حجم الخط:

محتوى الدرس (20)

العناصر المؤثرة في تشكيل الرأي العام:

[تمهيد]

هناك عديد من العوامل التي تتداخل في تكوين رأي الأفراد، فالفرد عندما يبني رأيًا فإن جزءًا قليلًا منه يعود إلى انطباعه الخاص، وأما الجزء الأكبر من آرائه فهو من ثمرة الامتزاج والتأثير ورَدِّ الفعل المتبادلين مع عوامل أخرى كثيرة، وليس عنصر الاقتناع الشخصي المجرد المبني على التفكير الفردي منها إلا عنصرًا صغيرًا، فهناك عوامل دائمة وعوامل مؤقتة تؤثر في تكوين الفرد لآرائه، فمن العوامل الدائمة: الأفكار التي تميز التراث الثقافي الشعبي، والعرف، والديانة، والموقع الجغرافي، والمكانة الاقتصادية، والمستوى التعليمي، أما العوامل المؤقتة التي تؤثر في مواقف الأفراد فمن بينها: تأثير الأحداث، والآراء الجارية، وآراء الأشخاص ذوي النفوذ والسلطة ووسائل الإعلام.

ويمكننا أن نقسم العناصر المؤثرة في تشكيل الرأي العام إلى نوعين: عناصر متعلقة بالموضوع، أي خارجة عن الفرد وتنشئته وطريقة تفكيره ومجتمعه، وعناصر أخرى متعلقة بالجمهور، أفرادًا أو مجتمعًا، ويدخل فيها: التنشئة والثقافة والدين.. وغيرها، وفيما يأتي عرض لبعض تلك العوامل:

أولاً: العناصر الخارجة عن الجمهور، وهي:

أ- تأثير قادة الرأي:

أسفرت البحوث والدراسات عن إبراز أهمية من يسمون عادة قادة الرأي، أي: أولئك الأشخاص الذين يكون لهم تأثير شخصي على من حولهم من الناس، وقد يكون لهم تأثير في موضوع واحد، كالطبيب المشهور عندما يناقش موضوعًا صحيًّا مثلًا؛ وقد يكون تأثيرهم في موضوعات عدة، كالدعاة والسياسيين والكتاب والمفكرين المرموقين، وفي بعض الأماكن الصغيرة من حيث المساحة والكثافة قد يُعَد من قادة الرأي: مدرس القرية وساعي البريد أو حتى من يملك وسيلة اتصال لا يملكها غيره؛ لأنه يساهم في تشكل الرأي العام باعتداد جمهور المكان برأيه.

وعلى هذا يجب أن يسعى الدعاة في التأثير على قادة الرأي الحاليين وصناعة قادة الرأي أيضًا، بأن يكون لديهم أفكار وتعليقات رصينة وصادرة عن تشاور وبحث على كل المستجدات، وهنا يبدأ تشكلهم قادةً للرأي لدى الناس، ينتظرون مواقفهم ويتتبعون آراءهم ويسترشدون برؤاهم.

وقادة الرأي قد يكونون رسميين، أي: يمارسون التأثير من خلال وظائفهم، وهؤلاء كثيرًا ما يفقدون تأثيرهم عندما يتركون وظائفهم، وقد يكونون غير رسميين، وهؤلاء يكتسبون قوتهم من قناعة الناس بهم وبآرائهم. ويتميز قادة الرأي عن غيرهم بأنهم أكثر حرصًا على الأنشطة العامة، مثل الإدلاء بالأصوات في الانتخابات، ومتابعة وسائل الإعلام، وأنهم أكثر اتصالًا بغيرهم، وأكثر نشاطًا في نشر أفكارهم عبر النقاشات[1].

وبعد التطور التقني والقدرة على التواصل عبر شبكة المعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي يمكننا النظر بتوسع إلى موضوع قادة الرأي، فقد يكون بعضهم غير معروف بشخصه وباسمه لكنه يكون مؤثرًا؛ نظرًا لأنه بإمكانية اتساع تأثيره في الناس وتداول رأيه عبر الشبكة صار كبيرًا، ولا ننس أن أحداثًا جسامًا- كالثورات العربية مؤخرًا- تدُووِلَت الآراء والأخبار عنها من خلال شبكات التواصل الاجتماعي التي ساهمت في نقل تصورات قادة الرأي الجدد، الذين كسروا احتكار قادة الرأي التقليديين على الحياة الفكرية والعملية.

ب- الموضوع المتدفق:

ونقصد بذلك أن ثمة موضوعًا يهم طائفة أو طوائف، وأنه يتدفق في المجتمع بانسيابية عبر الطرائق التقليدية، كالتجمعات ووسائل الإعلام، وغير التقليدية، مثل: الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة، ويتدفق الموضوع عبر السبل المختلفة حتى يشتهر، وهنا يتبنى الدعاة ويبرِزون من الموضوعات ما يرونه مثيرًا للرأي العام وموافقًا لدعوتهم مما هو مطروح على الساحة، فيساهمون في نشره، وهنا يصنعون رأيًا عامًّا في هذا الموضوع.

ج- وجود تحديات:

وهذا يساعد في سرعة انتشار الموضوع، وقد تكون التحديات مُمَثَّلة في تنافس بين مرشحين انتخابيين، يتسابقا لاستمالة الجمهور، وقد يكون تحديًا قيميًّا سلبيًّا، كاكتشاف تداول المخدرات بين طلبة المدارس، أو إيجابيًّا، كتحدي نشر قيم العمل والإنتاج، أو تحديًا اجتماعيًّا، كمشكلات العنوسة والبطالة.. وهذه النقطة قد تجعل الرأي العام تجاهها غير متسارع؛ نظرًا لأنها قد تمثل مشكلات معروفة ولكنها تحتاج وقتًا لمعالجتها. أو قد يكون الموضوع دعمًا لأفكار أخرى غير الأفكار السائدة، وكلما بدت الأفكار الجديدة ممكنة التنفيذ ومهمة في موضوعها.. تُدووِل الموضوع بشكل أكبر.

د- وجود حلول:

وهذه الحلول المتداولة- التي قد تكون مختلفة- تجعل الموضوع يُتَداول، وتمهد لانتصار حل يُجمِع عليه الجمهور أو أكثرهم، وبعد تداوله يكون لقادة الرأي فيه دور كبير.

ه‍- الارتباط بالزمن:

وقد يساهم الارتباط بالزمن في سرعة تشكل الحلول المتوقعة للمشكلات؛ لأن الشعور بتأزم المشكلات بمرور الزمن يُسهم في سرعة تداول الحلول، وقد يكون هذا العامل سلبيًّا؛ لأنه يَحُول دون التروي في ردود الأفعال.

و- النظام السياسي:

يقوم النظام السياسي وفلسفته وطرائق تداول المعلومات فيه بدور بالغ الأهمية في التأثير على الرأي العام، فالمواطن في العصر الحديث يقع تحت الهيمنة الكاملة للأيديولوجية السائدة في النظام السياسي، فإذا كان النظام قائمًا على الديكتاتورية وحكم الفرد، ترتب على ذلك حرمان طبقات كاملة من التغيير السياسي؛ مما يؤدي إلى سلبية الرأي العام، أمّا في الأنظمة القائمة على الشورى فإن الرأي العام يكون أكثر فعالية وإيجابية.

وتلجأ الحكومات الناجحة لعدة وسائل للتأثير في الرأي العام، طمعًا في الحصول على تأييد الغالبية الشعبية، من تلك الوسائل: نشر الثقافة السياسية، وزيادة الوعي السياسي لدى الجماهير، فمن المعروف أنه لكي يستطيع الرأي العام المشاركة الإيجابية في العمل السياسي لا بد أن يتكون لدى الجماهير درجة عالية من الثقافة السياسية، خاصة في العصر الحديث الذي تعقدت فيه الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين[2].

ز- وسائل الإعلام:

من خلال وسائل الإعلام المختلفة يمكن التأثير في الرأي العام؛ فهي السبيل الأكبر للوصول إلى الجماهير أينما كانوا وإلى نقل الأفكار وتداولها.

ولا شك أن تعقد الأحداث وتغيرها، ومن ثم: تعقد الأحوال السياسية وصعوبة متابعتها، يستلزم إمداد المواطن بمعلومات عن السياسة والأحداث؛ لذلك كان لا بد من الاعتماد على قناة اتصال تتسم بالمرونة والسرعة والقدرة على التغلغل في أنحاء الدولة.

وتمنح وسائل الإعلام النخب السياسية والفكرية (ومنهم الدعاة) في المجتمع إمكانات هائلة للتأثير في اتجاهات المواطنين، كما أن الانتشار الحر للمعلومات من خلال وسائل الاتصال توجِد إمكانية كبيرة للتحرك الشعبي، على أساس معرفة واسعة ودقيقة بالأحداث السياسية.

فالدور الرئيس لوسائل الاتصال هو أن تنمي اتفاقًا جماعيًّا في الرأي العام بالمجتمع؛ فمن خلال التعرض للمعلومة نفسها وللتأويلات نفسها للأحداث، فإنّ الناس يتعلمون أن يفكروا في الاتجاه نفسه، وليس بالضرورة أن يصلوا إلى النتائج نفسها على الرغم من أن ذلك وارد.

أيضًا من أهم تأثيرات وسائل الإعلام، والتي تنعكس على النظام السياسي بصفة كلية: التأثير على تصور المواطن للسياسة وشرعية النظام السياسي، والتأثير في اتجاهات الأفراد، التي يمكن أن تغيِّر من التوازن بين القوى أو الشخصيات السياسة في المجتمعات الحرة، وهذا ما يظهر أكثر في فترات الحملات الانتخابية.

ومن هنا: وجب على الدعاة والهيئات التي ترعى الدعوة السعي لامتلاك أجهزة إعلامية، أو في الأقل للمشاركة فيما هو متاح منها؛ ليضمنوا التواصل والتأثير في الرأي العام.

ثانيًا: العناصر المرتبطة بالجمهور، وهي:

1- الدين والمؤثرات الثقافية:

يُعَد الدين أحد أهم مقومات التراث الثقافي، والدين بطبعه من العناصر الحضارية الراسخة التي لا تقبل الجدل، ولا تدخل في مجال الرأي العام قبولًا أو رفضًا؛ لأنه ثابت بذاته ومستقر في الرأي العام. ورغم ذلك فهو يشكل عاملًا شديد التأثير في توجيه الرأي العام في معظم بلاد العالم وفى ميادين الحياة الاجتماعية والسياسية والعالمية كافة.

ويشكل التراث الثقافي الآخر (العادات والتقاليد، واللغة، والمعتقدات) عنصرًا مهمًّا من عناصر تكوين الرأي العام، فهذا التراث يؤدي دورًا كبيرًا في تَكيُّف الأفراد والجماعات وتهيئتهم؛ لتبادل أفعال وردود أفعال معينة تحدد أنماط سلوكهم الاجتماعي، وقد ذهب (جون دولاد) إلى أنه في الإمكان- علميًّا- وعن طريق بضعة افتراضات معينة تحديد نوع الأفكار والآراء التي سيعتنقها شخص ما مسبقًا قبل مولده، وذلك إذا قمنا بدراسة تراثه الثقافي[3].

ومع أن القيم والعادات والمعتقدات الموروثة لا تصير من قبيل الآراء العامة، إلا أن لها- وخاصة المعتقدات السيئة منها- تأثيرًا كبيرًا جدًّا وبالغ الخطورة على تكوين الرأي العام، ذلك أن الجمهور في كثير من الحالات يستلهم هذه القيم والعادات في تكوينه لرأيه حول بعض المسائل الحالية المطروحة للمناقشة[4]، بل إن بعض الجهات قد تستغل هذه القيم والعادات لتوجيه الرأي العام توجيهًا يتفق مع مصالحها؛ لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية، مثلما حدث تاريخيًّا من ادعاء هتلر ونابليون ومينو اعتناق الدين الإسلامي عند غزوهم للعالم الإسلامي؛ ليحدث تقارب نفسي نتيجة تقدير الناس لمن يتحول للدين الإسلامي؛ ليسهل لهم التأثير فيهم لاحقًا.

فإذا أراد الدعاة أن يؤثروا في الرأي العام فليرسخوا مفاهيم رشيدة عن المفاهيم الدينية، تكون قريبة من المنهل الصافي للدين من الكتاب والسنة، والبعد عن البدع والانحرافات العقدية، وليساهموا في دعم العادات والتقاليد الصحيحة ورفض العادات والتقاليد السيئة أو المنحرفة.

2- التعليم:

ما يزال اهتمام الإسلام بالعلم منارة ونبراسًا لكل متطلع للمعالي؛ حيث أعلى من شأن العلم والعلماء، فرأينا قوائم العلماء الكبار في الأمة وهي تضم المتميزين منهم دون اعتبار لجاه أو مال أو عروبة، بل كان الأمر كله متعلقًا بمدى إجادة العالم وتميزه، ومدى حرصه على تطبيق ما عَلِم، ومنذ أول آية نزلت على رسول الله { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق: 1] بدأت الحركة العلمية والتعليمية والتربوية في الإسلام.

وتبرز أهمية التعليم في أنه يساعد في التهيئة الفكرية للشعب ورفع قدرته على الحوار والمناقشة في إطار إدراكه لحقوقه وواجباته، وجعله حريصًا على أدائها وممارستها، كما يقوم التعليم ببث ثقافة المجتمع التي يحرص على نقلها للطلاب.

ولقد أوضحت عديد من الدراسات التي أجريت على مستوى العالمين العربي والغربي أن الاهتمام بالقضايا العامة وأوجه المشاركة السياسية وبلورة رأي عام واضح ومحدد، يظهر لدى المستويات التعليمية الأكثر ارتفاعًا عنه لدى المستويات التعليمية الأكثر انخفاضًا، وتظهر أهمية هذه النتائج إذا عرفنا أن بعض الأقطار العربية تتجاوز نسبة الأمية فيها 80% من الجنسين وأن النسبة الأكثر في النساء عن الرجال.

ولكن ليس معنى ذلك أنه كلما ارتفع المستوى التعليمي للأفراد ارتفع معه الوعي الاجتماعي والسياسي، ولكن المقصود أن التعليم يساعد في بلورة الوعي السياسي والاجتماعي.

لذلك تكمن أهمية التعليم وخطورته في تشكيل العقول في مرحلتي الطفولة والبلوغ؛ حيث تؤثر الاتجاهات السائدة في التعليم تأثيرًا كبيرًا على تكوين الرأي العام داخل الدولة، خصوصًا إذا قامت هذه الاتجاهات على أساس روح التفرقة العنصرية أو الدينية أو الطبقية وإذكاء روح التعصب؛ ذلك أن الفرد لا يستطيع في المرحلة الأولى من حياته أن يستخدم عقله للتمييز بين الحق والباطل، فيكبر الفرد ومعه بعض أنماط السلوك والأفكار التي بلغت في نفسه مبلغ العقيدة. وإذ كان للتعليم كل هذه الخطورة في تشكيل العقول، ومن ثم: في توجيه الرأي العام؛ فإن عديدًا من الشعوب المتحضرة تهتم بترسيخ القيم الدينية والأخلاقية في عقول النشء، وتعمل على محاربة النعرات المتخلفة والتعصب الأعمى[5].

وعلى الدعاة كذلك أن يُولُوا التعليم اهتمامًا كبيرًا، سواءً من ناحية وضع المناهج أو من ناحية التدريس؛ ليصنعوا واقعًا مؤثرًا في المجتمع، ولن يحصل لهم التأثير في المجتمعات ما لم يفعلوا ذلك.

كما تجدر الإشارة إلى أنه يتحقق لهم التأثير المباشر على الرأي العام بالتذكير بما ترسخ في أذهان المتعلمين من القيم.

3- الأسرة:

اهتم الإسلام بالأسرة أيما اهتمام؛ ولذا: يجب أن يولي الدعاة عنايتهم بها عناية كبيرة، سواءً لأسرهم أو لأسر من يدعونهم، وتعد الأسرة وطريقة النشأة فيها وأدوار أفرادها أحد الروافد الكبرى المؤثرة في تشكيل البيئة التي تكوِّن الرأي العام؛ حيث تعد الأسرة البنية الرئيسة للتنشئة الاجتماعية للفرد، وهي العملية التي تستنبط المعايير الاجتماعية لتَمْثُل وتندمج في الشخصية النفسية وتصبح جزءًا لا يتجزأ منها، فالتربية هي التي تنمي لدى الإنسان استعداداته وميوله وحاجاته، وتكوِّن الاستجابة لها في الامتثال للقواعد والمعايير الاجتماعية.

وتأثير الأسرة يتضمن غرس القيم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية، حيث تكون للتأثيرات المكتسبة في المراحل الأولى من العمر التأثير القوي والدائم.

ومن التأثيرات التي تقوم بها الأسرة: عملية تشكيل الاتجاهات تجاه السلطة؛ وبذلك تصبح الأسرة البؤرة أو المركز المنطقي للتأثير الذي يفوق كل الوسائل الأخرى، والسلوك السياسي للإنسان الناضج يتحدد نتيجة للتنشئة التي تلقاها في مراحل العمر المختلفة.

ويختلف النمو والإدراك السياسي في كل مرحلة من هذه المراحل: ففي المرحلة الأولى يتحدد انتماء الطفل لثقافة وتاريخ ونظام معين، أما المرحلة الثانية فهي المرحلة التي يتفهم فيها الطفل هُوِيَّته ويزداد إدراكه للعالم السياسي والأحداث السياسية، أما المرحلة الأخيرة فهي التي يشارك فيها الفرد مشاركة فعلية في العملية السياسية من خلال عمليات التصويت وتولي المناصب السياسية[6].

وعلى الدعاة أيضًا أن يسعوا لوضع مناهج تربوية ترسخ مفاهيم العقيدة والأخلاق والمعاملات لدى الناشئة؛ لتواجه الكم الضخم من الانفلات الذي تُحدِثه الوسائل الأخرى الهدامة، وليكون ذلك مؤثرًا في ترشيد الرأي العام.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة