حجم الخط:

محتوى الدرس (4)

مدخل:

النظام الاقتصادي هو مجموعة من العلاقات المؤسساتية التي تحكم مسيرة العمل الاقتصادي وتعالج مشاكله في مجتمع ما وفق منظومة اجتماعية وثقافية وقانونية معينة، وقد اشتهرت في علم الاقتصاد ثلاثة أنظمة اقتصادية تحاول معالجة المشاكل الاقتصادية التي تحل بالمجتمعات والدول؛ وهي: الأول: النظام الرأسمالي؛ ويسميه بعضهم بنظام السوق الحر، والثاني: النظام الاشتراكي، وأخيرًا هناك بعض الجهود التي تصب في صياغة نظام يمكن أن يكون قريبًا من نظام الاقتصاد الإسلامي.

النظام الرأسمالي:

نشأة الرأسمالية:

[ظهور الرأسمالية]

تحدد مفهوم الرأسمالية في نهاية القرن الثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر؛ حيث تشكلت مدرسة اقتصادية تدين بالحرية الاقتصادية المطلقة، ويتميز هذا النظام بالأخذ بمبدأ الملكية الخاصة بشكل غير محدود، ويعتمد على المصلحة الشخصية، وعدم تدخل الدولة في الإنتاج والتوزيع إلا في حدود ضيقة، وتتفاوت الصيغ المطبقة من هذا النظام في العالم؛ فهناك رأسمالية الدولة وهي المطبقة في الصين، وهناك رأسمالية مجتمعية وهي المطبقة في بريطانيا، كذلك فقد أدخلت على النظام الرأسمالي بعض التعديلات، للتقليل من مساوئه؛ كأنظمة التأمينات الاجتماعية، وتوسع الحكومات في تقديم بعض الخدمات العامة، والتي لا تعتبر من صميم هذا النظام.

[مراحل الرأسمالية]

وقد مرت الرأسمالية بعدة مراحل تاريخية نذكر منها:

1- المدرسة التجارية: والتي امتدت من القرن السادس عشر إلى منتصف القرن الثامن عشر، وكان من أبرز سماتها أن قوة الدولة تتحدد من خلال ما تملكه من المعادن النفيسة والتي تحصل عليها من خلال فائض الميزان التجاري.

2- المدرسة الطبيعية: التي ظهرت في القرن الثامن عشر، وقد اتصفت بالحرية الاقتصادية وعدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، ومهدت للفكر الكلاسيكي.

3- المدرسة الكلاسيكية: التي ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر، وامتدت إلى القرن التاسع عشر، واستمر تأثيرها حتى يومنا هذا، وكان من أبرز ما اتسمت به: أن قوة الدولة تتحدد من خلال ما تمتلكه من أيدي عاملة وإنتاج، وليس من المعادن النفيسة.

المبادئ التي يقوم عليها النظام الاقتصادي الرأسمالي:

أولًا: تملك الأفراد والمؤسسات الخاصة وسائل الإنتاج ملكية مطلقة بلا قيد أو شرط، وهو المبدأ الأساس في النظام الاقتصادي الرأسمالي؛ فالوحدات الاقتصادية (الفرد والمؤسسة والشركة) عندما يسعون في تحقيق مصالحهم الشخصية حسب فلسفة النظام يحققون نفعًا للمجتمع يتمثل في تأمين السلع، وتوفير الخدمات التي يحتاجها الناس؛ فضلا عن إسهامهم في توفير فرص العمل من خلال توسع الأفراد في بناء مشروعاتهم الخاصة.

ثانيًا: الحرية الاقتصادية المطلقة وعدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي؛ أي أن كل وحدة من الوحدات الاقتصادية (الفرد والمؤسسة والشركة تتصرف بحرية مطلقة فيما تملك لتنمية أموالها وزيادة ثرواتها، أو في التوسع في استهلاكها، ولها أن تتخذ من الوسائل والأساليب ما شاءت، وليس للدولة أن تحد من حريتها.

ثالثًا: الحصول على أكبر ربح ممكن؛ حيث تهدف المشروعات الاقتصادية في النظام الاقتصادي الرأسمالي بشكل عام إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح، بل تجعل الربح هو هدفها الرئيسي، ويمكن أن يتحول المستثمرون بصورة مستمرة من نشاط إلى آخر إذا كانت فرص الحصول على الريح أكثر إغراء في النشاط الجديد، ويعد مبدأ تعظيم الأرباح في النظام الاقتصادي الرأسمالي حافزًا ومحركًا للنشاط الاقتصادي في هذا النظام، خاصة في ظل تمتع الفرد بحق تملك وسائل الإنتاج ومنحه الحرية المطلقة للتصرف في هذه الملكية.

رابعًا: المنافسة الحرة؛ وهي نتاج المبادئ الثلاثة السابقة؛ فسعي الأفراد الذين يملكون وسائل الإنتاج لتحقيق مصالحهم الشخصية مع حقهم المطلق في التصرف وزيادة الأرباح يزيد من تنافس الأفراد في سبيل الوصول إلى أهدافهم، والتي يفترض أن تحقيقها يحقق مصلحة المجتمع. ويشترط النظام الرأسمالي أن تكون هذه المنافسة كاملة ونزيهة، وقد وضعت لها مجموعة من الاشتراطات تجعلها خالية من أي شكل من أشكال الاحتكار، وبهذا الشكل وحده من أشكال المنافسة يستطيع النظام الرأسمالي أن يحقق مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة.

خامسًا: تفعيل آليات السوق، فجهاز الأسعار هو الذي تعمل من خلاله المبادئ والأسس التي ذكرناها آنفا، فالسوق يلعب دورًا هامًّا في قرارات الإنتاج والاستهلاك والادخار والاستثمار، وغيرها من القرارات الاقتصادية؛ بحيث يمكن القول: إن النظام الرأسمالي كله يعمل عن طريق السوق، فمن خلال تفاعل قوى العرض والطلب تتحدد أسعار السلع والخدمات، سواء كانت استهلاكية أم إنتاجية.

مميزات وعيوب النظام الرأسمالي:

1- لا شك أن للملكية الفردية دور كبير في حث الأفراد على العمل والإبداع والابتكار، وهو الأمر الذي ساعد النظام الاقتصادي الرأسمالي على تحقيق نهضة مادية كبيرة، ولكن المبالغة في تقديس النظام الرأسمالي للفرد، ومنحه الحرية الكاملة للتصرف فيما يملك -دون ضوابط أو قيود- أدى إلى الإضرار بمصلحة الجماعة، فسعي المستثمرين لتعظيم أرباحهم والمبالغة في ذلك يترتب عليه في الواقع مفاسد وأضرار تؤثر على عامة الناس.

2- أن المنافسة الكاملة التي تعتبر ضرورة لتحقيق النظام الاقتصادي الرأسمالي لا وجود لها في الأعم الأغلب؛ وأكبر دليل على ذلك ظهور الاحتكارات والتكتلات الاقتصادية في الدول الرأسمالية مما أضعف السوق في أداء وظائفها.

3- لقد ترتب على إقرار هذا النظام للحرية الاقتصادية والملكية الفردية المطلقة، وتنحية الدولة عن التدخل في الأنشطة الاقتصادية بروز العديد من المشكلات الاقتصادية؛ مثل: مشكلة البطالة، وانعدام عدالة التوزيع بين طبقات المجتمع.

4- أن اعتماد النظام الاقتصادي الرأسمالي على السوق بوصفها أداة وحيدة أو رئيسة يناط بها علاج كافة المشكلات الاقتصادية والنظر إليها كعصا سحرية تحقق ما يصبو إليه المنتج والمستهلك بشكل تلقائي دون تدخل الدولة ودون إخضاعها للمراقبة والقيم الأخلاقية؛ هذا الاعتماد أدى إلى نتائج غير مقبولة أخلاقيا. وغياب البعد الأخلاقي في النظام الاقتصادي الرأسمالي راجع إلى أن الرأسمالية نشأت في بيئة علمانية تفصل الدين عن الدولة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة