ثانيًا: بطاقات السفر والترفيه:
وهذا النوع هو الثاني من حيث الترتيب التاريخ نشوء البطاقات، وقد بدأت بظهور شركة داينرز كلوب، ثم توسع جدًّا بقيام شركة أمريكان اكسبرس بإصدار بطاقة ما تزال موجودة ومشهورة إلى الآن وتسمى اختصارًا بطاقة أمكس؛ وهي البطاقة الخضراء والذهبية (الخضراء ذات سقف ومزايا أقل من الذهبية)، وهي شبيهة بالبطاقات الائتمانية في كل شيء تقريبًا؛ كالرسوم على العضوية، والخصم على البائع، والتفاوت في المزايا المقدمة حسب البطاقات -ذهبية كانت أو فضية- ولكن الشركات المصدرة لهذا النوع من البطاقات تشترط أن يقوم حامل البطاقة بسداد كامل المبلغ الدائن في نهاية مدة السماح الممنوحة له، والتي قد تصل إلى أربعين يوما، ويدخل في ذلك المبالغ المستحقة من شراء السلع والخدمات ومن السحب النقدي.
والملحوظات الفقهية على هذا النوع مثل التي على النوع الائتماني -فتنظر في الأسفل- ما عدا التقسيط الربوي، فهو غير موجود في هذه البطاقات، ولكن البطاقة مع عدم تقسيطها الدين، فهي تضع غرامة على تأخر العميل لو تأخر في السداد، ولا شك بحرمة ذلك؛ لأنه من ربا الجاهلية.
هذا النوع هو النوع الأكثر شهرة، وإليه ينصرف اسم البطاقات إذا أطلق من دون تقييد، والأصل في بدايات هذا النوع أن يصدر من بنك تجاري لا يوجد فيه حساب نقدي لحامل البطاقة، ويقوم البنك المصدر بسداد فواتير المشتري في أي مكان يقبل بهذه البطاقة، وتدفع للمحل كامل المبلغ إلا جزءا يسيرًا منه (يتراوح من 2% إلى 6%)، ثم ترسل شركة البطاقة للعميل فاتورة شهرية بكل السحوبات التي سحبها، وكل قيم السلع التي اشتراها، ولكنها تطلب منه فقط أن يدفع الحد الأدنى، وهذا العمل من البطاقة يسمى تدوير الائتمان، والمقصود منه أن يسدد العميل جزءا يسيرًا من الدين قد لا يتجاوز 5%، ويقسط الباقي للشهر التالي، وهكذا كل شهر، حتى يكمل العميل سداد المبلغ، وغني عن البيان أن ذلك التقسيط يكون بزيادة ربوية شهرية تتراوح من 1-2% شهريا، ولكن العميل لو سدد كامل المبلغ الدائن فلن يدفع الزيادة الربوية.
وهذه البطاقات تتفاوت في المزايا التي تقدمها لحاملها؛ ولذلك تجد البنوك التجارية تصنفها حسب المزايا، فتجعل أقلها مزايا النوع التقليدي (الكلاسيكي) أو الفضي، والنوع الذي بعده في المزايا هو النوع الذهبي، والذي بعده البلاتيني أو الخاص برجال الأعمال والفئات المختارة من البنك، وأهم المزايا التي تتفاوت فيها هذه البطاقات هي: مزية السقف الائتماني الممنوح لحامل البطاقة، والذي يسمح له بالسحب نقدًا أو الشراء السلعي. ومن المزايا الموجودة في البطاقات الذهبية والأعلى منها: التأمين على البضائع وعلى حامل البطاقة، وتقدم بعض البطاقات مزايا غير مالية؛ كالحجز في المطار أو الفنادق.
ونظرًا لكون بعض العملاء ليس مؤهلًا ائتمانيًّا للحصول على بطاقة ائتمانية، تقوم بعض البنوك بمطالبة الزبون بإيداع مبلغ مالي عندها تبقيه رهنًا مقابل عمليات البطاقة، ويسمى هذا النوع البطاقة الائتمانية المضمونة، فإذا قام حامل البطاقة باستخدامها قام البنك بعمل ما تم شرحه سابقا، كالبطاقة الائتمانية المعتادة من دون أن يخصم من حسابه مباشرة، ولكن لو لم يسدد في الأجل المحدد، قام البنك بالسحب مباشرة من حساب العميل المودع لدى البنك.
[البطاقة الائتمانية الإسلامية]:
ومن المهم أن يتضح للقارئ أن البنوك الإسلامية تقدم هذا النوع من البطاقات، ولكنها لا تقدم خدمة تقسيط الدين، لأنه ربا محرم، وبهذا تصبح بطاقة الائتمان المقدمة من البنوك الإسلامية مثل بطاقة السفر والترفيه، من حيث إلزام العميل بدفع كامل الرصيد الدائن نهاية الشهر بدون تأخير، ولكنها تسمى في السوق البطاقات الائتمانية الإسلامية.
وأوضح الملحوظات الفقهية على هذا النوع: تقسيط الدين بفائدة [الائتمان المدار]، وهذا لا شك في حرمته، سواء كان الدين من شراء سلع أو خدمات أو دين بسبب السحب النقدي، فهو ربا الجاهلية المحرم بالقرآن والسنة، ويُشْكل في البطاقة كذلك رسم العضوية؛ لأن البطاقة بطاقة قرض، فلا يجوز رسم العضوية إلا بقدر التكلفة الفعلية، ولا يزيد، وإن زاد عن التكلفة الفعلية فهو ربا على القرض المقدم من البطاقة للعميل، ومن الملحوظات كذلك المبلغ المخصوم على البائع من قبل البنك، وقد تفاوتت آراء العلماء فيه بين التحريم؛ لأنه مثل خصم الأوراق المالية، والقول بالجواز، لأنه سمسرة للبنك مقابل أتعابه في تحصيل الدين وغيره من الأعمال الإدارية، وتميل كثير من اللجان الشرعية في البنوك الإسلامية للقول بجواز هذا الخصم على البائع، ولكنهم يقدمون تفسيرات مختلفة لذلك، أشهرها أنه سمسرة، كذلك يشكل شراء الذهب والفضة بالبطاقات الائتمانية؛ وذلك لأن المبلغ سيكون مؤجلًا، والأصل في شراء الذهب والفضة أن يكون يدًا بيد، ولكن كثيرًا من الهيئات الشرعية رأت الجواز؛ بناء على أن الإيصال المصدر من البائع في قوة النقود الورقية في العرف، بل أقوى.
ومن الإشكالات ما يفعله بعض الناس ممن لا يجد بطاقة تصدر من بنك إسلامي، فيأخذ بطاقة ربوية، ويعزم على عدم التأخر في السداد، وذلك بسداد كامل الرصيد الدائن في نهاية مدة السماح، وعدم إتاحة الفرصة للبنك أن يربي عليه، وقد تعرض العلماء لتلك المسألة، وأغلبهم على المنع؛ لأن حامل البطاقة لن يحتكم إلى قاض شرعي، ومن ثم لن يستطيع الامتناع عن دفع المبلغ الربوي، ومن أجاز، نظر إلى أن الشرط الربوي شرط باطل، وكل شرط باطل لا يلزم المسلم الوفاء به، والحقيقة أن الذي يوقع على عقد البطاقة ملزم في كل الأحوال أن يسدد كامل المبلغ الدائن حتى لو كان ربويًّا؛ ولذلك أنصح إخواني المسلمين عدم التوقيع على مثل ذلك الشرط أو الاكتفاء ببطاقة البنوك الإسلامية.
إن بطاقة الائتمان بوضعها العام المعروف عالمية، والمحتوية على شروط ومواصفات قطعية التحريم، مثل: غرامات التأخير، والخصم الذي يقتصه البنك -المصدر لها- من فاتورة التاجر الموقعة من العميل، وتوفير قدر من المنافع لحاملها كالتخفيض، والخدمات الأخرى، هذه «البطاقة الائتمانية». محرمة شرعًا، وحقيقتها: وعد بعقد بيع مركب من ثلاثة أطراف يتضمن بيع دراهم بفوائد معجلة وفوائد حال التبادل، وفوائد أخرى للتأخير متضاعفة كلما تضاعف الأجل، فهو عقد ربوي، كما تتضمن مدفوعات مالية في هذا العقد تصل إلى أحد عشر نوعا، كلها تصب في جيب البنك -المصدر للبطاقة- وواحد من البنك لوكيله -المؤسسة الوسيطة في ترويج البطاقة، و إجراء عقدها مع العملاء.
هذا وقد أصدرت بعض البنوك الإسلامية خيارًا بديلًا للبطاقات الربوية، وحاولت تلافي المحاذير الشرعية، وتختلف هذه البنوك بعضها عن بعض في الاقتراب من الحل الشرعي بحسب قربها من الضوابط الشرعية الصحيحة.
بعد أن تم تطوير الشبكات المالية وامتلاك بعض البنوك لشبكات خاصة بها، قامت بإصدار بطاقات تمكن حاملها من الوصول إلى حسابه لدى البنك والسحب منه عن طريق أجهزة الصراف الآلي، أو استخدام البطاقة في شراء سلع أو خدمات ثم الخصم مباشرة من الحساب عن طريق ما يسمى بنقاط البيع، والعادة أن البنك المصدر للبطاقة لا يأخذ رسمًا سنويًّا عليها من العميل، وكذلك العمليات التي يقوم بها حاملها حين الشراء أو السحب مجانية، وتسمح بعض البنوك لحامل البطاقة بعدد محدد شهريًّا من عمليات السحب من الحساب من أجهزة الصراف الآلي، ثم تكون العمليات الباقية برسم محدد، والأصل جواز الرسم المأخوذ على هذا النوع من البطاقات، لأنها ليست بطاقة قرض، والأجر مقابل خدمات محددة، وقد أتاح البنك استخدامها للعميل، فيستحقها البنك سواء استخدمها حامل البطاقة أم لا.
ومع التطور المستمر في تقنية الاتصالات، أصبح بالإمكان الربط بين الأجهزة التابعة للبنوك عبر شبكات تابعة للدول أو المنظمات، كشبكة فيزا. ولذلك أصدرت البنوك التجارية بطاقات صراف دولية تمكن صاحبها من الوصول إلى حسابه من أي مكان في العالم تقريبا، وتمتاز بطاقات الصراف الدولية باتساع النطاق الجغرافي الذي تقبل فيه، ولذلك تمتاز بارتفاع التكلفة على البنك المصدر، ومن ثم وجد رسم نقدي على كل عملية يقوم بها الزبون، والأصل جواز أخذ البنك لرسم مقطوع معقول على كل عملية يقدمها لحامل البطاقة، وبعض البنوك التجارية تجعل الرسم نسبة مئوية بدلًا من المبلغ المقطوع، ولا بأس به مقطوعًا أو نسبة مئوية، والذي ينبغي الحذر منه: أخذ نسبة مئوية على عمليات يوجد بها قرض؛ نظرًا لقرب هذا الرسم من الفائدة الربوية المحرمة، وصعوبة التفريق بين ما كان رسمًا على خدمة وما كان رسمًا على قرض.
هذا النوع من البطاقات تطبيق حديث للإمكانات التقنية الحاسوبية؛ حيث استطاعت المصانع إنتاج بطاقة بلاستيكية تحوي في داخلها على رقاقة حاسوبية، ويمكن برمجة هذه الرقاقة بحيث تتمكن من التخاطب مع حاسوب البنك أو حاسوب جهاز الصراف الآلي، والأصل في فكرة هذه البطاقة أن تكون قادرة على تخزين نقد إلكتروني يغني حاملها عن الذهاب إلى البنك أو جهاز الصراف، ولكن هذا النوع من البطاقات لم يلق الرواج المتوقع لسببين مهمين:
الأول: أن العميل في حال ضياع البطاقة يفقد النقد الموجود فيها، فهي تشكل مخاطرة كبيرة له.
والثاني: -وهو المهم- أن البنك التجاري المصدر لها يفقد جزءًا مهمًّا من النقود بسبب وجودها خارج نطاق النقود التي يمكن أن يتصرف فيها لصالحه.
ومن هاتين المشكلتين انبثقت فكرة نوع جديد من البطاقات هي البطاقات الذكية متعددة المهام؛ بحيث يكون بمقدور حاملها استخدامها بطاقة ائتمان أو صراف محلية أو دولية أو بطاقة ذكية، ومع أن هذا النوع لم ينتشر الانتشار الكافي إلا أنه نوع واعد وله تطبيقات كثيرة تغني كثيرًا من المستهلكين عن حمل بطاقات كثيرة.