ذاته بين المتحاورين أو الضيوف، وإنما الهدف هو عرض ذلك الحوار على الجمهور، فالعنصر الأساسي في الموضوع هو الجمهور وليس الضيوف؛ لأنه المستهدف من إذاعة الحوار؛ وإلا فلو كان الهدف هو الحوار ذاته بين الضيوف لأمكن أن يتحقق ذلك في مكان آخر ووفق ظروف مختلفة؛ ولذا: فلا بد من مراعاة ذلك الضابط كما سنذكر تفصيل ذلك بعد قليل.

ثانيًا: الحوار المبثوث حوار علني مفتوح، ونقصد بذلك: أنه لا بد من مراعاة آداب الحوار المفتوح، بل آداب ما يسمى في الشرع بالمجاهرة.

أ- ضوابط إسلامية عامة في الحوار الإعلامي:

ووفقًا لهذا التصور- للميزتين السالفتين- لا بد من مراعاة الآتي في الحوار الإعلامي:

1- أن متابعيه من غير المتخصصين أكبر من المتخصصين:

ولذا: فلا بد من عدم الإغراق في مصطلحات المتخصصين دون بيانها- ولو بنبذة- للمتابعين؛ حيث يحدث كثيرًا أن يستخدم الضيوف لغة خاصة ومصطلحات دقيقة غائبة عن أذهان المتابعين فيضيع الهدف الأساسي من الحوار، وهذا يضيع الوقت، وهو قيمة إسلامية.

2- عدم بث الشبهات أو الوقوع فيما يحدث بلبلة:

أو لا يناسب عقول المتابعين، وهذا أمر شرعي لا بد من الاجتهاد في تنفيذه؛ خشية إحداث فتنة بين الناس؛ عن عبد الله بن مسعود، قال: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً»[6]؛ فقد يورث حوار منفلت شكًّا في العقيدة أو عدم فهمها، وقد يوقع الفتنة بين الناس، وقد يورث البغضاء أو سوء الظن بين بعض الطوائف أو بين الناس والعلماء؛ بحسب سوء الفهم الذي جر إليه ذلك الحديث.

فهنا نجد الحاجة ماسّة للنظر في المادة التي توجه للناس على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم، وقد تصلهم- عبر الإمكانات المتاحة- إلى دول أخرى؛ بل تصل بطبيعة الحال إلى المتربصين بها من أعداء الأمة والإسلام، الذين يضعونها تحت المجهر فيحللون كل خطاب ويفسرون كل كلمة ويتصيدون بها الهفوات أو يؤولونها على غير مراد قائلها، فقد يضر الدعوة بعضُ ما يتكلم به الدعاة.

فلكل مقام مقال؛ وهذا يجعل الإعلامي حريصًا في عمله، فرغم أن واجبه ألا يتخاذل عن القيام بالواجب وبيان الحق؛ إلا أنه في الوقت نفسه يجب أن يتحلى بالحكمة في اختيار الموضوع مقارنة بالوقت المتاح للموضوع ونوعية من يخاطبهم، ويكون ذلك البيان واضحًا جليًّا بالقدر نفسه الذي يراعي الإعلامي فيه ألا يُحدِّث الناس بما لا يفهمون، أو بما لا يسعفه الوقت لحسن بيانه، أو بما لا يتقن فنه وبيانه.. فتحدث بلبلة.

وهنا تتضح صورة الإعلامي الداعية الحكيم في ترتيب الأولويات، والتدرج بالناس، واختيار الأسلوب الأمثل لكل طائفة، واختيار المنهج المناسب بحسب الموقف المناسب والحاجة إليه، وبحسب حال الأمة من القوة والضعف والقدرة وانعدامها.

3- عدم الجهر بالمعاصي أو بالفاحش من القول والفعل:

ففى المجاهرة بالمعاصي استخفاف بحق الله وحق رسوله وضرب من العناد لهما؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، يقول: سمعت رسول الله يقول: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ: يَا فُلانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ»[7]. فالمجاهرون هم المعلنون بالمعاصي المشتهرون بإظهارها الذين كشفوا ستر الله عنهم، وفسر الحديث المجاهر بأنه الذي يعمل العمل بالليل فيستره ربه، ثم يصبح فيقول: يا فلان إني عملت البارحة كذا وكذا، فيكشف ستر الله سبحانه وتعالى عنه، فيؤاخذ به في الدنيا بإقامة الحد إن كان ما يعترف به يستحق الحد.

وقد يقع في بعض البرامج- لا سيما الفنية أو الاجتماعية- أن يصر المذيع على كشف تفاصيل بعض المعاصي، أو الكشف عن قيام الضيف ببعض الأخطاء، فيكلفه أن يعترف بين يديه بكل ما فعله من الذنوب!؛ وفي هذا من مخالفة الشرع ما فيه، فهنا أوقعه المذيع باعترافه في هذه المهالك؛ وفي هذا تشبه بالقسيسين؛ لأن من عادتهم الذميمة إذا جاءهم أحد ليتوب على أيديهم أن يطالبونه بذكر ذنوبه ذنبًا ذنبًا.

4- جواز الجهر بالسوء عند الظلم:

قال تعالى: { لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا } [النساء:148]، فالأصل: تحريم الجهر بالسوء، ومنه: التشكِّي أو الدعاء على الآخرين أو ذكر مساوئهم، والاستثناء هنا أن يكون الجاهر بالسوء مظلومًا، حيث يكون معذورًا بحسب مظلمته، والأمور تقدر بقدرها. ولقد جاء في تفسير الآية الكريمة: (عن مجاهد: إلا من ظُلِم فانتصر، يجهر بسوء، قال: نزلت في رجل ضاف رجلًا بفلاةٍ من الأرض فلم يضفه، فنزلت: { إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ۚ } ، ذكر أنه لم يضفه، لا يزيد على ذلك)[8]. حتى في حال أن يكون المظلوم مقذوفًا بالزنى مثلًا، فهنا يحق له شرعًا أن يدعو على ظالمه، لكن لا يجوز مبادلته بالقذف.

وهنا يقول القرطبي رحمه الله: (والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه- ولكن مع اقتصاد- إن كان مؤمنًا، كما قال الحسن، فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا)[9].

فمن مجموع أقوال العلماء: نجد أن البرامج الحوارية لها أن تراعي المصالح المختلفة- الفردية والجماعية- في قضية الجهر بالسوء وفي عرض مشكلات الناس، فلئن كان الجهر بالسوء ببيان وقوعه وإظهاره للآخرين جائز بحق من لم ينل حقه في الضيافة أو في مطل غني عن أداء حقوق الناس وما يشبه ذلك من الأحوال الفردية.. فإن ظلم مجتمعات وأكل حقوقها وحرمانها من أبسط المقومات للحياة وشيوع الفساد، وغير ذلك.. يبيح الجهر بفضح تلك الممارسات من باب أولى.

لكن يكون هذا بشرطين:

أولًا: ألا تكون الاتهامات جزافًا، وإنما بعد تحقق واستيثاق.

وثانيًا: أن يكون ذلك النقد بموضوعية وعفة لسان.

فلا حرج من التشكِّي، لكن دون نزول إلى الأساليب الخسيسة أو الأقوال الدنيئة.

5- الأدب مع المخالف:

ويجب على الإعلامي المنصف أن يتأدب مع المخالفين، وأن يتسع صدره لانتقاداتهم، حتى غير المنصفة منها، فهم وإن عصوا الله تعالى فلا يسوِّغ ذلك أن نبادلهم معصية بأخرى.

وقد بلغ الإنصاف بالإمام ابن تيمية أن يتسع صدره على من كفَّره وبدَّعه وفسَّقه، فيقول في كلام بديع: (وأنا في سعة صدر لمن يخالفني؛ فإنه وإن تعدى حدود الله فيّ بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية، فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله وأزنه بميزان العدل)[10].

ب- ضوابط شرعية لاختيار موضوعات الحوار:

الحوار ليس مشروعًا من قبيل الترف الفكري ولا الفضول وحب الاستطلاع أو الجدل في المسائل، فهناك قضايا يباح الجدل فيها، وأخرى ليس من الجائز الخوض فيها بحوار أو جدال، إما بسبب محدودية العقل البشري إزاءها، أو بسبب عدم ترتُّب أي ثمرة علمية أو عملية من ورائها، أو لأنها محسومة أساسًا بنص شرعي أو إجماع.

فالبحث في ذات الله تعالى- مثلًا- منهي عنه شرعًا، فهذا ليس مجال بحث ولا جدال ولا حوار؛ لأن القول في ذلك الشأن الجليل من قبيل الخوض بلا علم، والعلم شرط أساسي لخوض الحوار، وهو معدوم في هذه الحالة؛ وهو هنا من جملة ما نهى الله عنه في قوله تعالى: { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } [الإسراء: 36].

وكذلك المفردات والبدهيات الجلية لا تجرى فيها المناظرة أصلًا؛ وهناك مسائل كثيرة لا يترتب عليها عمل، فهذه يكون الحوار فيها مما يضيع الوقت والجهد بلا فائدة، والقاعدة: (كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي)[11].

ومن المسائل التي ينهى عن الجدال فيها: كل ما حَكَم الله ورسوله فيه بنص مُحكَم جَلي، أو ما ثبت فيه إجماع لعلماء الإسلام؛ فالأحكام القطعية في الدين ليست مناطًا للحوار أو الجدال من أجل إعادة النظر فيها أو تقويمها أو تغييرها؛ فليس في ذلك مجال لحوار بقبول ورَدّ، وقد يكون فيها حوار لإزالة شبهة ولبيان حسن التشريع ومصلحته.

ج- أخلاق الإعلام الإسلامي في شكل الحوار:

ما سبق كان ما يجب مراعاته في مضمون العمل، وهنا نذكر أخلاقًا عامة في شكل الحوار الإعلامي وسلوك فريق العمل تجاه غيرهم، ومن ذلك:

· أن يبش في وجوه ضيوفه ومتابعيه بما يزيل الوحشة أو الهيبة من نفوسهم.

· أن يتلطف في اختيار العبارات والكلمات بما لا يؤذي المتابعين أو الضيوف.

· أن يكتفي بالتعريض عما يستحيا منه، كأمور الجِماع وغيرها.

· ألا يتطرق لموضوعات يكون من شأنها التعريض أو الأذى لطائفة أو مهنة أو جنس أو لون.

· أن يجتنب ما يخدش الحياء أو يثير الغرائز من الأقوال أو الأفعال.

· أن يتجنب ما يثير القلاقل الفكرية أو الشبهات.

· ألا يقاطع المتحدث من دون سبب، وأن تكون مقاطعته - إن احتاج- بأدب.

· ألا يتكبر على ضيوفه، ولا يتعالم عليهم، ولا يزدري متابعيه، ولا يسفه من أفكارهم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة