هناك أربعة عناصر تتدخل في عملية إنشاء إذاعة[1]:
أولًا: العنصر المالي.
ثانيًا: العنصر القانوني.
ثالثًا: العنصر الإشرافي والتخطيطي.
رابعًا: العنصر التنفيذي (الفني- الفكري).
فلا بد من تحديد الموقف المناسب(ماديًّا، وفكريًّا) من تلك العناصر للجهة أو الهيئة التي ترغب في إنشاء إذاعة.
ويلاحظ أن الإذاعة عبر الإنترنت تتشابه إلى حد كبير مع فكرة الموقع الإلكتروني، من حيث إنشاءات الموقع التي سنتحدث عنها في فصل الإعلام الإلكتروني، لكن بسعة كبيرة تناسب الملفات المسموعة، كما أن البث المباشر يحتاج لإمكانات أعلى. وبكل الأحوال فإن إذاعة الإنترنت تتميز بأنها توفِّر في نواحٍ عديدة: ماليًّا، وإداريًّا، وتمتاز بقدرة التقاط عالمية لا توفرها الإذاعات الإقليمية، لكنها تتطلب توفّر معظم العناصر الأربعة المذكورة إجمالًا لإنشاء الإذاعة، والتي نفصلها الآن.
ولكن قبل أن أذكر هذا التفصيل: دعني أذكر لك أولًا أن بعض الممارسين يحلم بإنشاء أعمال إعلامية، ثم يفاجأ على أرض الواقع باختلاف ما يحلم به عما يقدِر على تنفيذه:
جاءني أحد الأفاضل يقول لي: إنه بصدد الانتهاء من التخطيط لإذاعة إسلامية عبر الإنترنت.
فقلت له: ممتاز جدًّا.
فقال لي: كم تتوقع التكلفة؟.
قلت له: تعالَ نفكر في الموضوع بشكل منطقي: أنت تحتاج لمقر، وبه مكان معزول في الأقل؛ ليكون أستوديو، وبه نحو 3 حجرات أخرى لبقية الأعمال، فلا بد من دفع إيجار مكان بهذا الاتساع وتجهيزه.
قال: نعم.
قلت له: وتحتاج إلى فريق عمل- أقل ما فيه- يتكون من: عامل- فنيَّي صوت- مذيعَين- محاسب، ولو نصف دوام- مدير للمشروع.. فلا بد من دفع أجور هؤلاء.
قال: نعم.
قلت له: وتجهيز مكتبة صوتية من القراء المشاهير، يتطلب شراء حق البث العلني منهم أو من ورثتهم.
قال: وهل هناك حق للبث؟.
قلت له: وهل تحسب أنك تشتري من محل تسجيلات تلك المسجلات ثم يُسمَح لك ببثها؟!.إن كان بعض الدعاة لا يمانع من هذا، لكن توقع أنه سوف يقاضيك بعضهم؛ فلا بد من وضع ميزانية لهذا، أو تلجأ لمن يهديك، أو تسجل لبعض الأصوات الجديدة.. لكن كلما انتقصت من جودة عملك أنقَصَ ذلك من تفاعل الجمهور معك.
قال: وماذا بعد؟.
قلت له: هذان المذيعان لن يُقَدِّما لك كل البرامج، فلا بد من بعض المذيعين الآخرين بالقطعة، وبعض المشاهير منهم قد يتقاضى منك رواتب أعلى.
قال: وماذا بعد؟.
قلت: العلماء والدعاة الذين تستضيفهم أو تطلب منهم تقديم برامج، هؤلاء غالبهم ليس لديهم دخول يكتفون بها في حياتهم، وهذه مهنتهم لا يعرفون غيرها، فلا بد من دفع مكافآت لهم إن لم تستطع منحهم رواتب، هذا فضلًا عن تدبير طريقة لنقلهم من مكان التسجيل وإليه.. هذا باختصار أقل ما يمكن أن تتكلفه في مشروع كهذا، وبهذا الحساب تقترب التكلفة الشهرية من مبلغ عشرة آلاف دولار.
تركني الرجل محبَطًا، ولم أقصد إلا أن أرشده وأبصره. وما زلت أستغرب كيف يبخل أهل الثراء والنعمة من المسلمين على أنفسهم بتكاليف إذاعة تظل في ميزان حسناتهم عندما يسمعها ربما ملايين من الناس وينتفعون بها، ثم لا يمانع أحدهم من بناء مسجد يتكلف ملايين وقد لا يؤمه إلا عشرات من أهل الحي.
الآن وبعد ما ذكرت أرجو قارئِي الكريم ألا يصيبك إحباط أنت الآخر، لكن فكِّر ودبِّر واستعن بالله تعالى واعرض الأمر على إخوانك، وحاول تدبير المبالغ المطلوبة، ولعلك توفق في وكالة إعلانية تجلب لك ما يعوضك عن تكلفتك، شريطة أن تقدم عملًا جذابًا يغري المعلنين بالإعلان لديك.
واعلم أن هذا العمل الإعلامي- إن صدقت فيه النية- فأجرك على الله تعالى، وهو المعين.
تحتاج الإذاعة لتكاليف مختلفة، بعض تلك التكاليف يتعلق بالأجهزة والمعدات، وبعضها يتعلق بالإعدادات للمكان وتهيئته.
والجزء الأكبر من التكلفة يُستهلك في عملية الإنتاج داخل الإذاعة وتشغيلها (التسجيل والبث ولوازمهما)، إضافة إلى: استئجار الأستوديوهات، ودفع رواتب الموظفين، وإنشاء مكتبة صوتية. والمصروفات الجارية (الجزء الشهري من تكلفة الإنتاج) تكون دائمًا أعلى من المصروفات المتعلقة بالإنشاءات والتجهيزات.
وعادة تتكلف التجهيزات الأساسية للأجهزة والأستوديو وإنتاج بعض المواد الصوتية أو شرائها لإذاعة متوسطة بحدود مئة ألف دولار تقريبًا.
وكل تلك التكاليف تختلف من دولة لأخرى، فينبغي حساب التكاليف حَسب أسعار المكونات في الدولة التي ستقام فيها الإذاعة.
تفصيل لبعض تلك الاحتياجات:
لإنشاء إذاعة فإننا نحتاج إلى:
· أستوديوهات معزولة، وأقل عدد لإذاعة متوسطة هو أستوديوهان للتسجيل، يكون أحدهما أكبر حجمًا، يمكن أن يستضيف ستة أشخاص لإجراء حوارات المائدة المستديرة بداخله (يكتفى بواحد عند عدم القدرة، وترتب التسجيلات بجدول مناسب)، ويلحق بالأستوديو غرفة التحكم التي تحوي أجهزة التسجيل والبث المباشر.
· مقر لعمليات البث التسجيلي مُجهَز فنيًّا.
· غرف للمونتاج والتجهيزات الفنية، كالجرافيك (غرفتان في الأقل).
· حجرة اجتماعات في مقر الإذاعة.
· غرفة- في الأقل- لاستقبال الزيارات المتعلقة بالعمل وضيوف الإذاعة.
· تجهيز الغرف بأجهزة تكييف وكراسي.
· صالة للتحرير والمتابعة السياسية وتلقي الأخبار وصياغتها.
· غرف لمتابعة ما تقدمه الإذاعات الأخرى (تسمى أحيانًا: الاستماع السياسي).
· غرفة كبيرة مجهزة للأرشيف والمكتبة الصوتية.
· تجهيزات الأقسام الأخرى المختصة بالأعمال غير الإنتاجية الفنية: قسم التسويق- الشؤون المالية- الشؤون الإدارية (وقد تضم: العلاقات العامة- السكرتارية)- الإعلانات.
· تجهيزات المواد المستهلَكة، وهي تحتسب سنويًّا: أوراق- أحبار- أقلام- أدوات نظافة- تكلفة الاستضافات- الهدايا والدعاية...
· توفير تكلفة البث لمدة تكفي ثلاثة أشهر في الأقل؛ حتى تُستَرَد المبالغ المالية المستحقة من شركات الدعاية أو الرعاية، أو تلقي الدعم، إن لم يكن تمويل الإذاعة من مؤسسات خيرية أو وقفية.
يفضل أن يُوجَد قسم للشؤون القانونية، أو- في الأقل- يُتفَق مع مكتب محاماة متخصص للقيام بالأعمال الآتية:
· الحصول على تصريح للإذاعة، إما من دولة المقر أو من دولة أخرى مجاورة يمكن التقاطها منها، والأول أفضل، ولا يُلجأ إلى دولة أخرى إلا في حال العجز عن الحصول عليه في الدولة نفسها؛ لأنه يكون عُرضة للتشويش. وتتحكم في كل تلك التصاريح الظروف السياسية للبلد؛ ففي البلاد التي تفسح للحريات يسهل الحصول على تلك التصاريح ولو لأفراد، وبعض الدول تمنحها لشركات (أي أكثر من شريك)؛ وبعض الدول تمنحها لهيئات. ويلاحَظ أن الإذاعات العالمية لا تلتقط محليًّا إلا من خلال اتفاقات دولية (مونت كارلو- بي بي سي، مثلًا)، لكن من الممكن أن يُستعَاض عن ذلك بالبث عبر الإنترنت.
· تجهيز العقود الدائمة والمؤقتة للمحررين والموظفين والمتعاقدين.
ثالثًا: العنصر الإشرافي والتخطيطي:
وهو يتكون من أصحاب الفكرة الرئيسة من تشغيل الإذاعة، وينضم إليهم الممولون الرئيسون لها وبعض الخبراء في المجالات الرئيسة: الفكر والتنفيذ البرامجي- الإدارة- التسويق- المالية- الفنية.
وهؤلاء يُطلَب منهم: تحديد الأهداف العليا، ووضع الخطط والسياسات الكبرى، كل في تخصصه، ثم متابعة تنفيذها مع العناصر التنفيذية.
ويَعُد كثير من الخبراء التخطيط أول وظيفة ينبغي أن ينشغل المديرون بها؛ فهي مثل الأرضية الخاصة التي تنمو عليها الوظائف الأخرى، فبناءً عليها تُحدَّد الأهداف والبدائل اللازمة لإنجازها، وتُرسَم خريطة العمل للموظفين والأقسام بالمؤسسة على مدى الأيام والشهور والسنوات[2].
ويُرجَى مراجعة ما يتعلق بالتخطيط في كيفية إنشاء صحيفة من هذا البحث؛ ففيه تفصيل يتفق مع هذا المقام.
رابعًا: العنصر التنفيذي (الفني- الفكري):
وهم الذين يُسنَد إليهم تنفيذ ما انتهى تخطيطه، وهم يقومون بذلك وفقًا للإجراءات الآتية:
· دراسة الجمهور، ومعرفة احتياجاته؛ لأن جمهور الإذاعة محلي في الأغلب، ولو كان عالميًّا فيجب أن تراعي الدراسة ذلك.
· دراسة الإذاعات المنافسة ومعرفة ما تقدمه بالفعل وما ستقدمه الإذاعة الوليدة.
· تحديد الأهداف الفكرية والمالية من الإذاعة.
· رسم السياسة الفكرية للإذاعة.
· وضع الهُويات الإذاعية والتنويهات (البروموهات) والمؤثرات المعتمدة للإذاعة.
· اختيار الكوادر البشرية: الفكرية والتنفيذية، الثابتة والمؤقتة، كل حسب تخصصه.
· وضع خريطة برامجية ناجحة ومتنوعة وتخاطب الجمهور المفترَض مخاطبته (عام- شباب- نساء..إلخ).
· الاتفاق مع وكالات الأنباء ووكالات التسويق والإعلان إن كان لها حاجة.
· الإعداد لحملة إعلانية كبيرة قبيل البدء (ولو من خلال الإعلانات الإلكترونية- الإعلانات عبر وسائل الإعلام الشهيرة- إعلانات الطرق).
· تسجيل ما لا يقل عن حلقة من كل برنامج في الخريطة وعرضها على المختصين لأخذ آرائهم.
· تحديد الموعد النهائي للبث والإعلان عنه.
· متابعة جودة أداء الموظفين العاديين، مع المراقبة الإدارية المعتادة (حضور وانصراف..إلخ).
· متابعة التنفيذ وقياسه على مستويات قياسية للمبدعين كل في مجاله.
· اتخاذ قرارات مرنة فيما يتعلق بالإنتاج البرامجي.
· مراجعة المواد المبثوثة فكريًّا ولغويًّا وإبداعيًّا.
· النظر في الأرشيف واحتياجاته.
· مراقبة عمل المراسلين خارج المحطة.
· المتابعة لجودة البث.
· إنجاز اتفاقات لتوسيع دائرة البث وتجويده.
· متابعة التسويق والإعلانات، والسعي لضم مزيد من المعلنين مع متابعة التنفيذ الإخراجي للإعلانات.
· تقويم البث التجريبي، ومقارنته مع ما خُطِّط له، ومعرفة مراكز القوة ونقاط الضعف.
· النظر في الأعمال المنافسة.
· تجميع ما يتعلق بالإذاعة نقدًا أو مدحًا والاستفادة منه.
· قياس الرأي العام فيما تقدمه الإذاعة والتعرف عليه، إما من خلال: طرائق القياس المعتادة (الاستبانات، واستطلاعات الرأي)، أو تفاعل الجمهور مع ما تقدمه الإذاعة، أو بالطرائق الإلكترونية: استطلاعات وتفاعل مع الموقع الإلكتروني.
يختلف عدد الموظفين في الإذاعة حسب حجمها واتساع نطاق بثها، وقد تملك المحطة عدة إذاعات، وتُجهز جميعًا من مكان واحد.
وبوجه عام فإن في المؤسسات الصغيرة يمكن أن تُدمَج وظائف ليقوم بها موظف واحد، وبالطبع تختلف المهام وعدد الموظفين في حال الإذاعة التي تبث عددًا قليلًا من الساعات عن مثيلتها التي تبث 24 ساعة يوميًّا.
وسوف نذكر أسماء الوظائف، ونتبعها بتصور لأعداد قسم الإنتاج:
ويطلب منه وحده الإشراف على المهام الآتية: استكشاف السوق - العلاقات العامة- السكرتارية- المراقبة الاقتصادية- التمثيل الرسمي. ويكون تحته:
المدير العام، وأحيانًا يكون المدير العام هو رئيس مجلس الإدارة نفسه. وفي كل الأحوال يكون المدير العام مسؤولًا عن العمليات التنفيذية والإدارية. ويتبعه إدارتان رئيستان: الإنتاج- الشؤون الإدارية والمالية.
ويتبعه:
· قسم شؤون الإدارة (الحسابات- الملفات الإدارية وشؤون الموظفين- الصرَّاف- قسم قانوني- قسم الموظفين- المشتريات- الحركة..).
· قسم (التسويق والدعاية): تسويق البرامج- تسويق الإعلانات- التعامل مع المندوبين والوسطاء.
· القيام بحملات إعلانات للإذاعة عند الحاجة.
· الإشراف على أعمال ما يتعلق بقسم الحسابات.
وتتكون من:
· مدير إدارة الإنتاج، ويتبعه: أقسام (كل قسم به من ثلاثة إلى خمسة موظفين):
· قسم البرامج: وهو مسؤول عن تخطيط البرامج وتنفيذها، والإشراف على الخط الفكري والإبداعي للإذاعة، وقد تتبعه مسؤولية مراقبة الأفكار عبر الأثير وتلقي تقارير عما يقدَّم، والالتقاء مع المذيعين والمُعِدِّين وتقويم أعمالهم.
· قسم الإخراج، وما به من مخرجين دائمين أو بالقطعة.
· قسم المذيعين، وما يتعلق به من مذيعين ومقدمي برامج.
· القسم الفني: المونتاج- فنيو الصوت.
· قسم الإعداد، وما به من مُعِدِّين. وهذا القسم في حال التوسع قد يضم أيضًا:
1- التحرير الخارجي: محررين خارجيين- مراسلين- مساعدين- وكالات الأنباء.
2- التحرير الداخلي: محررين- مساعدين- مندوبين- مصححين.
· الأرشيف، ويحوي: مواد إخبارية- قسم الوثائق- تسجيلًا للمواد المبثوثة سابقًا- مواد خام- مواد مشتراه- برامج مسجلة.
· القسم الإلكتروني: من جهة الإشراف على المادة الفكرية للموقع- إن وُجِد-، والإشراف على صيانة الأجهزة، وعلى نظام الاتصالات الداخلية.
· الأقسام المساعدة: السكرتارية- قسم المكافآت- قسم متابعة السياسة- قسم المتابعة الفكرية-، ويوظف في كل قسم نحو ثلاثة موظفين.