حجم الخط:

محتوى الدرس (9)

مدخل:

أكد الاقتصادي الإنجليزي المشهور دافيد ريكاردو في مقدمة كتابه «مبادئ الاقتصاد السياسي والضريبة» أن تحديد القوانين التي تنظم التوزيع هي المشكلة الرئيسية في علم الاقتصاد السياسي، وعندما نتأمل الأموال الواردة من أوجه الإنفاق الواجبة والمستحبة مثل: الزكاة، والكفارات، والأضاحي، والصدقات؛ نجدها أموالا طائلة، وقد أمر الله بصرفها في مصارفها المخصوصة مثل الفقراء والمساكين، لإشباع حاجاتهم الأساسية في المأكل والملبس والمسكن، مما يضع النظام الاقتصادي الإسلامي على صدر الأنظمة الاجتماعية التي تنجح في معالجة مشكلة الفقر معالجة حقيقية، وهذا مستند على أن التفاوت في القدرة الإنتاجية بين الأفراد أمر قد أقره القرآن الكريم، وجعل هذه النفقات للتخفيف من آثاره.

أدوات إعادة التوزيع في الاقتصاد الإسلامي:

1- الزكاة:

هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي مبلغ يشكل نسبة مئوية من بعض الأموال التي أوجب الله تزكيتها عند انطباق مجموعة من الشروط، مثل: عروض التجارة، والزروع والثمار، وسائمة الأنعام، والذهب والفضة والأوراق النقدية، وتصرف على الأصناف الثمانية الواردة في الآية الكريمة: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ } [التوبة: 60]، وهي بهذا تشكل نظامًا ماليًّا واقتصاديًّا بالغ التأثير في إعادة توزيع الدخل والثروة بين طبقات المجتمع، وهي كذلك نظام اجتماعي؛ لأنها تعمل على تأمين أبناء المجتمع ضد العجز الحقيقي والحكمي، وضد الكوارث والجوائح، وتحقق بينهم التضامن الإنساني الذي يُعين فيه الواجدُ المعدمَ، ويأخذ القوي بيد الضعيف والمسكين وابن السبيل، ويقرب المسافة بين الأغنياء والفقراء، ويعمل على إزالة الحسد والضغينة بين القادرين والعاجزين، ويعين المصلحين بين الناس على اتجاههم الخير، ويدفع لهم ما غرموا في سبيل الخير العام؛ كما تسهم في حل كثير من مشكلات المجتمع وتعينه على تحقيق أهدافه النبيلة، وغاياته الطيبة المثلى.

2- نظام الوقف:

الوقف نوع من أنواع صدقات التطوع التي يقوم بها الإنسان بإرادته، فيوجه بذلك جزءًا من أمواله إلى وجوه البر والخير التي تخدم مصالح المجتمع، ويمتاز هذا النوع بصفة الدوام والاستمرار، فالوقف يُعدُّ مفخرة من مفاخر الإسلام؛ حيث نشأ وتطور في ظل الحضارة الإسلامية، وقد عُرفت الأوقاف منذ عهد النبوة وعبر العصور الإسلامية نموًّا وتنوعًا واتساعًا، فشمل كل ما يعتمد عليه الناس في معيشتهم وحاجاتهم الأساسية، ولم يقتصر على العناية بفئات المجتمع فحسب، بل وصل خيره وبره إلى غير البشر من الدواب والطيور وغيرها مما لم يعرف في حضارة سابقة أو معاصرة، ومن قرأ تأريخ الوقف سيرى بوضوح أن الدول والحضارات ارتبطت بالوقف ارتباطًا وثيقًا من حيث النهضة والانحطاط والتقدم والقوة وضدها، وكم كانت الشعوب والأمم في اطمئنان اقتصادي واستقرار اجتماعي في ظلاله، ويُعدُّ استقلال الوقف من أهم أسباب بقاء كثير من أوقاف المسلمين والمسلمات بعموم أراضي العالم الإسلامي على مر الدهور والأعوام.

وللوقف أبعاد دينية واجتماعية واقتصادية وثقافية وإنسانية، غطت أنشطتها سائر أوجه الحياة الاجتماعية، وامتدت لتشمل المساجد والمرافق التابعة لها، والدعوة والجهاد في سبيل الله، والمدارس ودور العلم والمكتبات، والمؤسسات الخيرية، وكفالة الضعفاء والفقراء والمساكين والأرامل، والمؤسسات الصحية، ودور الرعاية، والفنادق وشؤون المسافرين، وسداد الديون، والإعانة على الزواج، وتعويض المنكوبين، وغيرها كثير جدا؛ حيث إن مفهوم البر تحول من مفهوم ضيق إلى دلالات واسعة تشمل الحياة العامة كلها.

3- الإرث:

يهتم علم الفرائض في الفقه الإسلامي بكيفية توزيع الإرث، وهو أسلوب من أساليب إعادة توزيع الثروة بطريقة لم يرتض الله عز وجل إلا أن يقسمها بنفسه في القرآن الكريم، والإسلام بهذا النوع من التوزيع في الميراث يقرر مبدأ التكافل داخل الأسرة، ويؤكد أواصر المودة والألفة، كما أن هذا التوزيع يقضي على جمع المال وحصره في يد واحدة أو طائفة معينة، وهو مبدأ قرآني يجعل المال وسيلة للخير لا غاية، وتوازن التوزيع والعدل فيه من أجل القضاء على بوادر الإحن والضغائن في النفوس، وجعل المادة أداة الوظيفة اجتماعية، وعدم تركيز التركة في وارث دون بقية الورثة، كما نشاهده اليوم في المجتمعات التي تدين بأنظمة اقتصادية أخرى.

4- الصدقات:

وهي الإنفاق التطوعي. في سبيل الله. على جميع أوجه الخير، ولا يلزم لها نصاب أو حد أدنى ولا أعلى، وقد أكد القرآن والسنة على ذلك كثيرا، وللصدقات شأن وأثر عظيم على كيان المجتمع؛ حيث تعمل على تقوية أواصره، وتثبيت دعائمه، وبث روح التعاون والمؤاخاة بين أفراده، وتزيل الحسد بينهم، فالصدقات من الدعائم الأساسية التي يقوم عليها نظام التكافل، الذي يقوم عليه صلاح حال الأفراد والمجتمعات، ولها أثر في تحقيق الاستقرار والأمن، ومحاربة التفاوت بين الطبقات، بما تسده من احتياجات ضرورية تكفل الحياة الآمنة، وتقضي على مسببات الجريمة -وعلى رأسها الحاجة والفقر- ولها أثر في تنشيط الاقتصاد، ومحاربة الركود، والعمل على فتح أبواب الرزق، وتهذيب أخلاق مخرجيها وأخذيها، والتأكيد على تنمية اقتصاديات الأفراد والمجتمعات من خلالها.

5- تحريم الربا:

يُعدُّ الربا من أخطر الأمراض التي تصيب المجتمعات؛ فهو يقود إلى تقسيم المجتمع إلى فئتين رئيسيتين: فئة المترفين الظالمين، وفئة المحرومين المظلومين، ويكون المجتمع مرتعًا خصبًا للحسد والكراهية والتفكك؛ فالربا يعزز من احتكار فئة للمال دون أخرى، فيتكدس المال عند طبقة في مقابل سحق طبقة أخرى، لذلك كان تحريم الربا صيانة للمجتمع، وإعادة تدوير للأموال، وحصنًا منيعًا من وقوع المشكلات الاقتصادية المستعصية.

ومن الجدير بالذكر أن هناك أدوات إعادة توزيع أخرى مثل: الكفارات، والنذور والأضاحي، والهدي، والهبة، وزكاة الفطر، والغنائم، والوصايا. ونلفت الانتباه إلى أن الإسلام قد جعل بعض أدوات إعادة التوزيع إلزامية مثل: الزكاة، والإرث، والغنائم وغيرها، وبعضها غير إلزامي مثل: الوقف، والصدقات.

العمل الخيري وإعادة توزيع الثروة:

العمل الخيري هو نشاط يقوم به بعض الأفراد أو الجمعيات بهدف تقديم سلعة أو خدمة أو غير ذلك مما يحتاج اليه الناس عادة، وهذا النشاط يكون بدون مقابل، وهذا أهم ما يميز العمل الخيري عن غيره من الأعمال ذات الصفة التجارية الربحية البحتة، وغالب التمويل لهذه الأعمال الخيرة يأتي من الزكوات والصدقات وغيرها من أداوت إعادة التوزيع المشار إليها آنفا، وتتنوع هذه الأعمال إلى أنواع كثيرة: من تقديم للغذاء لذوي الحاجة، إلى الرعاية الصحية لبعض المرضى ممن لا يجدون نفقة العلاج على نفقتهم الخاصة، وقد تمتد الأعمال الخيرية إلى مساعدة الطلاب من أبناء الفقراء في الاستمرار في دراستهم من خلال تيسير السبل والوسائل اللازمة لاستكمال الدراسة، فللعمل الخيري أهميته الكبرى وقيمته لكل مواطن، كما أنه يتخلل العديد من الأوجه في حياتنا، وله أثره الكبير والمهم على زيادة رصيد البلد الاجتماعي والاقتصادي، وعندما تتوافر مصادر تمويل العمل الخيري في المجتمع فإن هذا يقلل من العبء على الإنفاق الحكومي.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة