حجم الخط:

محتوى الدرس (18)

النظام النقدي الدولي الحديث بعد بريتون وودز:

مرحلة تحلل نظام بريتون وودز[1]:

في أواخر الستينيات الميلادية اشتد الصراع الاقتصادي بين الدول الرأسمالية في مجال النقود وأسعار الصرف، مما قاد إلى توقف العمل بنظام اتفاقية بريتون وودز، بعد إعلان الرئيس الأمريكي نيكسون آنذاك في خطابه عام 1971م الذي أعلن فيه وقف قابلية تحويل الدولار إلى ذهب.

وتبعًا لذلك اختفت الأسس التي قام عليها هذا النظام، والمتمثلة بقاعدة تحويل الدولار إلى ذهب عند سعر ثابت، وثبات أسعار الصرف، وإلغاء القيود على التجارة الخارجية، وكان من أحد أسباب ذلك الحرب الفيتنامية التي تكبدت فيها الولايات المتحدة خسائر فادحة، بسبب الإنفاق العسكري المتزايد، وتراجع الأرصدة الذهبية الأمريكية، مما أدى إلى انخفاض معدلات النمو، وارتفاع معدلات التضخم (بسبب إصدار العملات بدون أرصدة ذهبية)، من أجل تغطية النفقات العسكرية الكبيرة، وما واكب ذلك من انتقال كثير من الاستثمارات الأمريكية إلى أوروبا وبعض الدول النامية.

إلا أن الولايات المتحدة استطاعت مواجهة تلك التحديات، وواصلت حتى الآن طبع الدولارات بدون رصيد ذهبي، وتفرض بمكانتها الاستراتيجية والاقتصادية على الدول الأخرى قبول الدولار الأمريكي وإن كان بدون رصيد ذهبي، وذلك بسبب ما تتمتع به من قوة عسكرية واقتصادية كبيرة، وهيمنتها على المنظمات الدولية، وما يوجد فيها من شركات عملاقة تتمثل بالشركات المتعددة الجنسية ذات الإمكانات المادية والفنية العالية.

وانعكس التوسع النقدي في الولايات المتحدة على شكل توسع نقدي تضخمي في الدول الأخرى، إلا أن الدول الأوربية الغربية بدأت تتضايق من هيمنة الدولار الأمريكي وآثاره التضخمية، مما ولد شعورًا لدى الدول الغربية بأنه يجب على الولايات المتحدة أن لا تلقي تبعات العجز في ميزان مدفوعاتها على عاتق الدول الأخرى دون أن تخسر هي شيئا، بل عليها أن تسدد حساباتها في الدول الغربية خاصة بالذهب وليس بالأوراق النقدية، وأن تنظم اقتصادها بما يمكنها من القضاء على العجز في ميزان مدفوعاتها.

وعلى أثر ذلك بدأت الدول الغربية بمطالبة الخزانة الأمريكية بصرف ما تمتلكه تلك الدول من دولارات ورقية ذهبا؛ ولأن الولايات المتحدة لا تستطيع فعل ذلك؛ (لأنها تطبع دولارات ورقية بدون أرصدة ذهبية)، ولأن الأرصدة الذهبية التي كانت تمتلكها الولايات المتحدة آنذاك وبالتحديد عام 1998م كانت تقدر بنحو (11 بليون دولار)، في حين كانت الأرصدة الدولارية الورقية الموجودة خارج الولايات المتحدة تقدر بنحو (35 بليون دولار)، وهذا يمثل انخفاضًا شديدًا في الغطاء الذهبي للدولار، بعد ما كان هذا الغطاء يمثل 100% نهاية الحرب العالمية الثانية.

هذا الوضع مثَّل أزمة بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، وعلى أثر ذلك وفي عام 1968م طلبت الولايات المتحدة عقد اجتماع مع الدول الغربية الأوربية، لتبلغهم نيتها في إلغاء دور الذهب في نظام النقد الدولي، وطالبتهم بعدم الدعوة لتحويل ما يمتلكونه من دولارات ورقية إلى ذهب إلا عند الضرورة القصوى، وأعلنت الولايات المتحدة عام 1971م عن عجز ميزان مدفوعاتها وتخفيض احتياطها، بمقدار 1.1 بليون دولار، مما أدى إلى ارتفاع حمى المضاربة بالدولار الأمريكي، وزيادة نزوحه خارج الدول الأوربية، واشتداد الطلب على الذهب، ما دفع بالرئيس الأمريكي نيكسون في ذلك الوقت إلى اتخاذ قرار بوقف تحويل الدولار إلى ذهب، (مما أدى إلى تراجع الثقة بالدولار الأمريكي) وقامت الولايات المتحدة بخفض المساعدات عن الدول الأوربية بنسبة 10%، وفرض ضريبة على الواردات من الدول الأوربية بنسبة 10% أيضًا، وتجميد الأجور والأسعار لمدة ثلاثة أشهر للحد من التضخم (ارتفاع الأسعار)، وكان ذلك ضربة قوية لحلفاء أمريكا من الدول الأوربية، وإعلانًا بنهاية عصر بريتون وودز، وبداية ظهور مرحلة جديدة النظام النقد الدولي ساد فيها الدولار بوصفه عملة الاحتياطي الدولي في معظم دول العالم نتيجة لتبعات الحرب العالمية الثانية، ونظام بريتون وودز الذي ربط الدولار بالذهب وبقية العملات بالدولار.

مرحلة النظام المالي الحديث:

وهي المرحلة التي جاءت على أنقاض مرحلة نظام بريتون وودز، والتي قامت على قاعدة (تعويم العملة)، أي جعل سعر صرف العملة المحلية مستقلًّا عن العملات الأخرى في السوق العالمية، أي: جعل سعر الصرف مرتبطًا بقوى العرض والطلب، وتعويمها يعني أن يتم تحديد سعر صرفها نتيجة (قوى العرض والطلب الدولي)، وليس لربطها بعملة معينة، وفي هذه المرحلة انتقل العالم الرأسمالي من مرحلة ثبات الأسعار إلى مرحلة تعويم العملة، ونبذت أغلب الدول الرأسمالية الصناعية فكرة (وضع أسعار تعادل ثابتة)، وسادت فكرة جديدة مفادها أن أسعار الصرف المرنة المرتبطة بقوى العرض والطلب يمكن أن تدير نظام النقد الدولي بقدر قليل من الذهب والاحتياطات الدولية.

وفي عام 1976م عقد مجلس محافظي صندوق النقد الدولي مؤتمرًا في جامايكا تم فيه تعديل اتفاقية بريتون وودز، وتم وضع عدد من البنود الأساسية للنظام المالي الحديث، وكان لذلك أثر واضح على نظام الصرف الدولي، وتمثلت تلك البنود في الآتي:

1- حرية الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي في اختيار ما تشاء من نظم الصرف بما فيها التعويم.

2- إلغاء السعر الرسمي للذهب، ونزع الصفة النقدية عنه، ومعاملته معاملة أي سلعة يتحدد سعره بناء على العرض والطلب.

3- التخلص من جزء من الذهب الذي يوجد بحوزة صندوق النقد الدولي.

4- تكون وحدات حقوق السحب الخاصة في صندوق النقد الدولي هي الأصول الاحتياطية الأساسية في نظام النقد الدولي.

وعلى أثر ذلك تباينت نظم الصرف في الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي، فمنها من اعتمد نظام التعويم، ومنها من ربط عملته بالدولار، أو الجنيه الإسترليني، أو الفرنك الفرنسي، أو نظم أخرى، وقد أثرت الأزمات الاقتصادية والنقدية وحالة الفوضى في نظام النقد الدولي بعد إيقاف العمل بنظام بريتون وودز على وضع الاحتياطات النقدية الأجنبية في الدول النامية، من خلال تقلب أسعار صرف العملات القوية على الصعيد العالمي للمدة من 1976 - 1980م.

انعكاسات الأزمة النقدية العالمية على البلدان المتخلفة:

إن أهم الآثار التي نجمت عن الأزمة النقدية على مجموعة البلدان النامية كانت ما يلي:

1- زيادة العجز في موازين المدفوعات.

2- استنزاف الاحتياطيات النقدية: أثرت الأزمات النقدية وحالة الفوضى في نظام النقد الدولي بعد مغيب شمس بريتون وودز على موقف الاحتياطيات الدولية لمجموعة البلدان المتخلفة، وذلك من خلال التقلب الذي حدث في أسعار صرف العملات القوية على الصعيد العالمي خلال الفترة من 1976م حتى 1980م، وأيضًا من خلال التقلبات الشديدة التي حدثت في الأسعار العالمية للذهب في الأسواق الحرة، وبالتالي حدوث تقلبات مناظرة في قيم الاحتياطيات المكونة به.

3- استيراد التضخم: يقصد بالتضخم المستورد: مدى تأثير العوامل الخارجية على المستوى العام للأسعار داخل اقتصاد ما، وتم هذا الاستيراد من خلال ارتفاع أسعار واردات هذه البلدان بسبب عدم استقرار أسعار الصرف للعملات القوية التي تستخدمها في تعاملها الخارجي، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الفائدة على القروض الخارجية التي حصلت عليها من أسواق النقد العالمية.

4- تدهور أسعار الصرف للعملات المحلية: نتيجة لربط أسعار صرف العملات المحلية بعملة منفردة أساسية أو بسلة من العملات فإن أيًّا من هذه النظم لم يضمن الاستقرار أسعار الصرف؛ وذلك لأن العملة التي حدث فيها الربط عرضة دائما للتقلب؛ بسبب اضطراب أحوال النقد العالمية، وشيوع الحرب التجارية والنقدية في ساحة الاقتصاد الرأسمالي العالمي.

5- انخفاض حجم المعونات الإنمائية: لقد أثرت الأزمة النقدية العالمية على حجم المعونات الإنمائية الرسمية الممثلة في القروض الحكومية ومتعددة الأطراف ذات التكلفة الميسرة نسبيا، فنتيجة للاضطرابات النقدية عمدت الدول المانحة لتلك المعونات إلى تقليص الموارد التي تخصصها للبلدان المتخلفة، الأمر الذي كان له بالغ الأثر على تمويل التنمية وتمويل العجز في موازين مدفوعاتها، وبالتالي اضطرارها إلى زيادة اعتمادها على وسائل التمويل الخارجية (البنوك التجارية وتسهيلات الموردين) ذات التكلفة العالية.

6- الوقوع في فخ المديونية الخارجية: ولقد ترتب على هذا النمو الانفجاري في الديون الخارجية الآثار التالية:

- حدوث نمو فلكي في أعباء خدمة هذه الديون؛ حيث ارتفعت مدفوعات الأقساط والفوائد للدائنين من 6 بليون دولار (منها 2 بليون مدفوعات للفوائد) عام 1970م إلى 130 بليون دولار (منها 74 بليون دولار للفوائد) عام 1985م.

- ترتب على ذلك: أن تلك المدفوعات أصبحت تلتهم نسبًا هامة من إجمالي حصيلة الصادرات للبلدان المدينة.

- نمو أعباء الديون بمعدلات أسرع من نمو الديون نفسها، بمعنى أن تلك الأعباء أصبحت تلتهم الجزء الأكبر من القروض السنوية الجديدة، وفي بعض البلدان أصبح هذا الانتقال سالبًا، أي أن مجموع الفوائد والأقساط المدفوعة أصبح يزيد عما تقترضه هذه البلدان سنويًّا.

- نمو أعباء الديون بمعدلات أسرع من نمو حصيلة الصادرات، مما أدى إلى خلق أزمات طاحنة في النقد الأجنبي في البلدان المدينة، وتدهور سريع في أسعار الصرف للعملات المحلية فيها.

- بدأ عدد لا بأس به من هذه البلدان يتعثر في سداد ديونه الخارجية في مواعيدها المستحقة؛ الأمر الذي أدى إلى إضعاف الثقة الائتمانية فيها لدى أسواق الاقتراض الدولية، ونتج عن ذلك حذر الدائنين، وتشددهم في شروط الإقراض، وزيادة أسعار الفائدة، والمطالبة بضمانات متنوعة.

[تعقب]

ومن الجدير بالذكر أن التغيرات السابق ذكرها والمؤسسات المالية الدولية الكبرى آليات ضخمة لتمرير كثير من الأهداف الخاصة للدول الغربية والشركات الكبرى؛ فمثلا ليس من المصادفة أن يكون جل القائمين على المراكز القيادية في المؤسسات المالية الدولية من الغرب، وليس من المصادفة أيضًا أن تكون تجارة أغلب الدول النامية (أغلبها من الدول الإسلامية) في المواد الخام، والملاحظ أيضًا أنه مع تأخر نشوء منظمة التجارة العالمية نحوًا من أربعين عاما عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلا أنها حاولت جاهدة أن تجعل القيود الكبرى في التجارة على الدول النامية، بحيث تكون الدول الغربية هي المستفيد الأكبر من المنظمة.

وبالرغم من ذلك ينبغي أن نتذكر أن الصراع سنة من سنن الله الكونية التي تدفعنا للعمل والبذل دون الاكتفاء بمجرد معرفة الآخرين وممارسة دور الضحية، والبشائر الآن كثيرة تدل على أن الدول الإسلامية حين تتحرك وفق تخطيط اقتصادي سليم وفق رؤية إسلامية واضحة؛ فإن الله قد حباها من الخيرات ما يكفل لها رزقها واغتنائها عن كثير من الدول الغربية، وأكثر مورد اقتصادي يحسد الغرب المسلمين عليه هو المورد البشري، وهناك تجارب ثرية تستحق الدراسة والتأمل؛ مثل تجرية ماليزيا وتركيا وإندونيسيا من الدول الإسلامية، وتجارب أخرى مهمة لدول غير إسلامية؛ مثل الدانمارك والسويد والنرويج.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة