تمهيد:
للإعلام المسموع والمرئي أهمية خاصة، فهو إعلام يحوز شعبية جارفة لا تخفى، ونِسَب المتابعة له تبلغ أضعاف نسب قراءة الصحف والمجلات ولو من خلال الإنترنت؛ لذا: فلا مناص للدعاة الذين يرغبون في مسايرة واقعهم وإيصال دعوتهم للناس والتأثير فيهم ونصحهم.. عن متابعة ما يقدَّم للجمهور في هذا النمط من الإعلام ولا في خوض تلك التجربة وإنتاج ما يوافق الدعوة من المنتجات المسموعة والمرئية.
وهنا أذكِّر بقاعدة مهمة، هي: أن الوسائل المسموعة والمرئية وسائل حميمة يحب الجمهور متابعتها، وهو يتابعها وهو مسترخٍ، فمن يُرِد التأثير فيهم من خلال هذه الوسائل يجب أن يراعي تلك الطبيعة.
يجب أن ننتج برامج خفيفة، إبداعية، قصيرة الوقت، تتميز بالجاذبية.. مما يعني وضع تلك النوعية في المقدمة ما استطعنا ذلك، ولن نستغني بطبيعة الحال عن برامج أخرى جادة، وتلك طبيعة أخرى يتفهمها الجمهور، فهو يحترم ما يقدَّم ويطلبه في الأفكار الجادة والدعوية والسياسية، لكن بكل الأحوال يجب أن نكون جذَّابين، وأن نبتعد عما يسبب الملل الصارف عن المتابعة.
أقسام العمل الإذاعي والتليفزيوني:
العمل الإذاعي (مسموعًا أو مرئيًّا) ينقسم إلى قسمين أساسيين:
القسم الأول: العمل في مضمون ما يقدَّم (تخطيطًا، وتنفيذًا، ورقابة)، وهو يشمل: أعمال الإعداد والتقديم والكتابة والصياغة كافة، ووضع الخطط الفكرية والخرائط البرامجية، والقيام بدور حارس البوابة الذي يُبرِز أو يُصِيغ أو يمنع ما يُبَث عبر الأثير وعلى الشاشة.
والقسم الثاني: الأعمال الفنية الأخرى كافة، مثل: الإخراج- المونتاج- الديكور- الإضاءة- الجرافيك- الصوت... وكل ما يتعلق بإبراز شكل المضمون.
وهذا القسم لا غنى عنه لإبراز جودة العمل وجذب الجمهور للمتابعة.
وبخلاف هذين القسمين الرئيسين توجد بالمؤسسة الإذاعية أقسام أخرى مساعدة تقوم بأعمال إدارية ومالية.
الإعلام المسموع والمرئي وثورة التقنيات:
لقد فرضت التحولات التقنية المتسارعة منذ نهاية القرن الماضي تحديات جديدة على العمل في وسائل الاتصال الجماهيري, وخاصة في مجال الصوت والصورة، وقلبت المفاهيم فيما يتعلق بالمضمون والمحتوى المعرفي للرسالة الإعلامية، ووضعت أمام العاملين في مجال الفضاء السمعي البصري مهمات جديدة لم تكن معروفة من قبل، ومن بعض ذلك: ظهور مهن إعلامية جديدة واختفاء أخرى، واندماج بعض المهن مع غيرها، وانعكاس ذلك على البنى التنظيمية في وسائل الإعلام الإذاعية والتليفزيونية وعلى الترتيب المهني لهذه الوسائل وتوزيع المسؤوليات فيها.
فالآن توجد أجهزة تتيح للمذيع- بالراديو- داخل الأستوديو أن يمارس دور الفني في غرفة التحكم؛ فلديه جهاز يتلقى من خلاله الاتصالات بدلًا من انتظار تحويلها عليه، ويمكنه أيضًا أن يدخل إلى الأرشيف ليرتِّب بعض المؤثرات المصاحبة أو المقاطع والأناشيد لتكون لديه عند البث أو التسجيل، فيتحكم هو في بثها في الوقت الذي يراه مناسبًا.
يطلقون على ذلك الآن (المذيع المخرج)، أي: إنه يوفر وجود مخرج في الأعمال العادية، والاستفادة منه في أعمال أكثر تخصصًا، وإسناد المهام اليسيرة للمذيع وليس للفني الذي يوَجَّه لأعمال أكثر تخصصًا، كالمونتاج، وهذا يفيد أيضًا في إجادة العمل؛ لأن المذيع يكون أكثر اطلاعًا على الوضع الفكري للعمل في أثناء البث، فقد يؤجل المقطع المصاحب أو يستبدله وفقًا للتطورات على الهواء، وهكذا صار ذلك أحد المتغيرات المتنامية في هذا الموضوع.
فهنا يكون المذيع شاملًا، بمعنى أنه مسؤول عن كل شيء في برنامجه، ويمتد الأمر من التقديم والإعداد إلى التعامل بحِرَفيَّة مع فنون العمل الإذاعي، كهندسة الصوت وغيرها.
وفي الوقت نفسه: فالمفروض فيمن يتصدى لعمل إعلامي أن يكون لديه ثقافة متنوعة، اكتسبها من دراسته في الأقل، ومن الحرص على القراءات والمتابعة لما يحدث حوله، وعليه بعدها صقل كل ذلك وتنمية ثقافته بشكل يومي؛ ليعرف في الأقل ما يتحدث فيه بوعي وإدراك.
لقد ذهب- وإلى الأبد- ذلك التقسيم الأفقي الذي كان سائدًا في العمل الإعلامي التليفزيوني، ونعني بذلك: انقسام العاملين بها إلى: إعلاميين، وتقنيين، لا يتدخل أحدهما في عمل الآخر.
فالمجموعة الأولى كانت تهتم بالمضمون المادة التليفزيونية أو الإذاعية وإعدادها من حيث محتواها فقط، أما الجانب التقني فكان يقوم عليه مجموعة من المهندسين والفنيين لا علاقة لهم أبدًا بمضمون المادة الإعلامية.. مع ما يفرضه هذا الفرز بين المجموعتين من متطلبات في الجانب المعرفي والثقافي لكل منهما.
لقد قلب الانتقال الرقمي وتحوُّل الصوت والصورة إلى وحدات قياس رياضية.. جميع المفاهيم المعروفة في العمل الإعلامي بأشكاله كافة، ومكَّن العاملين في مجال الفضاء السمعي البصري من اختصار مراحل كثيرة في عملهم (إعداد المادة الإعلامية) ومنحهم قدرة على إنجاز عملهم بأسرع وأدق سبيل، من حيث السرعة في إيصال الرسالة الإعلامية والتحكم بمضمونها، وتطوير هذا المضمون بما يتلاءم مع تطور الأحداث وتداعياتها.. وهذه التطورات المتسارعة في مجال المعلوماتية وفي المجال التقني فرض على العاملين في الإعلام استخدام أدوات إعلامية جديدة، مع ضرورة امتلاكهم مهارات تقنية لم يكونوا مطالَبين بامتلاكها في الماضي القريب، ومع انعكاس آخر شمل جميع حلقات إنتاج المادة الإعلامية ومراحله، سواءً أكانت إذاعية أم تليفزيونية، من حيث اختصار بعض الحلقات والمراحل، أو اندماج بعض المهن بأخرى، أو اختفاء بعضها الآخر عن ساحة العمل الإعلامي نهائيًّا.
لم يقتصر التطور التقني لأدوات العمل الإعلامي على (رقمنة) التجهيزات السمعية البصرية، وتحويل الصوت والصورة إلى مجرد أرقام فقط، بل إن الأصعب بالنسبة للعاملين في الإعلام هو ذلك التحول الكبير في آليات العمل الإعلامي وطرائق الكتابة والإعداد وتحضير المواد الإعلامية المختلفة، واعتماد ذلك كله على التقنيات الحديثة من: الكمبيوتر الموصول بشبكة الإنترنت والمزود بأحدث برامج معالجة النصوص، وكذلك الكاميرات الرقمية، وأجهزة المونتاج الرقمي، وأجهزة الإرسال التليفزيوني الرقمية المحمولة.
لدينا اليوم إعلاميٌّ واحد يقوم بإعداد الخبر أو التغطية، باحثًا في الإنترنت عن معلومات مفصَّلة عما يريد تغطيته، ثم يقوم هو نفسه حاملًا كاميرته الرقمية خفيفة الوزن بتصوير الحدث وما يدور حوله، ثم ينقل ما صوَّره إلى حاسوبه النقال المجهز ببرنامج حاسوبي خاص لإجراء المونتاج على ما صوَّره، فيقوم بإضافة صوته على المادة بعد إجراء المونتاج عليها، مجهِّزًا مادة تليفزيونية يضعها على شبكة الإنترنت، ويُرسِلها من حاسوبه إلى الشخص المعني في غرفة الأخبار، الذي يقوم باستلامها وبثها للمشاهدين.. كل هذا قام به شخص واحد كان يقوم بعمله في الماضي أكثر من عشرة أشخاص.
والسؤال الآن: كم يحتاج هذا الإعلامي وغيرُه من العاملين في الفضاء السمعي البصري من جهود لتدريبهم ورفع مستواهم المهني؟؛ ليكونوا قادرين على إتقان عملهم والاستفادة من الميزات المهنية العالية للتجهيزات والمعدات التي تستخدم اليوم، خاصة أن أجيال المعدات من كاميرات وأجهزة مونتاج رقمي وإرسال محمول تصبح من طرز قديمة وتحتاج إلى التبديل كل عام ونصف على أبعد تقدير، حيث تطرح الشركات المنتجة لهذه المعدات أجيالًا جديدة تملك برامج أفضل وإمكانات أعلى ووظائف تدمج وتضاف بعد تصغير حجمها وزيادة فاعليتها[1]..
مجالات الإعلام المسموع والمرئي:
ودعنا بعد هذه المقدمة أن نذْكُر مجموعة مجالات العمل التي تتميز بها الوسائل الإذاعية (مسموعة، أو مرئية) فيما تقدمه من فكر وما تسعى للتأثير به في الناس، ومن ذلك:
· العمل على التأثير في الرأي العام في القضايا المهمة (سياسيًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا، ودينيًّا)؛ نظرًا لاتساع رقعة المشاهدة والاستماع.
· نقل الأخبار فور وقوعها وتحليل ما وراء الأخبار بشكل أسرع وإتقان أكثر من العمل الصحفي.
· تساهم في استطلاع آراء الجمهور والتعرف على مشكلاتهم.
· نظرًا لسهولة المتابعة أيضًا فإنه يُستخدم لقضايا تعليمية وتثقيفية، مثل: التعليم عن بعد، أو إثراء الآراء، والتثقيف، والاطلاع على التراجم وعلى ثقافات الشعوب.
· تساهم في تعريف الناس بقادة الفكر والرأي والعلماء والدعاة، والتعرف على آرائهم وإنتاجهم الفكري والعلمي، وتعرفهم على آراء الجمهور.
· تُستخدَم الوسائل المسموعة والمرئية بكثرة في الترفية، حتى أنها كثيرًا ما تجعل الترفيه مشكلة صارفة عن الجِد في الحياة والعمل وطلب العلم.
· تُعَد مجالًا كبيرًا للتواصل الاجتماعي ونقل الخبرات.
· تعد أداة سياسية للاتصال الصاعد من القمة للقاعدة، والهابط من القمة للقاعدة، وبيان آراء الحكومة، ومناقشة القضايا السياسية.
· تعمل على رعاية الإبداع والفن والأدب، والتواصل بين المبدعين.
· تُستخدَم في الدعاية والإعلان، وهو نوع من التواصل المجتمعي.
كيفية استغلال الإذاعة والتليفزيون في الدعوة:
يجب على من يشتغل بالدعوة الإسلامية أن يدرك قيمة ما منحه الله تعالى له من أدوات، التي تستدعي أن يشكر ربه عز وجل على نعمه التي منحها له؛ كم كان الدعاة من قديم يتجشمون المشاق ويضربون أكباد الإبل ويهاجرون من أجل نشر دعوتهم ونقلها للناس؟! وها هم الآن يمكنهم أن يدخلوا إلى البيوت في أي مكان كانوا: في بيت مدر، أو وبر.
فهلم أيها الدعاة إلى جهاد لا تعب فيه.. إلى غنيمة باردة يُتابِع الناس فيه بشغف كل ما تعرضونه عليهم، فأحسنوا وأتقنوا، واعملوا واجتهدوا، ولا يُؤتيَّن الإسلام من قِبَلِكم، ولا يبتلى من تقصيركم.. تعلموا كيف تؤثِّرون، وكيف تبنون، وكيف تنهضون، وكيف تقدمون الأهم على المهم. تذاكروا أنواع الجمهور وطرائق الخطاب وكيفية الحديث.
بل تعلموا مهارات التقديم والإعداد والتنفيذ؛ لكي يخرج عملكم للنور متقنًا مؤثِّرًا؛ فالإذاعة والتليفزيون في الوقت الحاضر تمثل أكثر الوسائل انتشارًا وأقدرها على الوصول إلى الناس في مختلف الأوقات والأماكن، ولها من الجاذبية ما يشد الجماهير إليها، ومن ثم: التأثير فيهم، فإن إهدار هذه الوسائل وعدم الاستفادة منها يتنافى مع الحكمة، بل قد يصل إلى التعاون على الإثم والعدوان؛ لأن البعد عنها وعدم الاستفادة منها واجب؛ لأنه قمع للباطل وتضييق عليه، ونصر للحق ونشر له. لكن هذا التعامل يحتاج إلى فهم لطبيعة تلك الوسائل وأسباب قوة تأثيرها وكيفية الاستفادة منها.
وحيث إن التأثير الكبير الذي يصل إلى الناس من البرامج الإذاعية والتلفازية يأتي من خلال المضمون والمحتوى بالدرجة الأولى، ثم الشكل والقالب الفني الذي تُصاغ فيه تلك المضامين؛ حيث إنه وسيلة مكمِّلة تجعل المضمون أقدر على جذب الجمهور، ومن ثم: التأثير فيه.. لذا: فإن العناية ينبغي أن تشمل المضمون والشكل، مع الاهتمام بالمضمون أولًا لأهميته ولأنه الغاية، ولأن العناية به أسهل من قضايا فنون الإنتاج المعقدة، على ألا نقف عند المضمون، بل لا بد من الوصول إلى إتقان المشكلات الفنية مهما كانت معقدة أو صعبة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والمضمون الجيد الذي يُقَدَّم في قالب رديء يضعف تأثيره، وقد ينعدم بسبب ضعف الجانب الفني[2].