أصول المنهيات الشرعية في المعاملات المالية[1]:
من محاسن الشريعة الإسلامية ومظاهر سماحتها أن المعاملات المحرمة فيها محصورة في دائرة ضيقة، بخلاف المعاملات المباحة، وتنحصر أصول المنهيات الشرعية في باب المعاملات المالية بما يلي:
متى ما اشتملت المعاملة على ظلم من أحد العاقدين للآخر أو لغيرهما، فإنها تكون محرمة، والأصل في ذلك قول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ } [النساء: 29]، والظلم يفسد الرضا في العقد، فهو من أكل المال بالباطل، والظلم في البيوع له صور متعددة، منها: الغش، والنجش، وبيع الرجل على بيع أخيه، وشراؤه على شرائه، وسومه على سومه، والاحتكار، والبيع الذي فيه إعانة على المعصية.
وهو بيع مجهول العاقبة، فالغرر مبناه على الجهالة، وهذه الجهالة إما أن تكون في المبيع أو في الثمن.
* العلاقة بين الغرر والقمار:
القمار كالغرر عقد مبناه على الجهالة، متردد بين الغنم والغرم، والفرق بينهما أن القمار يكون في الألعاب والمسابقات بينما الغرر يكون في المبايعات.
* العلاقة بين الغرر والميسر:
الغرر أحد نوعي الميسر؛ لأن الميسر نوعان:
· القمار المحرم: أي الذي فيه مال، وهو بمعنى الغرر كما تقدم.
· اللهو المحرم: ولو بدون مال، وقد سئل بعض السلف عن الميسر، فقال: كل ما ألهي عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر.
* العلاقة بين الغرر والمخاطرة:
المخاطرة أعم من الغرر، فالمخاطرة نوعان:
· مخاطرة بسبب الجهل بالمبيع أو بالثمن، فهذه مقامرة وغرر.
· مخاطرة بسبب عدم تحقق العاقد من كونه رابا في الصفقة التي دخل بها، أي أنه يعلم المبيع والثمن لكنه لا يدري هل الثمن مناسب أم لا؟ وهل سيربح في السلعة بعد ذلك أم لا؟ فهذه المخاطرة ليست من الغرر، بل ولا تخلو منها أي تجارة.
لا يكون الغرر محرمًّا، ولا يترتب عليه أثر حتى تتوافر فيه أربعة شروط:
الشرط الأول: أن يكون كثيرًا، فإن كان يسيرًا لم يؤثر في صحة العقد.
الشرط الثاني: أن يكون في المعقود عليه أصالة، فإن كان الغرر فيما يكون تابعًا للمقصود بالعقد فإنه لا يؤثر في العقد.
الشرط الثالث: ألا تدعو للعقد حاجة، فإن كان بالناس حاجة إلى العقد الذي فيه غرر، فالعقد صحيح ولا أثر للغرر فيه.
الشرط الرابع: أن يكون في عقد معاوضة، فلو كان الغرر في عقد تبرع لم يؤثر.
بعض تطبيقات الغرر في المعاملات المعاصرة:
* التأمين التجاري:
لأنه عقد يقوم على المقامرة والغرر؛ إذ هو عقد معلق على أمر محتمل قد يقع وقد لا يقع، ولأن كلا من طرفي العقد لا يدري عند إنشائه ما سيأخذ ولا ما سيعطي، وبقدر ربح أحد الطرفين تكون خسارة الأخر، فالعقد دائر بين الغنم والغرم، وهذا حقيقة عقد الغرر.
* المسابقات التجارية:
التي يكون الدخول فيها بعوض: فهذه محرمة، ولو كانت قيمة الاشتراك زهيدة؛ لأن فيها غررًا ظاهرًا؛ إذ إن المتسابق يدفع قيمة الاشتراك وقد يريح الجائزة فيكون غانما، وقد لا يربح شيئًا فيكون غارًما، فهذه المسابقات من الميسر.
الربا نوعان:
* النوع الأول: ربا الديون:
وهو الربا الذي يكون في عقود المداينات؛ كالقروض، والبيوع الآجلة، وهو على نوعين:
1- الزيادة في الدين عند حلوله.
2- الزيادة المشروطة في أصل القرض.
* النوع الثاني: ربا البيوع:
وهو الربا الذي يكون محله عقود المعاوضات والمبادلات التجارية، وهو قسمان:
- القسم الأول: ربا الفضل:
وهو بيع المال الربوي بجنسه متفاضلًا.
من أمثلته:
· مبادلة صاع من التمر السكري بصاعين من التمر البرحي مع التقابض في الحال.
· مبادلة مائة جرام ذهب جديد بمائتي غرام ذهب قديم مع التقابض في الحال.
· مبادلة مائة ريال سعودي ورقي بثمانية وتسعين ريالًا معدنيًّا مع التقابض في الحال.
- القسم الثاني: ربا النسيئة:
هو الربا الذي يكون سببه النسيئة؛ أي التأخير.
من أمثلته:
1- مبادلة صاع تمر بصاع بر مع عدم التقابض في الحال.
2- مبادلة مائة جرام من الذهب بمائة جرام من الذهب مع عدم التقابض.
3- مبادلة مائة ريال سعودي بمائة درهم إماراتي مع عدم التقابض.
الفروق بين ربا الديون وربا البيوع:
يختلف ربا البيوع عن ربا الديون في أمرين:
الأول: أن ربا البيوع محرم تحريم وسائل، أما ربا الديون فإنه محرم تحريم مقاصد.
الثاني: أن ربا البيوع لا يجري إلا في الأصناف الستة السابقة وما ألحق بها، أما ربا الديون فإنه يجري في جميع الأموال بإجماع العلماء، يدل على ذلك أن الربا الجاهلي الذي نزل القرآن بتحريمه كان في الإبل، والإبل ليست من الأموال الربوية المنصوصة ولا هي في معناها.
* بيع العينة:
وهو أن يشتري شخص سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها على البائع بثمن أقل نقدًا، وهو بيع محرم؛ لأنه حيلة على الربا.
* قرض جر نفعًا:
اتفق العلماء على أن اشتراط الزيادة في بدل القرض للمقرض محرم، وأنها من الربا، سواء كانت الزيادة في القدر، أو كانت الزيادة في الصفة، أو كانت الزيادة منفعة.
والأصل في ذلك أن موضوع عقد القرض الإرفاق والقرية، فإذا شرط المقرض فيه الزيادة لنفسه خرج عن موضوعه، فمنع صحته؛ لأنه يكون بذلك قرضًا للزيادة لا للإرفاق والقربة.
هناك مئات الأمثلة على العمليات الربوية الموجودة في الممارسات البنكية والاستثمارية، ومن أشهرها:
* الحساب الادخاري، حساب يقدم فوائد ربوية.
* جدولة الديون، فيها تأخير السداد مقابل زيادة الدين في حال تعثر العميل.
* كشف الحساب الجاري، والمقصود أن يصرف البنك الشيك الصادر من العميل مع أن حسابه لا يغطيه، فيكون قرضًا بفائدة. بيع الفوركس، والمقصود به بيع النقود على المكشوف، أي أن البنك يبيع النقود وليست عنده.
* الرهن العقاري؛ حيث يقرض البنك العميل مبلغًا يشتري به بيتًا مع رهن صك البيت عند البنك، فتكون العملية قرضًا ربويًّا.
* عمليات البيع على الهامش؛ حيث يقوم البنك بإقراض عميله الذي يتعامل بالأسهم مبلغًا بفائدة ربوية، بحيث يشتري العميل أسهمًا يضيفها إلى محفظته الموجودة في البنك نفسه.
* عمليات خصم الأوراق التجارية، والمقصود بها أن يشتري البنك ورقة تجارية مؤجلة بثمن حال، ومن أشهر الأوراق التي تشترى الكمبيالة.