حجم الخط:

محتوى الدرس (18)

خُطبة الجمعة وسيلة الإعلام الإسلامي الكبرى:

تمهيد:

لم تزل الخُطبة منذ الرعيل الأول من أعظم أساليب التأثير في المجتمع المسلم، سواءً أكانت خطبة للجمعة أو في أي مناسبة أخرى، ولقد بدأ الرسول دعوته العامة بخطبته على الصفا، واستمر في الاستفادة من التجمعات المختلفة للتأثير ونشر الدعوة والقيام بواجب البلاغ حتى كانت آخر خطبه هي خطبة الوداع.

ولقد أصبح للخطبة موقعًا ممتازًا باستكمال أركان الدين وفرائضه، وحينها أصبحت خطبة الجمعة من الشعائر، حيث يجتمع المسلمون في المساجد ليسمعوا الخطبة الأسبوعية، فضلًا عن خطب العيدين والحج، فزاد ذلك من قدرتها على التأثير وربط المجتمع ودعم قضاياه وحل مشكلاته.

وكان إذا خَطَب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه؛ حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، ودليل ذلك: حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلا صَوْتُهُ, وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ, حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»[1]، وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (يستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته ويجزل كلامه، ويكون مطابقًا للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب أو ترهيب، ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا، وتحذيره خطبًا جسيمًا)[2].

وقد كان رسول الله أكثر خطباء الدعوة خطابة، وكانت الخطبة وسيلته الرئيسة لشرح أركان الإسلام وتوجيهات النبوة بأفضل الأساليب التي تأخذ بلب المستمع وتؤثر فيه، واستغرق ذلك بطبيعة الحال عصر النبوة كاملًا[3].

والخطب من أسرع الوسائل لنقل المعلومات إلى الجماهير، شريطة أن يكون المتحدث يملك أدوات التأثير.

شروط الخطيب الناجح:

فالخطابة لها شروط: أولها: الموهبة، ثانيها: الدراية، ثالثها: المران.

ونقصد بالموهبة: قدرة الخطيب على إثارة انتباه السامعين، وهذا يتطلب منه أن ينوِّع أسلوبه في الطرح، سواءً من خلال الأداء الصوتي الذي يتغير بتغير الفكرة، أو باتخاذه أساليب متنوعة في التأثير الفكري وطريقة طرح الموضوع، وبلغة الإعلام: يغيِّر في شكل الأداء ومضمون الطرح.

ونقصد بالدراية: أن يتعرف على موضوعه جيدًا، ويحيط بالظروف المتعلقة بالخطبة وجمهورها.

ونقصد بالمران: أنه يقوم بدراسة فن الأداء والخطابة، ثم يتدرب عليها ويكررها؛ وهذا يجعله أكثر قدرة على الإقناع وإيصال الفكرة والدفاع عنها.

مواصفات أساسية للخطيب الناجح:

ينبغي للخطيب أن يكون:

· لديه إلمام بمهارات الاتصال ومستوياته وفنونه (الاتصال اللفظي وغير اللفظي، الاتصال الفردي والجمعي.. وغيره، ومواصفات كل منها، وعوامل الفاعلية، الدعاية وأساليبها)[4].

· طلق اللسان، حَسَن التَأتِّي، يعرض أفكاره بوضوح وجزالة لفظ.

· لبقًا وذكيًّا، ويمكنه بمرونة تغيير لغة خطابه(لا موضوعه) وطريقة تناوله للموضوع، وفقًا لما يراه خلال الخطبة.

· يحسن اطلاعه على دراسات للرأي العام وكيفية التأثير.

· مؤهلًا علميًّا في الموضوعات التي يتناولها.

· واسع الاطلاع والثقافة في العلم الذي يخطب فيه، ودائم الربط بينه وبين واقعه وواقع من يخطب فيهم.

· يعايش الجماهير ويعرف مشكلاتهم ويعرف اهتمامتهم.

· مظهره ولبسه يكون لائقًا ومحترمًا.

· حسن الخلق، ولطيف المعشر، وقدوة في نفسه بِسَمْتِه وعلمه وخلقه ومركزه الاجتماعي، وهذا ينعكس على سلوكه التلقائي الذي يراقبه الجمهور.

· واثقًا في ربه وتوفيقه، يستمد منه وحده العون؛ ليبدو واثقًا في نفسه، مقتنعًا بما يقول[5].

معالم إخراج خطبة ناجحة:

وفيما يأتي معالم إخراج خطبة ناجحة:

أولاً: التخطيط للخطبة:

لا بد للخطيب أن يمهِّد للخطبة؛ بأن يسأل نفسه عدة أسئلة تمهيدية، والإجابة عنها تنير له الطريق لطرح جيد، وهذه الأسئلة هي[6]:

· أين سيلقي الخطبة؟ (معرفة المكان وطبيعته ومشكلاته وهمومه وقضاياه وطموحاته).

· ما مناسبة تلك الخطبة؟ (إن كانت مناسَبة تاريخية، أو مناسبة دُعِي ليخطب تعليقًا عليها).

· ما طبيعة الجمهور الذي يستمع للخطبة؟ (المثقفون يتفاعلون مع الإقناع العقلي أكثر وللغة التي تظهر فيها فصاحة الخطيب، والبسطاء يحتاجون للأداء العاطفي أكثر وللغة يسيرة محببة.. والأفضل دومًا الجمع بين أنواع الاستمالة الثلاثة: العاطفي- العقلي- التخويف، واستخدامها بحكمة تضع كل أسلوب في موضعه الصحيح).

· ما اتجاهات الجمهور؟ (هل هو جمهور عنيد؟ أم جمهور مستجيب؟ أم غير مبالي؟)[7].. هل هو موافق له في الفكر والتوجه، أم مخالف له؟.

· هل الجمهور يعرفه من قبل، وله معه علاقة، وسبق له تكوين صورة ذهنية عنه، سواء أكانت إيجابية تساعد في قبول الرسالة، أو سلبية تعرقل وصول الرسالة؟.

· ما الموضوع الذي يناسب هذا الجمهور بعد معرفة كل المعلومات السابقة؟ وهل يَلقى الموضوع بوجه عام قبولًا لدى المستمعين، أم يحتاج الخطيب لجهد أكبر ليقنعهم بما قد يخالفونه فيه؟.

وبناءً على الإجابة عن تلك التساؤلات يمكن للخطيب أن يجهز خطبته الناجحة.

ثانيًا: أقسام الخطبة:

تقسَّم الخطبة من حيث هيكلها إلى ثلاثة أقسام، مرتبة كما يأتي: المقدمة، الموضوع، الخاتمة.

الأول: المقدمة:

أ- تعريفها:

هي مدخل يمهِّد فيه الخطيب للأفكار التي سيعرضها في خطبته والمسائل التي سيعالجها خلالها، ويرمي منها إلى جَذب انتباه السامعين إلى ما سيلقيه إليهم من تلك الأفكار والمعاني.

ب- أثرها في نجاح الخُطْبة:

للمقدِّمة دور فعَّال في تأمين نجاح الخُطبة، فإذا كانت مُحكمة النَّسج سامية المعنى قويَّة الإلقاء، كان أثرها كبيرًا في تنبيه الناس والسيطرة على أذهانهم ومشاعرهم وإثارة اهتمامهم بالإصغاء إلى الموضوع المطروح عليهم.

فلبراعة استهلال الخطيب الأثر البالغ في حسن إنصات السامعين إليه، وحُسن إقبالهم عليه، وأما إذا أخفق في استهلاله كان ذلك أدعى إلى انصراف الأذهان عنه وضعف الإقبال عليه.

ج- أنواعها:

تتنوع المقدمة إلى ما يأتي:

· نصّ قرآنيّ (أو أكثر).

· حديث نبويّ شريف.

· حكمة مأثورة، وبيان المراد منها بإيجاز.

· فكرة الموضوع بصورة موجزة.

· قصَّة قصيرة لجذب انتباه المستمعين.

· بيان المناسبة (إذا وجدت).

الثاني: الموضوع:

أ- تعريفه:

هو المادَّة التي يبني عليها الخطيب حديثه، والأفكار التي يعالجها في خطبته.

ب- أسسه:

حسن الاختيار، التحضير المسبق، التقسيم، الوضوح، وتفصيل ذلك في الآتي:

1- حسن الاختيار:

ينبغي للخطيب أن يراعي أمورًا ثلاثة عند اختيار موضوع خطبته، هي:

· المناسبة التي اجتمع النّاس من أجلها.

· الموضوع الذي يناسب ثقافة النّاس، ويتناسب مع ظروفهم وأحوالهم.

· عدم الإطالة، والتقيد بالوقت المحدد.

2- التحضير المسبق:

من خلال ما يأتي:

· الرجوع إلى القرآن الكريم والحديث الشريف.

· بعض الكتب التي تتحدث عن الموضوع المختار.

· قراءة ما كتبه أهل العلم والفكر في ذلك.

3- التقسيم:

ويتحقق بما يأتي:

· تقسيم الموضوع إلى عناصر أساسية شاملة لجميع جوانبه.

· ترتيب الفقرات بحيث لا تدخل فقرة في أخرى (منعًا للعشوائية).

· بيان تقسيم الموضوع في بداية الخطبة، كأن يقول: يرتكز موضوع خطبتنا على نقاط ثلاث، هي: كذا، وكذا..

· حسن الربط بين فقرات الموضوع.

4- الوضوح:

وهو من أهم الصفات في (موضوع الخطبة)، كي تؤتي ثمرتها في أوساط المستمعين، ومن عوامل الوضوح ما يأتي:

· سهولة الأسلوب.

· وضوح الألفاظ.

· الابتعاد عن التراكيب المعقدة.

· عدم استخدام الألفاظ الغريبة.

الثالث: الخاتمة:

أ- تعريفها:

هي ما يُنهِي به الخطيب خطبته، ويتحقق به تمام الموضوع.

ب- أثرها وأهميتها:

تحقق الخاتمة رسوخ الموضوع في أذهان السامعين، أما الخطبة التي تخلو منها فلا تحقق الفائدة المنشودة والنفع المقصود.

ج- سماتها:

أن تكون:

· في منتهى الدقة والوضوح.

· في غاية القوة والتأثير.

· في حسن كمال الأداء وجمال التعبير.

د- أنواعها:

من أبرز أنواع الخاتمة ما يأتي:

· أن تكون موجَزًا لأفكار الموضوع الرئيسة.

· أن تؤكد الفكرة الرئيسة التي ناقشها الخطيب في خطبته.

· أن تكون بنص قرآني أو حديث نبوي أو قول لأحد العلماء.

· أن تؤكد للنّاس ضرورة الالتزام والعمل بما عرضه في موضوع الخطبة.

ثالثًا: طبيعة الرسالة في الخطبة:

لا بد أن تكون رسالة الخطبة مناسبة للمقام؛ فلكل مقام مقال، لذا: لا بد من مراعاة الأبعاد الآتية:

من حيث الوقت المتاح للموضوع:

قد يكون الموضوع أكبر من الوقت بما لا يسمح إلا بالتذكير برؤوس الموضوعات المتعلقة به فقط، وقد يكون الوقت مناسبًا يمكن خلاله شرح ما يقتضيه توفية حقه، وقد يكون الموضوع المختار قصيرًا، وهنا نحتاج لتفنيد أكبر واستعراض له من جوانب مختلفة واستعراض تأثيراته المتنوعة: اجتماعيًّا، اقتصاديًّا، سياسيًّا.

من حيث نوعية الموضوع:

· يجب أيضًا أن يناسب الحال المطلوب، فلو قلنا الخطبة لتأبين شخص، فهنا ينبغي ستر أخطائه وإبراز حسناته، والشيء نفسه يُقَال عن الأفكار أو الأماكن. وإن كانت الخطبة عن تفنيد شبهات ورد أخطاء، فإن الخطيب يحتاج إلى نقاش عقلي، واستعراض أقوال الخصوم. وإن كانت في موضوع وعظي يجب البحث عن موضوع شائق وربطه دائمًا باحتياجات الجمهور واهتماماته، وإلا غرَّد الخطيب بعيدًا.

· من المهم استعراض الحقائق والخبرات الذاتية وخبرات الآخرين؛ فإنها تؤثر في الجمهور، وكذلك اعتماد أسلوب السرد القصصي، وسرد قصص أشخاص بعينهم تؤثر كثيرًا؛ لأن الإنسان بطبعه يميل إلى القصص.

· الموضوع يجب أن يكون جذابًا في كلماته وأفكاره، مبتعدًا عن التكرار الممل أو التطويل المتعب (30- 40 دقيقة أفضل في التركيز)، وبذا: يكون مختصرًا بشكل غير مخل.

· اعتماد الموضوعية وعدم التحيز فيما يمكن عدم التحيز فيه.

· اتصال الموضوع وتسلسله ومنطقية ترتيبه.

رابعًا: أمور يجب مراعاتها خلال الخطبة:

خلال الخطبة يُراعَى ما يأتي:

· أن يكون الخطيب مستوعِبًا لخطبته، ممتلئًا بها، ولا يلقيها من أوراق.. ما وجد لذلك سبيلًا؛ لأن الخطبة المرتجلة المعدَّة جيدًا أكثر تأثيرًا في الناس؛ لأنهم يشعرون بأن الخطيب يعيش المعاني التي يذكرها.

· أن يتحدث الخطيب بتلقائية، ودون خروج عن الموضوع، ولا إغراق في تفاصيل عقلية لا تناسب الإعلام المسموع الذي يمارسه؛ فطبيعة الإعلام المسموع طبيعة هادئة شاعرية تثير الخيال وتداعب العواطف؛ لذا: فليستفِد من تلك الطبيعة، ولا يُعرِّج إلى النقاش العقلي إلا بدرجة أقل[8].

· أن يجتهد الخطيب ألا يبدو جاهلًا بموضوعه أو غير مقتنع به، بل يشتعل حماسة له، بصوت يوحي بالعزم والإخلاص.

· أن يتكلم الخطيب باختصار ويقدم البراهين وينتقد باعتدال، وربما احتاج للفكاهة غير المسفة ليكسر الملل ويلفت النظر.

· أن يضع الخطيب نفسه مكان المستمع، ويحاول أن يجيب عن تساؤلاتهم حول موضوعه، ويراقب انطباعات الجمهور، فربما أرسلوا له رسائل غير لفظية في أثناء خطبته (إظهار التفاعل- أو عدم الفهم- أو الامتعاض والرفض- أو الموافقة وطلب المزيد..إلخ) تجعله يعدل من أسلوبه ويعرض كلماته بانتظام وبطريقة مقنعة[9].

خامسًا: أسلوب الخطبة:

أ- وسائل الأسلوب:

هما وسيلتان فقط: الألفاظ، والتراكيب:

الألفاظ:

عند اختيار ألفاظ الخطبة ينبغي مراعاة ما يأتي:

· اختيار اللفظ المناسب للمعنى.

· البعد عن الكلمات الغريبة.

· انتقاء الكلمات المأنوسة.

· البعد عن الألفاظ الركيكة والعامية.

· تجنب تكرار اللفظ الواحد في الخطبة لغير حاجة.

التراكيب:

ينبغي ملاحظة الأمور الآتية قي التراكيب:

· أن تكون التراكيب قوية متماسكة، محقِّقَة للمعنى المقصود في أجمل صورة لفظية، سليمة من الضعف والتفكك.

· أن تكون التراكيب متوازنة في ترتيب ألفاظها.

· خلو التراكيب من ظاهرة التكلّف اللفظي، والابتعاد عن سلطان السجع.

· خلو التراكيب من التكرار غير المناسب.

· اعتماد التراكيب القصيرة.

ب- سبل تقوية الأسلوب الخطابي:

يجب على الخطيب لتقوية أسلوبه الخطابي أن يرجع إلى أهم مصادر العربية الفصحى، وهو: القرآن الكريم، فمن قرأه وحفظه وفهمه بلغ به الأقوم في الفصاحة والبيان. وهناك مصادر أخرى لتقوية الأسلوب، من أبرزها:

· الحديث النبوي الشريف.

· كلام الصحابة رضي الله عنهم.

· كلام التابعين وتابعيهم.

· التراث اللغوي العربي (النثري والشعري).

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة