مدخل:
تُعد التجارة الخارجية من القطاعات الحيوية في أي مجتمع من المجتمعات، سواء كان ذلك المجتمع متقدمًا أم ناميًا، فالتجارة الخارجية تربط الدول والمجتمعات مع بعضها البعض، إضافة إلى أنها تساعد في توسيع القدرة التسويقية عن طريق فتح أسواق جديدة أمام منتجات الدولة، وتساعد كذلك في زيادة رفاهية البلاد عن طريق توسيع قاعدة الاختيارات فيما يخص مجالات الاستهلاك، والاستثمار.
وبالإضافة إلى ذلك تأتي أهمية التجارة الخارجية من خلال اعتبارها مؤشرًا جوهريًّا على قدرة الدول الإنتاجية والتنافسية في السوق الدولي، وذلك لارتباط هذا المؤشر بالإمكانات الإنتاجية المتاحة، وقدرة الدولة على التصدير، ومستويات الدخول فيها، وقدرتها كذلك على الاستيراد، وانعكاس ذلك كله على رصيد الدولة من العملات الأجنبية، وما له من آثار على الميزان التجاري.
بدأت الكتابات الاقتصادية في تفسير قيام التجارة الدولية متزامنة مع بدايات الكتابة في علم الاقتصاد بشكل عام؛ فقد تحدث آدم سميث عن التجارة الدولية باعتبارها نتيجة للمزايا المطلقة لكل دولة، والمقصود بالمزايا المطلقة أن الدولة تنتج وتصدر السلعة التي تتميز بها من حيث تكاليف الإنتاج وتوفر المواد الأولية، ثم تطورت هذه الفكرة لدى ريكاردو عندما لاحظ أن دولا تصدر سلعًا لا تتميز في إنتاجها بشكل مطلق، بل تتميز نسبيًّا، بمعنى أن الدولة:
(أ) تتميز مطلقًا في كل السلع، إلا أن تميزها هذا أكثر في القمح مثلا عنه في الأقمشة، وفي هذه الحالة تكون الدولة.
(ب) متميزة نسبيًّا في الأقمشة، وتتم التجارة الدولية بناء على هذه الفوارق النسبية، وقد تطورت النظرية لاحقا، ومن أبرز المساهمين في ذلك: هيكشر وأولين؛ حيث سمي أحد النماذج باسمهما، ويتفوق على النظرية النسبية بإدخال الفروقات في توفر عناصر الإنتاج في كل دولة.
وتُعد التجارة الدولية من أهم القطاعات الاقتصادية، فالكثير من الدول النامية على سبيل المثال تقوم بتصدير المواد الخام إلى الدول الصناعية المتقدمة، ثم تستورد منها السلع المصنعة، فما هي أسباب قيام التجارة الدولية؟
وبناء على النظريات السابقة يمكن تفصيل أسباب قيام التجارة الدولية كما يلي:
1- اختلاف مستوى حيازة الدول للتقنية؛ فالدول التي بلغت مستويات عالية جدًّا من التكنولوجيا تمكنت من إنتاج العديد من السلع المتطورة، والتي تشكل المعرفة التكنولوجية عنصرًا أساسيًّا في إنتاجها، في الوقت الذي اقتصرت فيه كثير من الدول النامية على إنتاج المواد الخام وتصديرها إلى الدول الصناعية المتقدمة.
2- اختلاف وفرة عناصر الإنتاج بين الدول، فبعض الدول لديها فائض في رأس المال ونقص في الأيدي العاملة المدربة، ودول أخرى على العكس من ذلك، ويمتد هذا التفاوت بين الدول في وفرة عناصر الإنتاج إلى الموارد الطبيعية، فدول لديها النفط وأخرى تفتقر إليه، ودول لديها الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة والمياه الوفيرة، ودول تفتقر إلى ذلك.
3- التفاوت بين الدول في وفرة عناصر الإنتاج يقود إلى تفاوت في كلفة الإنتاج بين الدول، ويزيد من أهمية التخصص لخفض كلفة الإنتاج، وبالتالي خفض أسعار السلع، وإذا وجد التخصص أصبحت التجارة الخارجية أمرًا واقعًا فالدول تتجه إلى التخصص في إنتاج سلعة ما عندما يكون لديها ميزة نسبية في إنتاج هذه السلعة دون سواها.
ومما تجدر الإشارة إليه: أن التجارة الدولية تواجه من العوائق والعقبات ما لا تواجهه التجارة المحلية، مما يجعل تدفق السلع والخدمات دولا أصعب من تدفقها محليا؛ لأن بيئة التجارة الداخلية تحكمها نفس الظروف وتخضع لنفس المعايير والقوانين، أما فيما يتعلق بالتجارة الخارجية فإن لكل دولة سياساتها وقوانينها الخاصة بها، ولذلك فإن السياسات والقوانين التي تحكم التبادل التجاري الخارجي متباينة، ولكل دولة سياساتها وقوانينها، مما يجعل هناك صعوبة في تدفق السلع خارجيًّا.
من الأمور المهمة في التجارة الدولية: الدور الكبير الذي تقوم به منظمة التجارة العالمية، وهذا تعريف مختصر بها:
منظمة التجارة العالمية عبارة عن إطار قانوني ومؤسسي لنظام تجاري عالمي، يمكن الدول من تنمية علاقاتها التجارية من خلال المناقشات والمفاوضات الجماعية، ويساعدها في صياغة وتنفيذ الأنظمة والضوابط التجارية المحلية، ويعمل على فض المنازعات التجارية التي تنشأ بين الدول الأعضاء.

وقد تأسست هذه المنظمة في الأول من يناير عام 1995م بعد سلسلة من جولات التفاوض كان آخرها جولة الأورغواي، التي اختتمت في 15 من ديسمبر سنة 1993م، فحلت هذه المنظمة محل الاتفاقية العامة للرسوم الجمركية والتجارة (الجات)، وقد بلغ عدد أعضاء المنظمة 74عضوا منذ يومها الأول، ثم زاد العدد بعد ذلك، وبينما كانت (الجات) تقتصر على التجارة في السلع، فإن منظمة التجارة العالمية أوسع نطاقًا؛ إذ تشمل إلى جانب تجارة السلع، التجارة في الخدمات، وكذا حقوق الملكية الفكرية، وقد احتوت منظمة التجارة العالمية على نحو 29 وثيقة قانونية، تغطي مجالات متفاوتة من الزراعة إلى المنسوجات، ومن الخدمات إلى المشتريات الحكومية، وقواعد المنشأ والملكية الفكرية. وتهدف العديد من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية إلى إيجاد بيئة تجارية واستثمارية يسهل التنبؤ بها ومعرفتها؛ وذلك بالحد من توجه الدول نحو تغيير القواعد والقوانين بسهولة، والمنظمة لا تسعي لقيام تجارة حرة بشكل مطلق ينهي استخدام التعريفات الجمركية وجميع أشكال الحماية؛ ولكنها تسعى إلى وجود منافسة مفتوحة وعادلة؛ لذا فقد اشتملت على العديد من قواعد التمييز، والتي صممت لضمان ظروف عادلة للتجارة، ومعظم الدول الأعضاء في هذه المنظمة دول نامية، أو دول تمر بعملية تحول اقتصادي إلى اقتصاد السوق، وقد أعطيت الدول النامية فترات انتقالية للتكيف مع بعض التزامات منظمة التجارة العالمية، والتي لا يمكن أن تفي بها فور الانضمام، أو في السنوات الأولى للانضمام.
من المزايا الإيجابية لمنظمة التجارة الدولية:
1- إتاحة الفرصة أمام الدول لزيادة صادراتها نتيجة لفتح الأسواق العالمية وسهولة النفاذ إليها.
2- الحرص على تحسين الإنتاج وجودة النوعية؛ نتيجة لرفع الدعم الحكومي للتمكن من المنافسة العالمية العادلة.
3- حماية الحقوق التجارية والملكية الفكرية للشركات الكبرى، ومعاقبة الاعتداء على ذلك.
[بعض السلبيات لمنظمة التجارة الدولية]:
هذا، ولا بد من الإشارة إلى أن الدول الكبرى وشركاتها النافذة هي التي ستحظى بهذه الإيجابيات، أما باقي الدول فقد تكون الآثار السلبية عليها أعلى من غيرها، ومن هنا كانت الحاجة لإبراز بعض السلبيات، فمنها على سبيل المثال:
1- إن فتح الأسواق وحرية التجارة ستؤدي إلى غلبة الاستثمار الأجنبي، وسيطرة الشركات المتعددة الجنسية التي تنتج أكثر من 87% من واردات العالم، و4 9% من صادراته، وبالتالي سيضعف الإنتاج المحلي، ويعاني من الركود؛ لعدم قدرته على المنافسة، مما سيشل اقتصاد كثير من الدول النامية.
2- سيؤدي الدخول في منظمة التجارة العالمية إلى توقف الدعم الحكومي للمنتج الوطني، وبالتالي إلى ارتفاع أسعار تلك المنتجات وبالأخص الزراعية، فينعكس على زيادة الاستيراد والشراء من المنتجات العالمية الأرخص؛ فتضعف بالتالي المنتجات الوطنية، وتخسر شركاتها، وترتفع الأسعار في الداخل.
3- زيادة معدل البطالة والتضخم في كثير من الدول؛ نتيجة لارتفاع الأسعار المتوقع.
4- اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء؛ لأن العولمة الاقتصادية تؤكد مبدأ المصلحة الفردية فقط، كذلك ستصاب الشعوب بحمى الاستهلاك والشراء؛ نتيجة إغراق الأسواق بالمنتجات الكمالية، وطغيان الدعاية والإعلان على عقول الناس، مما يحقق ثراء أكبر للأغنياء وفقًا للبقية من الأفراد.
* التجارة الدولية.
ميراندا زغلول رزق، كلية التجارة ببنها - جامعة الزقازيق، 2010م.