المقال:
المقال هو أول الأشكال الصحفية، التي تعبر الصحيفة من خلاله عن رأيها، ولذلك ينشر في الصفحات الأولى، ويُطلَق عليه أحيانًا لفظ (الافتتاحية)، وللمقال قيمة كبيرة بالنسبة للصحيفة وللقارئ، فبواسطته تعرب الصحيفة عن سياستها وآرائها في جميع الشؤون، دون الاضطرار إلى التلاعب بالأخبار، أما فائدته للقارئ - وخصوصًا العادي- فهو ينتفع بالتفسيرات والآراء الموجودة فيه، والتي غالبًا ما تشرح له أمورًا يصعب عليه فهمها؛ لعدم امتلاكه للوقت والقدرة الكافية لمعرفة التفاصيل المعقدة للحوادث اليومية.
وهدف كاتب المقال: التأثير في الرأي العام، ولما كان الرأي العام يتكون من فئات مختلفة كان على كاتب المقال أن يكتفي مرة بتفسير الحوادث دون أن يعطي حلًّا معينًا، وأن يقدم مرة أخرى اقتراحات معينة لحل المشكلات المعروضة، ومرة ثالثة يحض قرّاءَه على اتخاذ قرارات مباشرة تجاه موقف معين، وللمقال وظيفة كبرى في توجيه الرأي العام، وخصوصًا في الصحف الكبرى؛ حيث يمكن لكاتب المقال أن يوجه السياسة العامة التي تتبعها دولته أو حزبه أو اتجاهه.
وعلى كاتب المقال أن يبدأ في إعداد الخطة الرئيسة للمقال، الذي يتألف من: المقدمة، والجسم، والنتيجة (أو الخاتمة).
ومهمة المقدمة: تهيئة أذهان القراء للموضوع، بواسطة تقديم بيان عن حالة ما، أو حجة سيدافع عنها، أما الجزء الثاني، وهو الجسم: فإنه يباشر التوسع في البيان، والجزء الثالث: يقوم بمهمة الخاتمة أو النتيجة، ويعرض علاجًا للمشكل المعروض، أو يحث من أجل عمل ما، أو يحمِل غاية الكاتب الأساسية في مقطع قوي التركيب.
ومطلع المقال في غاية الأهمية؛ إذ بواسطته يُكتسَب القارئ أو يُفقَد؛ ولذلك فإن كاتب المقال يختار المطلع الملائم لغايته، وله محض الاختيار في ذلك.
وعلى كاتب المقال أن يقدِّر الموضوع جيدًا، وذلك قبل وضع أي مخطط للمقالة، وعليه أن يتأكد من أن لديه جميع الحقائق اللازمة للمقال، وينبغي ألا يظهر أي تعارض في الرأي في الفقرات المختلفة من المقال، فإذا لم تكن افتتاحية اليوم مطابقة مع افتتاحية الغد خلخل ذلك ثقة القارئ بالصحيفة، ومن ثم: يبتعد عنها، ويفترض كاتب المقال اطلاع القارئ على الأنباء، ومع ذلك فلا ينبغي أن يكتب في المقال شيئًا قد يُظهِر جهل القارئ بالأخبار المهمة والبدهيات، كما أن عليه تجنب إعادة ذكر الأخبار؛ لأن المقال غالبًا ما يتناول موضوع الساعة المنشور في الصحيفة.
وطرائق كتابة المقال متعددة، لأنها تتصل بذات الكاتب أكثر من اتصالها بالموضوع، ويتناول الموضوع حقيقة من الحقائق، ويدعمها الكاتب بالشواهد والأدلة لتعزيز وجهة نظره، وقد يكون القصد من المقال نفي افتراءات أو إقرار للواقع، وعلى الكاتب أن يسرد مقاله بأسلوب شائق موجز وميسر، وأن يحاول جذب القراء إليه بواسطة عرض وجهة نظره في الموضوع، وينبغي للكاتب أن يعرض أفكاره بطريقة منطقية مُنسَّقة وجذابة، وأن يركز على الهدف الذي يرمي إليه من وراء المقال.
ويكون هدف المقال: إما توجيه القراء أو قيادة أفكارهم إلى وجهة يقصدها الكاتب، أو نقد أوضاع غير سليمة، أو تثقيف القراء وتنويرهم، أو دعم قضية ما، أو المدح والتهنئة، أو التعليق على الأنباء[1].
هناك تقسيمات عديدة للمقال، بعضها يعتمد على مضمونه، وبعضها يعتمد على شكله، وقد يمزج التقسيم بين هذا وذاك، مثل ما يأتي:
وهو مقال ثابت يومي- أو دوري بحسب الظهور- لا يُوقَّع باسم كاتبه، وتُعلِّق فيه الصحيفة (أو المجلة) على الأحداث، وتفسرها، وتشرحها. أو تتنبأ ببعض الأحداث، أو ترد على بعض الأفكار وتقدم وجهة نظرها.. فهو تعبير موضوعي عن رأي الصحيفة (أو المجلة)، وقد يقوم بتحريره رئيس مجلس الإدارة (الناشر)، أو رئيس التحرير، أو كاتب كبير.
وهي المقالات الموقعة بأسماء أصحابها- وقد تقوم بمهمة المقال الافتتاحي عند عدمها-، ويكتبها كبار الكتاب وكبار المحررين، وهي ثابتة الاسم والمكان والزمان في المطبوعة، ويطلق عليها هذا الاسم لأنها تقود أفكار القراء وتؤثر فيهم[2]، وقد تقوم بمهمة بالون الاختبار لإثارة موضوعٍ ما وقياس استجابة القراء له وتفاعلهم معه.
وهو الذي يقدِّم إجابات شافية، ويبرِز التفاصيل والنتائج والاحتمالات حول موضوعٍ ما أو حدثٍ ما؛ لعدم وضوحه في الخبر، أو لارتباطه ببعض الجوانب الغامضة التي تحتاج لبيان وتوضيح، ويقوم بهذا النوع من المقالات أحد الخبراء أو المتخصصين، ولا يشترط أن يكون دوريًّا ثابتًا، كما أنه يكتب باسم كاتبه؛ لأنه يزيده قوة.
وهو مقال ثابت في مكانه، وتحت عنوان ثابت، قد يقوم بكتابته شخص واحد أو عدة أشخاص، لكنه يحمل توقيع كاتبه.
ويغطي العمود الصحفي مدًى متسعًا من القضايا، من حيث المضمون وإن كان يظهر فيه الطابع الشخصي، وقد يكون في الشؤون العامة، فينطلق من واقعة أو حدث، أو يكون مقالًا نقديًّا، يتضمن تقييم الأعمال، أو متخصصًا في شأن كالاقتصاد أو الأدب، أو يكون مقالًا يعبِّر عن متابعة حدث ما ورأي الكاتب فيه (حدث أو فاعليات أدبية أو دعوية مثلًا)، وقد يكون في الموضوعات الإنسانية، فيركز على الجانب الإنساني ويدعو للمثاليات، وقد يستعين فيه الكاتب بآراء متخصصين، وقد يكون عمودًا حواريًّا يعتمد على فكرة النقاش بين شخصين أو جيلين. ويعرض الكاتب في الحوار وجهات نظره.
هو من أبرز فنون المقال وأكثرها تأثيرًا، ويعتمد على اختيار حدث أو قضية أو فكرة أو ظاهرة لها أهميتها وسخونتها، ثم معالجتها صحفيًّا بالتحليل والتفسير والتعليق والتوقع، وأحيانًا بتقديم رؤية أو حل أو توصيات.. وهذا النوع من المقال يشبه التحقيقات الصحفية.
ويعتمد هذا النوع من المقال على توافر كمٍّ من المعلومات والبيانات الدقيقة الموَثَّقة، وقد يستفيد من الصور والرسوم، ثم يقوم الكاتب بمعالجة المعلومات وتقويمها وتفسيرها والتعليق عليها، ثم طرح رؤية مستقبلية أو التوصية بالبدائل. والمقال هنا يبدأ بعنوان ثم مقدمة ثم جسم ثم خاتمة، وكثير من مقالات الرأي والسياسة الشرعية وواقع الدعوة وغيرها.. تعتمد هذا اللون من الكتابة.
وهو أيضًا يُنشَر في مكان ثابت وموعد وعنوان ثابتين، ويكتبه كتاب صحفيون أو أدباء بارعون يتميزون بجودة الأسلوب وثراء التجارب الإنسانية، وهذا النوع قد يُطلَق عليه: عمود، وهو يرتبط غالبًا باسم من يكتبه وشهرته، ويختلف عن المقالات الأخرى بكونه يمثل وجهة نظر كاتبه من جهة، ويعتمد على تجاربه وسرده ورأيه وخواطره من جهة أخرى، فكأن تلك المساحة هي ملك له يكتب فيها ما يَرُوق له، وقد يكون بطريقة ساخرة أو جادة، وبوجه عام: فإن من وظائف هذا النوع من المقالات: تفسير الأحداث- نقل الحقائق والأخبار الجديدة والمهمة- تقديم التجارب الناجحة- توجيه القراء- التثقيف ونشر المعارف الإنسانية- التسلية والإمتاع.
الفرق بين المقال والقصة الأدبية:
باختصار: يُعبَّر عن الأفكار في القصة بصورة غير مباشرة، وتعتمد على ترك المعاني للتداعي السردي، ومن ثم: يفهم القارئ مراد الكاتب من خلال التعبيرات والأساليب (مثل أن يقول: حبات العرق تتساقط من جبيني، ويدفعني من حولي وكأني بين شقي رحى، حتى التقطت رغيفين بشق الأنفس).. للدلالة على المعاناة في الحصول على الخبز.
أما المقال عن الموضوع نفسه: فإنه يتطرق للفكرة بشكل مباشر، ويعبر عن أفكاره بوضوح، مثل: معاناة يومية يُعرَّض لها المواطنون للحصول على الخبز، بين الازدحام والحر والتدافع، يدفع المواطن ثمنًا يوميًّا للحصول على خبز لأسرته..إلخ.
ويلاحظ أن بعض الكتاب يستخدم الأسلوب القصصي مدخلًا لمقالته، شريطة ألا تستغرقها كلها، وإلا صارت قصة لا مقالة.