[عيوب نظام المقايضة]
ومع اتساع دائرة التخصص وتقسيم العمل، ونمو الأنشطة الاقتصادية؛ ظهرت عيوب المقايضة، وعجزها عن الوفاء باحتياجات المجتمع البشري، ومن هذه العيوب:
1- صعوبة التوافق المزدوج للرغبات بين أطراف التبادل في ظل المقايضة، وانعدام النقود كوسيط للتبادل جعل الناس يواجهون صعوبة في الحصول على احتياجاتهم من السلع؛ لأن كل شخص لديه سلعة أو سلع معينة يريد جعلها ثمنًا لسلع يحتاجها؛ لا يتحقق مراده بمجرد الحصول على الشخص الذي تتوافر لديه هذه السلع التي يريد، إذ لا بد أن يكون الطرف الآخر أيضًا لديه الرغبة في قبول هذه السلعة ومقايضتها بما لديه، فمثلا: لو وجد لدى شخص فائض من القمح، ويرغب في الحصول على اللحم، فقد يجد صعوبة في الحصول على شخص يملك اللحم ولديه في الوقت نفسه الرغبة في الحصول على القمح.
2- عدم صلاحية المقايضة مقياسًا للقيمة، ففي ظل المقايضة يصعب تقدير قيم السلع المتبادلة؛ لاختلاف أنواعها ومقاديرها، وبالتالي عدم وجود معيار منضبط يحدد قيم السلع بدقة، فمعيار حاجة المقايض للسلعة لا يكفي؛ لأنه يؤدي إلى تفاوت كبير تقدير قيم السلع.
3- صعوبة التجزئة في المقايضة حيث يصعب تجزئة السلع التي تقدم ثمنًا لما يريد أن يحصل عليه المقايض من السلع الأخرى، فمثلا: لو كان لدى شخص جملًا ويريد أن يحصل على شيء يسير من القمح فإن الجمل لا يمكن تجزئته.
4- صعوبة الادخار؛ ففي نظام المقايضة يصعب حفظ الثروة وادخارها على شكل سلع، وليس من السهل ادخار كم هائل من السلع، خاصة وأن بعض السلع غير قابل للتخزين لمدة طويلة.
هذه الصعوبات التي صاحبت المقايضة، أدت بشكل ضروري إلى ظهور وسيط أفضل للتبادل سالم من عيوب المقايضة.
تُعرَّفُ النقود: أي بأنها شيء يلقى قبولا عاما لكونه وسيلة لتسديد الديون، وقيل: إنها أي شيء يتم قبوله عموما بوصفه وسيلة دفع مقابل السلع والخدمات وتسديد الديون، وقيل: هي كل وسيلة تلزم بحكم القانون كل مشتر أو مدين استخدامها مقابل سلعة أو تسديد دين، وقيل: هي وسيلة قياس وتبادل للسلع الحقيقية، وقيل: هي أي موجود يقوم في آن واحد بأداء وظيفة وسيط للمبادلة ومقياس للقيم ومخزن للقيمة.
نستنتج من التعريفات السابقة أن الاقتصاديين يركزون في تعريفهم للنقود على وظائفها؛ فالنقود تمارس دورها في النشاط الاقتصادي من خلال خاصية هامة تتمتع بها على قبولها نظير السلعة؛ وهي عمومية القبول؛ بمعني استعداد كل فرد لقبولها نظير كل السلع التي يعرضها أو الخدمات التي يؤديها، وصفة القبول العام للنقود هي التي تخلق لها قيمة تبادلية، وهي التي تميزها عن الأشياء الأخرى التي تحظى بالقبول الخاص؛ كتذكرة القطار، أو قسيمة الشراء، فتلك لا تعد نقودًا؛ وذلك لمحدودية استخدامها، فكل ما يتمتع بقبول عام من كل أفراد المجتمع بكونه وسيطًا في مبادلة السلع والخدمات فهو نقود.

للنقود وظائف كثيرة من أهمها:
1- وسيط للتبادل: وهذه الوظيفة من أهم وظائف النقود؛ لأنها تحقق التوافق بين رغبات البائع والمشتري بخلاف المقايضة.
2- أنها مقياس للقيمة: فمن خلال النقود تحدد قيم السلع، ويعرف أطراف التبادل أن كيلو واحد من التمر يساوي ثلاثة كيلو جرامات من الموز.
3- أنها مستودع للقيمة: فهي مستودع تحفظ فيه القيمة الشرائية من حين الحصول عليها إلى وقت إنفاقها.
4- أنها أداة للمدفوعات الآجلة: حيث سهلت عملية البيع الآجل على أن يتم الدفع في فترات لاحقة.
5- أنها أداة للتأثير على مستوى النشاط الاقتصادي: ويقصد بهذه الوظيفة أن للنقود تأثيرًا على حركة الاستثمار والإنتاج والدخل والاستخدام والأسعار، كذلك فلها دور في توجيه المتغيرات الاقتصادية الكلية التي تحكم سير النشاط الاقتصادي؛ وذلك من خلال التأثير على العلاقة بين عرض النقود والطلب عليها.
6- النقود أداة لإعادة توزيع الدخل: تعمل النقود من خلال التغير الحاصل في قيمتها (تغير القوة الشرائية) على إعادة توزيع الثروات والدخول بين أفراد المجتمع والقطاعات الاقتصادية؛ ففي حالة ارتفاع الأسعار فإن أصحاب الدخل المحدود وأصحاب الأجور والرواتب والدائنين والمدخرين ستنخفض ثرواتهم بسبب انخفاض القوة الشرائية للنقود، مما يعني انخفاض في دخولهم الحقيقية.
7- النقود أداة للهيمنة الاقتصادية: تُعد النقود قوة تمنح حائزيها قدرة فرض رغباتهم على بقية الوحدات الاقتصادية على المستوى المحلي وعلى اقتصاديات الدول على المستوى الدولي؛ كسيطرة البنوك على عمليات الإقراض، وبالتالي السيطرة على النشاطات الاقتصادية من خلال توجيه النقود نحو النشاط الاقتصادي الذي ترغب في تقويته (السيطرة الائتمانية)، كما ساعدت على تركز الهيمنة الاحتكارية للمشاريع الكبرى والاندماج كالشركات متعددة الجنسيات العملاقة حاليا، وأما على الصعيد الدولي - مثلا - سيطرة الجنيه الإسترليني على حركة الاقتصاد الدولي، ثم بعدها سيطرة الدولار وهيمنة الاقتصاد الأمريكي على السياسات الدولية إلخ....
بدأت هذه البنوك في أوروبا بدايات متواضعة على يد الصيارفة والصاغة الذين كانوا يحتفظون بودائع التجار لحفظها من السرقة بمقابل مبالغ معينة من المال، ويقومون بتسليم المودعين إيصالات تدل على ملكيتهم لكمية من الذهب، وقد لاحظ الصيارفة أن الناس بدأوا يتداولون الإيصالات، وأن أكثر الودائع المعدنية بقيت في الخزائن من دون أن تسحب، وأن نسبة محدودة جدًّا من هذه الأموال تخرج ويتم تعويضها في شكل ودائع جديدة، ومع تزايد حجم هذه الودائع تطورت فكرة استثمار هذه الأموال المتكدسة لديهم؛ من خلال إقراضها لمن يحتاج إليها بفائدة معلومة، ولكي يضمن الصيارفة استمرار تدفق الأموال إليهم دفعوا فوائد لأصحاب المدخرات، وفي نهاية المطاف تطورت هذه التعاملات بجهاز مصرف حديث أطلق عليه البنوك التجارية.
فالبنك التجاري يعتمد بشكل كبير على أموال المودعين، وهو يقرضها بآجال طويلة ويصعب تسييلها في حال الحاجة لها، وهي ممولة من أموال الحسابات الجارية، وهي أموال قد يلجأ المودعون إلى سحبها في أي وقت من الأوقات، مما يعرض البنك للانهيار والإفلاس، ولذلك لا بد أن يوازن البنك بين المحافظة على قدر كاف من السيولة للوفاء بالتزاماته تجاه المودعين، وبين السعي لتحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح بتوظيف الفائض من السيولة المتاحة لديه من ودائع العملاء.
ومن المهم أن نلفت نظر القارئ إلى خصيصة مهمة في البنوك التجارية، ألا وهي قدرتها على خلق النقود (توليد النقود)، والمقصود به تقديم الائتمان (أي القروض) للعملاء، وذلك من أرصدة الحسابات الجارية، فإذا تقدم عميل للبنك بطلب قرض، فإن البنك بعد قبول الطلب، يقدم له قرضًا من الحسابات الجارية، فيقوم العميل الجديد للبنك بفتح حساب جار في البنك (أو في بنك آخر) وهذا يسمى بتوليد النقود، فمثلا: صاحب النقود الأول أودعها في البنك ثم يقوم البنك بإقراضها لعميل ثاني يقوم بإيداعها في حسابه ثم يقوم البنك مرة ثانية بإقراضها العميل ثالث يقوم أيضًا بإيداعها بحسابه وهكذا نجد أن المبلغ الأساس يتصرف فيه عدة أشخاص، وأن العمليات التجارية تتم بأضعاف المبلغ المودع في المرحلة الأولى، مع ملاحظة احتفاظ البنك بنسبة معينة يفرضها عليه البنك المركزي.
وهي مسألة سهلت في هذا الزمن بسبب أن الناس يتعاملون بالعملات الإلكترونية (أي: النقود المحاسبية المبنية على القيود المصرفية)، وليس كما كان سابقًا بالنقود المعدنية، كالذهب والفضة، وهذا له تأثير مباشر على عرض النقود (كمية النقود) في البلد، وعلى مستوى الأسعار، وعلى توزيع الثروة كما سبق بيانه في وظائف النقود.