مدخل:
من خلال ما يزيد على أكثر من مائتي عام عرف نظام الاقتصاد العالمي نحو ما يزيد على ثلاثة وثلاثين أزمة اقتصادية مختلفة، وما يزيد على 112 أزمة مصرفية تختلف من حيث مدتها ونوعها وتأثيرها على مستوى النشاط الاقتصادي، وهي حصيلة تراكمية لاختلالات جوهرية في الأنظمة السائدة، وليست أخطاء فردية ولا مجرد انحراف يسير عن مسار الطريق.
تُعرَّفُ الأزمة بأنها: اضطراب فجائي يطرأ على التوازن الاقتصادي في بلد ما أو عدة بلدان، ممهدًا لحالة ركود اقتصادي، وقد تطلق بصفة خاصة على الاضطراب الناشئ عن اختلال التوازن بين الطلب الكلي والعرض الكلي، فإذا كان هناك إنتاج أكثر من الطلب الكلي، فترتفع مستويات المخزون لدى الشركات المنتجة، فما لم يصاحب ذلك تحفيز للطلب الكلي، فستضطر الشركات إلى تخفيض إنتاجها، مما يستدعي تسريح عدد من الموظفين، فتنخفض دخولهم، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمة.
تتمثل في الانخفاض المفاجئ في أسعار نوع أو أكثر من الأصول المالية، كالعملة، أو الأسهم، أو السندات، أو الأصول العقارية، وهذا الانخفاض يحدث في مرحلة أولى، ثم قد تمتد إلى غيرها من القطاعات الاقتصادية الأخرى، فتنقلب من أزمة مالية إلى أزمة اقتصادية؛ كما حدث في أزمة عام 2008م.
مؤشرات وأعراض الأزمة الاقتصادية والمالية:
* انخفاض معدلات الاستهلاك والإنفاق والادخار والاستثمار.
* ارتفاع معدلات البطالة.
* انخفاض عام في المبيعات.
* انخفاض في بعض أسعار الأصول.
* تراجع مستويات الدخول.
* تنامي ظاهرة تصفية وإفلاس المؤسسات.
* هبوط المؤشر العام في البورصات.
نماذج من الأزمات الاقتصادية والمالية:
أزمة الكساد الكبير 1929 – 1932م:
هي أزمة اقتصادية بدأت عام 1929م، وتُعتبر أكبر وأشهر الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين، وكان سببها الرئيس نقص الطلب، ولكن لم تتضح للجميع إلا مع انهيار سوق الأسهم الأمريكية في 29 أكتوبر 1929م والمسمى بالثلاثاء الأسود، وكان تأثير الأزمة مدمرًا على كل الدول. تقريبا. الفقيرة منها والغنية، وانخفضت التجارة العالمية قريبًا من النصف، كما انخفض متوسط الدخل الفردي وعائدات الضرائب والأسعار والأرباح، وفي الولايات المتحدة كان أكثر المتأثرين بالأزمة المدن، وخاصة المعتمدة على الصناعات الثقيلة، كما توقفت أعمال البناء تقريبًا في معظم الدول، كما تأثر المزارعون بهبوط أسعار المحاصيل بحوالي 60% من قيمتها، وكانت المناطق المعتمدة على قطاع الصناعات الأساسية -كالزراعة والتعدين وقطع الأشجار- هي الأكثر تضررًا؛ وذلك لنقص الطلب على المواد الأساسية، بالإضافة إلى عدم وجود فرص عمل بديلة.
الأزمة المالية الآسيوية 1997 – 1998م:
كانت دول شرق آسيا تحاول جاهدة في تطبيق سياسة الاقتصاد الرأسمالي الحر الذي يعتمد على تخفيف القيود والقوانين على رؤوس الأموال، وتشجيع الاستثمار الخارجي، والحفاظ على معدلات الفائدة الداخلية العالية من أجل استيعاب استثمار المحافظ ورأسمال البنوك، وخفض قيمة العملة المحلية مقابل الدولار من أجل طمأنة المستثمرين الأجانب من مخاطر العملة. وحصل تدفق هائل من رؤوس الأموال الأجنبية إلى أسواقها نتيجة ذلك، وقد تعرضت قطاعات الصادرات في هذه الدول لهزة شديدة أضعفت من قدرة المنافسة البضائع هذه الدول وذلك بعد قيام الصين عام 1994م بخفض أسعار صرف عملاتها، وصاحب ذلك خروج لبعض الرساميل المالية خاصة من الأسواق المالية، مما عجل بانهيارها. كانت البداية مع تايلاند في تموز عام 1997م عندما تراجعت عملتها (البات) على نحو عنيف وغير متوقع؛ لينتشر الفزع إلى الدول الآسيوية المجاورة، وينتج عن هذا تراجع باقي العملات الآسيوية مثل: الروبية الإندونيسية، والوون الكوري الجنوبي، بجانب الرينغيت الماليزي؛ ليؤدي هذا إلى انهيار أسواق المال الأسيوية، وتأخذ الأزمة شكلًا عالميًّا انهار على إثرها سعر برميل النفط ليصل إلى 8 دولار في نهايات عام 1998م، وهو ما أدى إلى حدوث أزمة أخرى بين الدول المصدرة للنفط في منظمة أوبك.
أزمة الرهون العقارية 2008 - 2009م:
شهد القطاع العقاري ازدهارًا كبيرًا في أمريكا بعد انهيار الأسهم بعد فقاعة الإنترنت عام 2000م، أدى إلى ارتفاع مستمر في أسعار المساكن وزيادة الطلب؛ حيث شكل امتلاك مسكن أفضل استثمار للأفراد. وفي الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية يتم تقديم القروض العقارية المشتري المساكن مقابل رهن المسكن حتى يتم تسديد القرض، ويتم تصنيف المقترضين إلى صنفين: مقترضين ذوي ملاءة مرتفعة، ومقترضين ذوي ملاءة أقل، ويطلق على القروض المقدمة للصنف الثاني: «قروض منخفضة الجودة»، ومع استمرار ازدهار القطاع العقاري لفترة طويلة زاد حجم «القروض منخفضة الجودة» لثقة الجميع أنه لا توجد مخاطر كبيرة؛ ولأغراض زيادة التوسع في الإقراض قامت شركات الرهن العقاري بإصدار سندات مدعومة بقروض الرهن العقاري، وتهافت المستثمرون المؤسسيون -مثل البنوك وصناديق التحوط العالمية على الاستثمار في هذه السندات ذات العائد الأعلى، ومن المهم التأكيد بأن غالبية قروض الرهن العقاري لمنخفضي الملاءة لم تكن لشراء منازل؛ وإنما إعادة تمويل منازل مملوكة أصلا للمقترضين؛ حيث بلغت نسبتها 60-70% تقريبًا من إجمالي القروض، فأصبحت المساكن أشبه بآلة صراف» للحصول على السيولة.
وبدأت المشكلة بالظهور للعلن عندما عجز العديد من المقترضين عن سداد الأقساط المستحقة؛ نظرًا لارتفاع أسعار الفائدة؛ حيث إنها متغيرة، وليست فوائد ثابتة، والإجراء المتبع في هذه الحالة أن تقوم شركات الرهن العقاري بعرض المسكن للبيع للحصول على مستحقاتها، وهو ما أدى بالتالي إلى تراجع أسعار هذه المساكن؛ نظرًا لزيادة المعروض وزيادة الديون المعدومة لدى شركات الرهن العقاري، ومع تفاقم الأزمة وجدت العديد من البنوك وصناديق الاستثمار أن سندات الرهن العقاري التي اشترتها لم تعد لها قيمة.
وفي سبتمبر 2008م بدأت الأزمة المالية العالمية والتي تعد الأسوأ من نوعها منذ زمن الكساد الكبير سنة 1929م، ابتدأت الأزمة أولا بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم امتدت إلى دول العالم، لتشمل الدول الأوروبية والآسيوية، والدول النامية التي يرتبط اقتصادها مباشرة بالاقتصاد الأمريكي، وقد بلغ عدد البنوك التي انهارت في الولايات المتحدة خلال العام 2008م 19 بنكًا، بدأت هذه الأزمة كأزمة مالية ثم تحولت إلى أزمة اقتصادية كبرى، وتُعد الأزمات المالية المتعلقة بالتمويل والقطاع المصرفي هي الأشد تأثيرًا على الأداء الاقتصادي، وقدرت خسائر أسواق الأسهم العالمية في 2008م أكثر من 30 تريليون دولار، وبلغت خسائر أسواق العقار في نفس العام أكثر من 30 تريليون دولار.
الحلول الرأسمالية للأزمات المالية:
تفاوتت تطبيقات الدول في الحلول المتخذة للمشكلات على مدى الخمسين سنة الماضية، وهذه قائمة بعض الحلول باختصار:
* دخول الحكومة مباشرة في شراء أصول مالية منهارة؛ مثال: شراء الحكومة الأمريكية أسهم البنوك التجارية المتضررة من الأزمة. تطبيق أدوات السياسة المالية والنقدية، وذلك بزيادة ونقصان الضرائب وسعر الفائدة وعمليات السوق المفتوحة.
* التعاون الدولي بين البنوك المركزية في مواجهة تلك الكوارث والتنسيق لتثبيت أسعار الفائدة.
* تقديم حزم معونات كبيرة للمتضرر من الشركات المهمة للاقتصاد الوطني.
* تقديم بعض العون للمواطنين المتضررين من الأزمات عبر آليات؛ مثل: إعانة العاطلين عن العمل، وتوفير مساكن مؤقتة مدعومة من الحكومة للمتضررين من أزمة الرهن العقاري.
ومن الجدير بالذكر أن مثل هذه الحلول لا ترقى لمعالجة أصل المشكلة، وإنما هي مسكنات تؤجل تفاقم الأزمة دون حلها، والدليل على ذلك أن هذه الحلول طبقت أكثر من مرة دون أن تمنع تكرار وقوع هذه المشكلات.
الاقتصاد الإسلامي في مواجهة الأزمات الاقتصادية:
كشفت الأزمة أن أحد أهم منابع الخطر النظامي في القطاع المالي هو اختلال العلاقة بين الأصول والالتزامات، وبالرغم من المساعي الدولية لاحتوائه فإنه لا يزال هناك الكثير من التحديات، وتبين هذه الأحداث أهمية مبادئ التمويل الإسلامي وأثرها البالغ في فهم مصادر الخلل؛ ومن ثم حفظ استقرار النظام المالي.
يقرر الاقتصاد الإسلامي أن التمويل يجب أن يكون تابعًا للنشاط الحقيقي؛ ولهذا أجاز البيع بأجل وحرم الربا مع وجود هامش الأجل في الحالتين، ولكن الهامش في البيع تابع لمبادلة حقيقية تولد قيمة مضافة بخلاف القرض فإنه تمويل مستقل عن النشاط الحقيقي، فلا يوجد في التمويل الإسلامي وسيلة لإنشاء ديون ربحية بمعزل عن تبادل السلع والخدمات التي تعين على نمو الثروة، وتحقق الرخاء الاقتصادي الحقيقي.
إن الاقتصاد الإسلامي يقدم المبادئ الأساسية التي اتفقت عليها الأديان السماوية؛ مثل: تحريم الربا والميسر، ووجوب الزكاة وإنظار المعسر، وهذه المبادئ تحمي المجتمع من مصادر الخلل في النشاط الاقتصادي؛ ولذا يجب أن تنتهج السياسة الاقتصادية الحد من المديونية التي تمكن من استقرار النظام؛ وبالتالي استقرار الأسعار؛ فالمخرج من هذه الأزمات ليس بضخ المزيد من السيولة والتشجيع على الاقتراض؛ وإنما بالتوجه نحو القطاع المكمل للأسواق وهو القطاع غير الربحي من خلال التكافل والمواساة.
إن الاقتصاد الإسلامي يحقق التوازن بين القطاع الربحي المتمثل بالسوق، وبين القطاع غير الربحي المتمثل بالمؤسسات غير الهادفة للربح، والمؤسسات التطوعية والاجتماعية والتنموية، وهذا الاحتواء يسمح باحتواء الآثار السلبية للأسواق، كما أن الزكاة في الاقتصاد الإسلامي ضرورية الاستقرار الاقتصاد من جهتين: أنها تحاصر المديونية وتمهد لاستئصال الربا من الاقتصاد، ولأنها تعمل على امتصاص الآثار السلبية للدورات الاقتصادية، وتساهم بفعالية في الخروج من الركود الاقتصادي بعد وقوعه؛ لأنها تمنع الكنز وتجبر الموسر على الإنفاق.
كما أن إنظار المعسر من المبادئ المهمة التي تحفظ السوق من تداعيات الانهيار، فالإنظار يحفظ الأسعار ويقلل من سرعة انخفاضها، وهذا يحقق مصلحة الدائن والمدين معًا، فالمدين ينتفع بالإمهال، والدائن يحتفظ بقيمة أصوله متماسكة، وبالتالي تقل احتمالية الانهيار والإفلاس.
ومما سبق نستخلص أن تحريم الربا من شأنه أن يضبط التوسع في الائتمان بحيث لا تتحول السوق في مرحلة الصعود إلى حالة الفقاعة التي تهدد الاقتصاد، أما في حالة الهبوط فإن سائر أوجه التكافل والمواساة والنشاط غير الربحي من شأنها أن تقلل معدل تراجع أسعار الأصول، ومن ثم حفظ السوق من حالة الانهيار.
* الأزمات المالية في ضوء الاقتصاد الإسلامي.
د. سامي السويلم، 2012م