الفصل الأول : أبو بكر الصديق (11- 13هـ) (632- 634م)
هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، وبنو تيم أحد بطون قريش الاثنى عشر وهي ليست من البطون الكبيرة.
يلقب بالعتيق، ويكنى بأبي بكر، ويعرف بالصديق، وكان في الجاهلية من وجهاء قريش وأشرافهم، وكان أعرف قريش بالأنساب، وكان تاجرًا، حرَّم على نفسه الخمر في الجاهلية، ولم يسجد لصنم قط، وكان صديقًا للنبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، ودخوله في الإسلام وسبقه رفعه عمن سواه وأشهره، وهو يعد الشخص الثاني في الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كان أول من أسلم من الرجال، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما حكمت في الإسلام أحدًا إلا أبى عليّ، وارجعني الكلام، إلا ابن أبي قحافة، فإني لم أكلمه في شيء إلا قبله واستقام عليه»، وصحب أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم من حين أسلم، إلى أن تُوفي، وهاجر معه وكان صاحبه في الغار أثناء الهجرة: ﴿ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ ﴾ [التوبة:40] وشهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها، وثبت يوم أحد وحنين، وقد فرَّ الناسُ، وكان من أشجع الناس، يثبت في المعارك، ولا يحيد خطوة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، يدافع ويذود عنه، وكان كريمًا، أنفق معظم ماله في سبيل الله، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ﴿ ١٧ ﴾ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ ﴿ ١٨ ﴾ ﴾ [الليل:17-18] قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما نفعني مالٌ قط ما نفعني مال أبي بكر».
في غزوة تبوك تصدَّق بكل ماله لتجهيز الجيش، وكانت راية المسلمين في يده في هذه الغزوة، أسلم على يده عدد كبير من كبار الصحابة، منهم عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وقد اشترى وأعتق عدد من المعذبين منهم بلال بن رباح، وعامر ابن فهيرة، وزنيرة وغيرهم، بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم أميرًا على الحج في عام (9هـ/630م). وعندما مرض الرسول صلى الله عليه وسلم مرض الموت، قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس».
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، شعر الأنصار، وهم أهل المدينة، أنهم بحاجة إلى اختيار خليفة يتولى شؤون المدينة، وأمر المسلمين، وإلا تعرضت المدينة للتهديد، وقد ظنوا أن المهاجرين ربما يعودون إلى موطنهم مكة، فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وتشاوروا بينهم، واتفقوا على اختيار سعد بن عبادة. علم المهاجرون، فجاء أبو بكر وعمر والزبير وغيرهم، فخطب أبو بكر ومما قاله: إن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش، وأكد عمر على ذلك. فاقتُرِح أن يتولاها مهاجري ثم أنصاري وهكذا. وقوبل هذا بالرفض، ثم اقترح بعض الأنصار: أن يكون من المهاجرين أمير، ومن الأنصار أمير، ورفض هذا الرأي، وعندما اقتنع الأنصار بأحقية المهاجرين في الخلافة وافقوا على البيعة لأبي بكر، فتقدم عمر وبايع أبا بكر، ثم بايعه كل أهل السقيفة، وفي اليوم الثاني بايعه الناس البيعة العامة، وخطب في المسجد، فكان مما قاله: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم، فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم».
كانت فترته قصيرة (سنتين و3 شهور)، وكانت مليئة بالأعمال الجليلة، أهمها:
اقترح الكثيرون عدم إرسال هذا الجيش، نظرًا لردة أغلب سكان الجزيرة، وإحداق الخطر بالمدينة، ورغم ذلك أنفذه أبو بكر، تنفيذًا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم مهما كانت النتائج، وفي إرسال هذا الجيش بيان للجميع بقوة المسلمين المادية والمعنوية، وعاد الجيش منتصرًا، وكان ذلك سببًا في ثبات الكثيرين على الإسلام.
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ارتدت الجزيرة عن الإسلام، ما عدا مكة والمدينة والطائف، فقسم من المرتدين عادوا إلى الكفر واتباع مدّعي النبوة، وقسم امتنعوا فقط عن دفع الزكاة، فأشار الصحابة بعدم قتالهم نظرًا للظروف الحرجة، ولخروج جيش أسامة ابن زيد فرفض بكل شدة، وقال قولته المشهورة: (والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاهدتهم عليه).
بمجرد أن شيَّع أبو بكر جيش أسامة جعل الصحابة على منافذ المدينة لحراستها، وأمر المسلمين بالتواجد في المسجد للطوارئ خوفًا من مهاجمة المدينة، وحصلت غارة فردوها، وكان يخرج بنفسه إلى المنافذ.
جاءت بعد فترة قصيرة صدقات كثيرة، ومن جهات عديدة، وبعد شهرين عاد جيش أسامة منتصرًا كما أسلفنا. فعقد أبو بكر (11) لواءً لقتال المرتدين في كل الجزيرة، أختار لقيادتها أعظم قادة الصحابة، أمثال خالد بن الوليد.
انطلق خالد وقاتل أسد وغطفان وعامر، وكان يقودهم طليحة بن خويلد الأسدي (مدعي النبوة)، فالتقاهم خالد عند بئر بُزاخة، فنكَّل بهم، حتى انهزموا وتابوا.
ثم سار إلى منازل بني يربوع وبني تميم بالبطاح، وقد تنبأت فيهم سجاح، وقاتلهم، فقتل قائدهم مالك بن نويره وأخضعهم.
ثم سارت الجيوش إلى بني حنيفة في اليمامة، وقد تنبأ فيهم مسيلمة الكذاب، نشب قتال ضاري. وانتصر المسلمون أخيرًا. وقتل مسيلمة، وتاب القوم وعادوا إلى الإسلام، وقد استشهد في المعركة عدد كبير من الصحابة، ومن حملة القرآن. وهذا ما حمل أبو بكر فيما بعد إلى التفكير في جمع القرآن بين دفتي مصحف.
أرسل أبو بكر جيوشًا بقيادة حذيفة بن محصن وعرفجة بن هرثمة وعكرمة إلى أهل عمان ودبا ومهرة، فأخضعا تلك الجهات.
ثم أخضعت حضرموت واليمن، وكان قد تنبأ فيها الأسود العنسي. ومن قوادها المشهورين المهاجر بن أبي أمية، وعكرمة بن أبي جهل.
أرسل العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، فأخضعها ودانت له. ثم أخضعت باقي الجهات بالقتال أو عادت إلى الحق بدون قتال، فاستقرت الأمور في الجزيرة العربية، ودانت أطرافها، ورفرف الإسلام عليها.

انتهت حروب الردة، وكان لا بد من الجهاد، وأعداء الدولة كانوا الفرس والروم، وهما أعظم إمبراطوريتين في ذلك الوقت، ولحسن الحظ إنهما كانتا على خلاف وعدم اتفاق وهذا ما سهل مهمة المسلمين، فقاتلوا على جبهتين في وقت واحد.
سيطر الفرس على مناطق واسعة، تشمل العراق، وغرب الشام، وشمال الجزيرة، وخضعت لهم كثير من القبائل العربية، وكانت هذه القبائل تعمل على توطيد سلطان الفرس في مناطقها.
قاد الجيوش الإسلامية في تلك الجهات خالد بن الوليد، والمثنى بن حارثة، فحققوا انتصارات، ففتحوا الحيرة وبعض المدن العراقية، منها الأنبار وعين التمر والفراض وغيرها. بعدها أمر الخليفة خالدًا بالتوجه للانضمام إلى جيوش الشام.
سيَّر أبو بكر إلى الشام الجيوش التالية:
أ- جيش بقيادة يزيد بن أبي سفيان إلى دمشق.
ب- جيش بقيادة عمرو بن العاص إلى فلسطين.
ج- جيش بقيادة شرحبيل بن حسنه إلى الأردن.
د- جيش بقيادة أبي عبيدة بن الجراح إلى حمص (وله القيادة العامة)، وكان مجموعها (21000) مقاتل.
بداية معركة اليرموك (13 هـ/634م):
أمر الخليفة خالد بن الوليد -كما ذكرنا- بالتوجه بجيشه إلى الشام، وتولي القيادة العامة، فنفذ الأمر، وقام برحلة تاريخية متخطيًا الصحاري الشاسعة غير المأهولة. فوصل إلى الشام بعد (18) يومًا، تجمع المسلمون، ووصل عددهم إلى (36) ألف. ونظم خالد الجيش وقسمه، وكان ذلك على رافد من روافد نهر الأردن يسمى (اليرموك)، نشب القتال، وكان عنيفًا، وأثناء ذلك جاء البريد بموت الخليفة أبو بكر وتولية عمر، وعزل خالد عن القيادة، وتأمير أبي عبيدة، وذلك في جمادى الآخرة عام (13هـ/634م).
ملاحظة:
مما يذكر بالفخر والإعجاب لخالد تلقيه خبر العزل برضا وقبول مع أنه كان في أوج نصره، واستمر يقاتل بجد وإخلاص تحت إمرة القائد الجديد. وقد سبق أن وقف أبو عبيدة نفس هذا الموقف الرائع عندما طلب منه أبو بكر أن يسلم القيادة العامة لخالد.
إنها في الحقيقة نماذج إسلامية رائعة، ستظل ذكراها عطرة على مر السنين.
ومن الأعمال الجليلة التي تمت في عهده جمع القرآن الكريم.
جمع القرآن الكريم عام (12هـ/633م):
أمر الصديق زيد بن ثابت أن يجمع القرآن من اللحاف والعسب وصدور الرجال، وذلك بعد استشهاد عدد كبير من القراء في معركة اليمامة، بقصد المحافظة على القرآن من الضياع، وكان عمر قد أشار عليه بذلك، فجمع القرآن بين دفتي مصحف واحد، فكان هذا أول جمع للقرآن.
لما شعر أبو بكر بمرض الموت واشتد عليه، أراد أن يولي خليفة بعده حتى لا يختلف المسلمون، فوقع اختياره على عمر، فاستشار كبار الصحابة، فكلهم أيد ذلك فكتب وصيته بذلك، ومات الصديق بعدها بأيام. وكان ذلك في جمادى الآخرة عام (13هـ/634م)، رضي الله عن أبي بكر، لقد قام بأعمال جدُّ جليلة، وتمثلت فيه كل المعاني الإسلامية السامية.
