الأشكال الصحفية تفصيلاً:
والآن دعنا نلقي الضوء أكثر على ما أجملناه من الأشكال الصحفية. وهذه الأشكال هي:
الخبر، التقرير، التحقيق، المقال، الحوارأو اللقاء.
ولنأخذ فكرة أكثر تفصيلًا عن كل واحد من هذه الأشكال:
الخبر هو أساس الصحافة الحديثة وعمودها الفقري، فمن دونه لا يمكن أن تُوجَد صحافة أو صحيفة، وهو يحقق الهدف الأول في الإعلام، وهو: الإخبار.
والأخبار تحقق فائدة كبيرة للمجتمع بالتواصل بين أفراده، وللقارئ باطلاعه على المستجدات المحلية أو العالمية كافة، سواءً أكان هذا بوجه عام أو في موضوع متخصص يهتم به ويعالجه الإعلام المتخصص، مثل: أخبار التجمعات والمؤتمرات العلمية التي تطرحها المجلات والصحف المتخصصة في موضوعٍ ما (كأخبار مجامع الفقه، ووقت انعقادها، ومكانه، وما يدور فيها.. بالنسبة لصحيفة أو مجلة تختص بالشؤون الفقهية أو الدعوية).
(الخبر هو: تقديم معلومات مفيدة وجديدة عن واقعة أو حدث أو موضوع معين، يهم أكبر عدد من القراء).
والأخبار شكل صحفي ذو قواعد معروفة، ويعرِّف (باستيان) الأخبار بأنها: (تقرير عن أكثر الأشياء أهمية وأعظمها شأنًا وأقربها إلى الواقع وأكثرها حداثة)[1]، ولما كان عنصر الحداثة يقتضي إيصال الأخبار بسرعة؛ حتى يكون للوسيلة الإعلامية السبق دون غيرها، كان لا بد من استخدام وسائل نقل الأخبار الحديثة. ويرجع تقديرحداثة الخبر ومدى أهميته إلى القارئ. والوظيفة الأولى للأخبار: نشر ما يحدث في الحياة وفي المجتمع من تغيرات، ويزداد الاهتمام بالأخبار في أوقات الخطر.
ولا بد من التفرقة بين الخبر والرأي؛ حتى لا يتأثر القارئ بآراء المحررين، ويحافظ على استقلاله عنهم في تكوين آرائه بالنسبة لخبر ما، دون أي تأثير عليه من الخارج، والمقصود من ذلك: الوصول إلى الموضوعية ما أمكن ذلك؛ فالموضوعية المطلقة نوع من الخيال، إذ إن مجرد اختيار وسيلة إعلامية دون غيرها لإيصال حدث إخباري معين، هو في ذاته إنقاص من موضوعيته، وذلك بغض النظر عن الاعتبارات الذاتية عند الصحفي في اختيار مواد الأخبار ونشرها وتحريرها، وتتجلى صعوبة التفرقة بين الخبر والرأي في التقارير التي يرسلها المراسل الخارجي إلى صحيفته.
ويعكس الأسلوب الذي يحرر به الصحفي الخبر مدى تأثره به، إذ يُظهِر الإنسان خلال الأسلوب عقيدته وآماله واتجاهاته وسخطه أو رضاه.
ومن هنا تظهر الصعوبة بوضوح في وضع تعريف شامل للخبر، وعمومًا يمكن القول: إن مفهوم الخبر هو: حادث تهتم به الجماهير، ويمتاز بالآنية، ويؤثر في الرأي العام ويثيره.
ولقد حاولت الصحافة الأمريكية وضع قواعد عامة لكتابة الأخبار، حتى تكون هناك وحدة في التحرير، وتتلخص هذه القواعد في:
· ضرورة الالتزام بالحقيقة في كتابة الأخبار.
· ضرورة كتابتها وعرضها بوضوح.
· ضرورة التزامها بالواقع.
ونشير هنا إلى أن الخبر هو سرد لشيء حدث، وبذلك يمكن التفرقة بينه وبين القصص الخيالية، كما أنه يؤثر في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإن شئت وجه الدقة فهو: سرد لعلاقات الإنسان المتغيرة والمتبادلة مع بيئته، ومن ثم يمكن القول: إن الحادث ذا القيمة الإخبارية هو الذي يغيِّر الأوضاع القائمة.
ومما يُدخِل عنصر الوحدة على تحرير الأخبار أيًّا كان نوعها: استخدام الإجابة عن الأسئلة الستة: [من؟، ماذا؟، أين؟، متى؟، كيف؟، لماذا؟] مع ذكر مصدر الخبر، وذلك بالإجابة عن: مِن أين؟. ثم استخدام قاعدة المثلث المقلوب في عملية تحرير جسم الخبر.
ويتكون الخبر عادة من عنوان ومطلع وجسم، وأكمل المطالع هو الذي يحتوي على الإجابة عن الأسئلة الستة، ويكتب جسم الخبر، بحيث يحتوي في المقدمة على أكثر الأجزاء أهمية في الخبر، ثم المهم، ثم الأقل أهمية، ومهمة الجسم هو تفسير العناصر الخبرية التي يحتويها المطلع.
وطريقة المثلث المقلوب ذات أهمية كبرى بالنسبة للصحفي والقارئ: فهي تساعد الصحفي عندما تأتي أخبار قبل عملية الطبع بدقائق، وعندما تقتضي الضرورة نشر الأخبار الحديثة، فيمكن للصحفي عندئذ حذف الفقرات الأخيرة من الخبر، دون أن يؤثر ذلك عليه، ويقوم بنشر الخبر الحديث بدلًا منها، خصوصًا أن كل فقرات جسم الخبر متكاملة في حد ذاتها، وينشر الخبر الجديد في هذه الحالة باختصار، إلى أن ينشر في اليوم التالي بالتفصيل.
وأهمية هذه الطريقة بالنسبة للقارئ، أنه يستطيع أن يلم بالأخبار وفقًا لوقته، وذلك بقراءة المطلع أو بعض فقرات الجسم.
والشكل الآتي يبيِّن تكوين الخبر بأجزائه:
العنوان: [.............. الخلاصة، أو النتيجة...............]
المطلع: [....... الإجابة عن الأسئلة الستة........]
الجسم: [.... أكثر الأخبار أهمية.....]
[... الخبر المهم....]
[أقلها أهمية][2].
مثال: (خبر عن إعلان حرب، أو قربه، أو حشود عسكرية).
فالعنوان (يبدأ بالنتيجة)، مثل: (إعلان الحرب على دولة كذا).
المطلع: قام وزير الدفاع بدولة كذا (فلان- إجابة سؤال: مَن؟) أمس (الإثنين- إجابة سؤال: متى؟) بإعلان الحرب على دولة (كذا- إجابة سؤال: ماذا؟)، وعلى إثر ذلك قام سلاح الطيران بشن غارات جوية (إجابة سؤال: كيف؟) على مواقع (كذا، وكذا- إجابة سؤال: أين؟).
الجسم: (أكثر الأخبار أهمية) وكان الصراع قد نشب بسبب قيامهم بالاستيلاء على مدينة كذا الاستراتيجية (إجابة سؤال: لماذا؟).
(خبر مهم) وعلى الرغم من الجهود الدبلوماسية المبذولة التي قامت بها دولة كذا، إلا أن ذلك لم يفلح في تخفيف حدة الصراع.
(خبر أقل أهمية) وتأتي الحرب على خلفية صراع تاريخي، هو: كذا.
خاتمة: وبانتظار متغيرات أخرى أو تدخلات من الدول المجاورة سيظل الصراع قائمًا والحرب مشتعلة.
خبر آخر بُثَّ بالفعل[3]:
العنوان (يبدأ بنتيجة): القس تيري جونز يحرق المصحف ويبث المشهد[4] على الإنترنت.
المطلع: قام القس الأمريكي تيري جونز(من؟) بحرق المصحف(ماذا؟)، وبثَّ المشهد عبر الإنترنت (كيف؟) احتجاجًا على اعتقال رجل الدين المسيحي يوسف نادرخاني في إيران (لماذا؟).
الجسم: (أكثر أهمية): وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد ناشدت جونز التفكير بعواقب العمل.
(أقل أهمية) ولم تحصل العملية على تغطية إعلامية تذكر في الولايات المتحدة (أين؟، ويلاحظ من الخبر تضمنه الإجابة عن سؤال: متى؟ بأنه أمس، مثلًا).
(خلفية تاريخية- أقل أهمية) وكان القس قد أشرف على حرق نسخة من المصحف خلال (محاكمة صورية للإسلام) في شهر مارس/آذار من عام 2011.
خاتمة: وقد أدان الرئيس الأمريكي العمل الذي أثار ردود فعل عنيفة في حينه، منها: هجوم على مقر للأمم المتحدة في أفغانستان خَلَّف عددًا من القتلى.
وهي ملامحه التي تجعله قابلًا للقراءة، بعد أن يكتبه المحرر، ومن أهمها:
· الدقة، أي: أن ينقل المحرر الخبر بأمانة.
· الصدق والصحة، أي: أن يقوم الخبر على وقائع صحيحة غير مصطنعة.
· الموضوعية، أي: أن تختفي ذاتية المحرر وأهواء الصحيفة أو اتجاهها عند كتابة الخبر، أي: أن يذكر الخبر الحقائق دون تشويه أو تلوين.
· يزداد انتباه الجمهور للأخبار القريبة منه؛ لأنها تُشبع الحاجة إلى الانتماء والإحساس بالأمن والأمان.
· يزداد إدراك الجمهور للخبر وتذكره له عندما تستمر تغطيته لأيام متتابعة (نظرية التكرار)، وهذا يتوقف على استمرار الحدث وتفاعلاته، والحاجة لمتابعة تداعياته.
· تساعد الصورة الإخبارية على الانتباه للحدث وإدراكه وتذكره؛ فالصورة تعبر عن نفسها ربما أكثر من الكلام.
· كلما كان الخبر غير عادي وغير متوقع ازدادت احتمالية أن ينتبه الجمهور إليه ويتذكره بصورة أفضل.
· ينتبه الجمهور لأخبار الصفحة الأولى أكثر من الصفحات الداخلية؛ حيث يؤثر موقع الخبر على الانتباه إليه وتذكِّره[5].
ينقسم الخبر إلى عدة أنواع، وفقًا لطريقة النظر إليه:
فمثلًا من ناحيةٍ يُنظَر إلى الخبر باعتبار محليته أو عالميته، على أساس تعلقه بالمجتمع الذي تصدر فيه الصحيفة أو بغيره من المجتمعات.
ومن ناحية موضوعه، يمكن أن ينظر للخبر باعتبار تعلقه بموضوع ما: سياسي، أو اجتماعي، أو اقتصادي، أو أدبي، أو رياضي...
من الناحية التوقع، ينقسم الخبر حسب وقوعه إلى: أخبار متوقعة حدوثًا زمانًا أو مكانًا، كنسب فوز مرشحين، أو نتائج امتحانات الثانوية، أو تحري الهلال.. وأخبار غير متوقعة (مفاجئة) لا يُتوَقع حدوثها، كحادث أو نشوب حرب، أو حدوث أزمة، أو جريمة.
من ناحية الجهد المبذول فيه ينقسم الخبر إلى: خبر جاهز يأتي من إدارات أو وزارات مثلًا، وخبر مصنوع (أو إيجابي)، وهوالذي يبذل الصحفي جهدًا في الحصول عليه وصياغته.
من ناحية نوعية الخبر: ينظر إلى بعض الأخبار أنها خفيفة تسلي القارئ وتلفت انتباهه، كأخبار الرياضة، والفن، والحوادث، والطرائف، وهناك أخبار جادة، وهي التي تؤثر في حياة الفرد وتتعلق بموضوعات جادة، مثل: الدين، والسياسة، والاقتصاد..
من ناحية التقسيم النوعي: هناك أخبار غير مركبة، وأخبار مركبة، فغير المركبة تتعلق بواقعة واحدة، مثل: حدوث حريق- حالة الطقس- خبر عن شخصية معروفة- جرائم...
والأخبار المركبة تتعلق بوقائع متعددة، ولكنها تدور حول موضوع معين واحد، وهي تتصف بالتعقيد، وغالبًا تحتاج لتفسير أو تعليق يعتمد فيه الصحفي على معلومات خارجية، مثل: الأخبار المتعلقة بالصراعات الدولية، والأداء الاقتصادي، وبيانات الحكومة، والمحاكمات..إلخ. فلو ذكر الخبر أن شخصًا ما حُكِم عليه بحكم كذا فإنه يحتاج للتذكير بجريمته، وقد يحتاج أيضًا ذكر انعكاسات تلك الجريمة. ولو كان الخبر يتعلق بسياسة تقشف فيحتاج مع ذكره بيان عجز الميزانية. ولو كان الخبر يتحدث عن استعدادات دولة لخوض حرب فيجب التذكير ببعض أحداث الصراع بين الدولتين.. وهكذا.
وقد يكون تفسير تلك الأخبار في سياق الخبر، أو في عنوان الخبر، مثل: (سدًّا لعجز الموازنة: الحكومة تعتمد سياسة التقشف)، (بعد أعوام من الصراع توصلت الدولتان لاتفاق سلام).
يختلف تفسير الأخبار عن التعليق عليها؛ لأن التفسير يرمي إلى توضيح الأخبار للقارئ، بينما التعليق يختص بإبداء الرأي فيها، والتفسير ضروري لتطور الرأي العام، الذي تتكون غالبيته من رأي عام منقاد تنقصه: الثقافة في الدول المتقدمة، والتعليم في الدول التي في طريق النمو.
وتحتم عدم كفاية رؤية الحدث وفهمه أو قراءته ضرورة وجود تفسير لهذا الحدث.
وتؤيد الأسئلة الستة الخاصة بالخبر ضرورة استخدام التفسير؛ لأن القارئ العادي لم يكتفِ بالحدث نفسه، ولكنه يتطلع لمعرفة: لماذا؟ وكيف وقع الحدث؟، ولذلك: فإنه يقرأ الأعمدة المختلفة في المجلات والصحف الخاصة بهذا الحدث، ليعرف ما وراء الأخبار، وخاصة ما يتعلق بالسياسة الخارجية والعلاقات الدولية، ويصعب على القارئ في كثير من الأحيان التمييز بين الحيادي والمتحيز.
والتفسير الخبري عمل صعب؛ إذ يحتوي على عناصر كثيرة: كوصف المشهد العام، والمكان الذي وقع فيه الحادث، وكيفية وقوعه، ووصف الأشخاص المذكورين في الحادث، أو سرد حياتهم، وتحليل الدوافع الخفية وراء الحدث، وذكر النتائج التي قد تترتب على الحادث.
والتفسير يحتاج إلى باحثين تكون مهمتهم الأساسية البحث في الكتب والرجوع إلى المتخصصين؛ للتعرف على ما يمكن أن ينتج عن الأحداث.
والأخبار التي تحتاج إلى تفسير هي: الاتجاهات، والمشكلات العامة، والأخبار السياسية، والاقتصادية، والعلمية؛ وذلك لجهل القراء عامة بهذه النواحي، ولا بد أن يكون كاتب التفسير متخصصًا في المجال الذي يكتب فيه، بحيث تكون التفسيرات الاقتصادية والعلمية والسياسية أقرب إلى الدراسة العلمية؛ فليس أخطر على القارئ من أن يتولى التفسير شخص يجهل أمر الموضوع المراد تفسيره؛ ومن هنا جاءت ضرورة تخصص الصحفيين.
وينطبق هذا القول على النواحي العلمية؛ لأن الأحداث العلمية وحدها لا يمكن فهمها دون تفسير يكتب بواسطة متخصصين، فهناك الأبحاث الخاصة بالأبحاث الذرية، وغزو الفضاء، والوصول إلى القمر، والأقمار الصناعية، ومكافحة الأمراض، وعمليات زرع أعضاء الجسم.. إلى غير ذلك، وهذه الأخبار تنشر يوميًّا في الصحف، وهي وحدها لا تكفي دون تفسير علمي[6].