حجم الخط:

محتوى الدرس (8)

مدخل:

الفصل الخامس: السوق في الإسلام

أهمية السوق في الحضارة الإسلامية

أولى الإسلام عناية فائقة بالحضارة والتقدم والرقي والتمدن، وحث على النشاط المالي وتوفير الرفاهية للمجتمع، ولذلك امتن الله على قريش بأن سهل لهم الوصول إلى أهم الأسواق في عصرهم، ووفر لهم نعمة أمن الطريق؛ حيث يقول تعالى: { لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ١ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ٢ } [قريش: 1-2] ولذلك حظيت التجارة -التي هي أس التعامل في الأسواق- بكثير من النصوص الشرعية، وعُني الإسلام بوضع الضوابط والأسس، وإرساء القواعد والأحكام، والإكثار من التوجيهات والنصائح التي تأخذ بيد هذا النشاط البالغ الأهمية إلى الطريق المستقيم الذي تتحقق فيه مصلحة الأفراد والجماعات على حد سواء.

مراقبة الحكومة للسوق في الاقتصاد الإسلامي:

هي مجرد مراقبة لحركة السوق ومدى التزام الباعة والمشترين بما يجب عليهم شرفًا في البيع والشراء، وهذه الضوابط الشرعية وأخلاقيات التعامل في السوق لها دور كبير في دعم آلية السوق والمحافظة على عملها بشكل صحيح، وتتم هذه المراقبة من خلال جهاز الحسبة، وهو جهاز يمارس وظائف واختصاصات تهدف إلى تهيئة بيئة مناسبة للتعاملات التجارية، والمحافظة على السوق بشكل عام من الناحية الشكلية، أو من الناحية الموضوعية، فالشكلية: العناية بالسوق من حيث البناء والترميم والنظافة، وأما الموضوعية: فالمقصود ما يجري في السوق، ومدى توافق ذلك مع أحكام الشريعة الإسلامية، وسلامة البيوع من المخالفات الشرعية، وقد مارس الرسول هذا الدور بنفسه عندما دخل السوق ووجد مع أحد الباعة صبرة طعام، فأدخل يده فوجد بللًا فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟!»، فقال البائع: أصابته السماء يا رسول الله، فقال: «فهلَّا جعلته فوق الطعام؛ حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا»[1].

كما أن الشريعة الإسلامية جاءت بما يحقق مصالح العباد، فشرعت التجارة ورغبت فيها لما لها من آثار عظيمة تعود على الفرد والجماعة، وجعلت لها أحكامًا وضوابط، وأمرت التاجر أن يراقب الله سبحانه وتعالى في بيعه وشرائه؛ لأن التاجر ما هو إلا فرد من أفراد المجتمع، وعضو من أعضائه؛ فكان عليه توفير السلع التي يحتاج إليها الناس بالسعر الذي يخفف على الناس متاعبهم ويحقق لهم مطالبهم من غير إضرار بهم، وإيقاع الظلم عليهم؛ فمنعت التسعير الأحوال العادية التي لا غلاء فيها؛ لأنه قد يفضي إلى اختلال قانون العرض والطلب، فيحصل بذلك خلل في الأنشطة الاقتصادية، ومن أبرز ذلك غلاء الأسعار وارتفاعها؛ لأن كثرة القيود على التجارة والاستثمار تؤدي غالبًا إلى صرف التجار والمستثمرين إلى أسواق أقل قيودا، فيطلبون لسلعهم أسواقًا لا يكرهون فيها على البيع بغير ما يريدون؛ وهذا يؤدي إلى قلة العرض فيرتفع السعر، وكذلك قد يحمل التسعير في الأحوال العادية التي لا غلاء فيها أصحاب السلع والخدمات إلى أن يمتنعوا عن بيعها، بل يكتمونها فيطلبها المستهلكون فلا يجدونها إلا قليلا، فيرفعون في ثمنها؛ ليصلوا إليها، فتغلو بذلك الأسعار، ويحصل الإضرار بالجانبين: جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه.

وأجازت التسعير إذا كان يتحقق به العدل بين الناس وتحصل به مصالحهم، ومن ذلك: استعمال التسعير في معالجة آثار غلاء الأسعار، والسيطرة عليه، وتحقيق العدالة الاجتماعية بإنصاف الفئات الأكثر تضررا.

فالتسعير يمنع ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية التي يقوم عليها معاش الناس، كما أن التسعير يعمل على طمأنة المستهلك من توالي ارتفاع المستوى العام للأسعار، فيحد ذلك من الشراء الذي يستبق به الناس ارتفاع الأسعار مع عدم حاجتهم لتلك المشتريات.

كما أن السوق بالمفهوم الإسلامي يتسع ليشمل الأسواق العالمية من خلال إباحة التبادل التجاري مع كل الأمم إذا كان في ذلك مصلحة تعود بالنفع على الدولة الإسلامية، وهذا مخالف للنظرة السائدة بأن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد منغلق ولا يميل لفتح الأسواق والتعامل مع الأمم الأخرى.

ضوابط المنافسة في السوق:

  • 1- توثيق العقود ضمانًا للحقوق:

يهتم الإسلام بتوثيق العقود وتوكيدها، وقد نظم جملة من العقود عليها عقود التوثيقات؛ وذلك ليضمن كل ذي حق حقه، ليبتعد الناس عن التنازع والتغابن والشحناء والبغضاء، وليستطيعوا إقامة العدل عند حدوث الاختلاف والتخاصم، ومن الوسائل التي شرعها الإسلام للتوثيق: الكتابة والإشهاد، والرهن، والضمان أو الكفالة، وقد استثنى من الكتابة التجارة الحاضرة؛ لما فيها من السرعة؛ تيسيرًا على التجار في معاملتهم.

  • 2- عدم مخالفة مقاصد الشريعة في العبادة:

فالواجب على المسلمين ألا تلهيهم التجارة والأسواق عن ذكر الله وأداء فرائضه واجتناب محارمه وإقامة شعائر الإسلام.

  • 3- التحري في الكسب الحلال:

يوجب الإسلام على التاجر أن يتحرى الحلال في كسبه وفي معاملاته، وأن يجتنب كل ما حرمه الله ورسوله، وقد حذر النبي . من التهاون في الأمر وعدم تمحيص الكسب، فلا يجوز للمسلم أن يتعامل بالربا، ولا يتاجر في المحرمات كالخمر والخنزير والميتة، بل يبتعد عن بيع كل ما يعين على معصية إذا علم أن مشتريها سوف يستخدمها في المحرمات.

  • 4- قيام التجارة على التراضي:

يهتم الإسلام أن يكون التعاقد بين الناس نتيجة إرادة حرة مبعثها رضا الطرفين وموافقتهما على التعاقد، ولذلك كانت الصيغة ركنًا من أركان العقد حتى تدل على وجود التراضي، والقرآن الكريم عندما أباح التجارة قيدها بشرط وجود التراضي فيها { إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ } [النساء:29]، والتراضي يقتضي أن يكون المشتري مختارًا في الشراء، والبائع مختارًا في البيع، وكلاهما مختار في تقدير الثمن الذي يشتري به أو يبيع به، فإذا كان أحدهما مضطرًّا للشراء بأي ثمن فإن عنصر الرضا لا يكون قائما وتفقد التجارة أعظم عناصرها وأركانها، وهي حرية التعاقد؛ ولذلك كان الاحتكار والتجارة نقيضين لا يجتمعان؛ لأن التجارة تقتضي التراضي، والاحتكار لا يعتمد على الرضا بل يعتمد على الاضطرار.

  • 5- الصدق والأمانة في التعامل:

الصدق والأمانة فضيلتان حث عليهما الإسلام وأمر بهما المسلمين عامة، وخص التجار بأن يلتزموا جانب البيان والوضوح فيما يشترون أو يبيعون، وهذه من أعظم أسس التجارة، وتجنب الأسواق الهزات العنيفة التي يكون سببها المعلومات المضللة والدعاية الكاذبة.

  • 6- السماحة في التعامل والرضا بالرزق:

يحرص الإسلام على ترشيد سلوك الإنسان وهو يتعامل مع غيره، فيوصيه بالسماحة في المعاملات كلها بيعة وشراء، قضاء واقتضاء، وينهاه عن ضد ذلك.

  • 7- تحريم الأعمال التي تلحق الضرر بالسوق:

حرص الإسلام على الحرية الكاملة للأسواق في إطار الضوابط الشرعية في الكسب والربح؛ ولذلك حرم جملة من الأعمال التي تلحق الضرر بالمسلمين، فمنع الإسلام التسعير الجبري إذا كان فيه ظلم لأصحاب السلع ولم يكن ثمة احتكار من جانب التجار، وحرم الاحتكار، ونهى عن النجش، وعن تلقي الركبان، وعن أن يبيع حاضر لباد، وأن يبيع بعضهم على بيع بعض، وكل ما فيه ضرر فقد جاء منعه في مجمل النصوص الشرعية.

  • 8- تلبية الحاجات الضرورية:

التي تهم عموم أفراد المجتمع قبل الحاجات الكمالية والترفيهية؛ وذلك عن طريق الحوافز لهذه المشاريع عن طريق من يقوم بإدارة الاقتصاد، بالإضافة للحوافز الدينية التي تجعل المنتج يبحث عن إنتاج السلع التي يحتاجها أكبر قطاع من السكان.

سلوك المستهلك في الاقتصاد الإسلامي:

سلوك المستهلك في الاقتصاد الإسلامي تحكمه ضوابط، منها:

1- الدخل:

ورغم أن الدخل له تأثير كبير على الإنفاق الاستهلاكي، سواء لدى المسلم أو غيره إلا أن المسلم -بنص القرآن الكريم- مدعو للتوسع في الإنفاق إذا اتسع رزقه وزاد دخله، قال تعالى: { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ۖ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ } [الطلاق: 7]، وهذا التوسع في الإنفاق أو زيادة الاستهلاك المترتبة على زيادة الدخل يجب أن تكون منضبطة بالضوابط الشرعية التي تحكم السلوك الاستهلاكي للمسلم.

2- الرشد الاقتصادي:

مفهوم الرشد في الاقتصاد الإسلامي يختلف عن مفهوم الرشد في الاقتصاد الغربي، فالمسلم له معايير معينة تحكم سلوكه، فهو مأمور أن يمتنع عن السلع المحرمة، وأن لا يمعن في الترف، أو إضاعة المال بالإسراف والتبذير، وكذلك عليه الاعتدال في الإنفاق الاستهلاكي، قال تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا } [الفرقان: 67]، كذلك لا يشجع الإسلام على التوسع في الكماليات الاستهلاكية والانجرار وراء الملذات.

3- الحرية الاقتصادية المنضبطة:

فحرية المستهلك المسلم تخضع للضوابط الشرعية بخلاف حرية الفرد في المجتمعات الغربية الرأسمالية.

4- توسيع نطاق المنفعة:

فالمنفعة لا تتوقف عند إشباع حاجات مادية، بل تمتد إلى تحقيق المنافع الروحية وابتغاء الأجر من الله سبحانه وتعالى فربما يصرف المسلم جزءًا كبيرًا من دخله على أوجه الخير وهو في أوج سعادته لعلمه بعظم نفع ذلك له في الدنيا والآخرة، وهناك من غير المسلمين من يفعل ذلك في الأوقاف وغيرها من مصارف الخير.

السلوك المنتج في الاقتصاد الإسلامي:

من الأشياء المهمة في حياة المسلم معرفته أنه خلق لعبادة الله، لذلك لا يعتبر المنتج المسلم أن تحقيق الأرباح هو هدفه الأول من عملية الإنتاج، وإنما يسعى للاستفادة من هذه الأرباح في القيام بأعمال تعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، فيهتم بأعمال البر المختلفة التي تساهم في تحقيق هذا الهدف.

ومن الأشياء المهمة في عملية الإنتاج: عدم إنتاج السلع المحرمة الضارة، والابتعاد عن إنتاج السلع والخدمات ذات طبيعة إسرافية، والكفاءة في استخدام الموارد الاقتصادية، والعمل على توفير حاجات المجتمع من سلع ضرورية وحاجية وتكميلية.

كما أن دافع المنتج المسلم الجودة والأمانة في عملية الإنتاج وليس المنافسة وتحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح فقط؛ ووازع الديني يوجب عليه الإتقان والأمانة، وعندما تتقوى النزعة الإيمانية فإن المسلم لا يحتاج إلى أنظمة رقابة خارجية شديدة؛ الأن نظام المراقبة الداخلي في ضمير كل مسلم يقوم بدوره على أكمل وجه، وهذا سيخفف من التكلفة على المنشأة الإسلامية فيما يتعلق بكفاءة العامل الإنتاجية.

[مراجع للتوسع]:

* ضوابط السوق في النظام الاقتصادي الإسلامي. د. عطية السيد فياض، ورقة مقدمة لمؤتمر العام الحادي عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بعنوان نحو مشروع حضاري لنهضة العالم الإسلامي، بالقاهرة يونيو - 1999م.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة