حجم الخط:

محتوى الدرس (1)

المبحث الأول: مقدمات في التربية

[مقدمة]:

ويسعى هذا المبحث إلى التعريف بالتربية وطبيعتها، وبيان أهميتها على الفرد والمجتمع، والكشف عن وظائفها وأهدافها، وتحديد مجالاتها، وسرد بعض مؤسساتها، وتناول أهم وسائلها أو أساليبها. وفيما يلي توضيح ذلك:

1 - مفهوم التربية:

[في اللغة]:

يتضمن مفهوم التربية في اللغة دلالات عدة، وإن كان يشير جميعها إلى ما ينبغي أن تتضمنه التربية من ممارسات، وما يجب أن تستهدفه من غايات.

1. فتأتي التربية بمعنى الإصلاح والتوجيه؛ إذ معنى ربَّ الشيء أي: أصلحه ورعاه واعتنى به وأحسن القيام إليه ودبَّر أمره؛ كما في قوله تعالى: رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، وقوله جل جلاله: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ [ النساء: ٢٣].

2. وتأتي بمعني النماء والزيادة، وفي هذا قوله تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥]. وقوله عز وجل: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة: ٢٧٦].

3. وتأتي التربية أيضًا بمعنى الرعاية والتعهد بالعناية؛ كقوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: ٢٤]، وقال تعالى على لسان فرعون مخاطبًا موسى عليه السلام بعد أن نشأ وتربى في بيت فرعون: قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ [الشعراء: ١٨]، وكما قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام: قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف: ٢٣].

4. وقد تعني الحكمة والعلم والتعليم؛ كقوله تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: ٧٩]، وتعلِّمون هنا بمعنى تفهِّمون.

وعلى هذا، فليست التربية والتعليم بمعنى واحد؛ حيث تشمل التربية جوانب الشخصية كلها مستعينة في ذلك بمؤسسات متعددة ومتنوعة، ومنها التعليم الذي قد يكون مقصورًا هو ومؤسساته على تحصيل معرفة أو اكتساب مهارة أو تنمية قدرة، وعلى هذا فبين التربية والتعليم فرق يرجع في أساسه إلى الاختلاف في الهدف والمؤسسة التعليمية أو التربوية، الأمر الذي يمكن معه القول: إن التربية أعم وأشمل من التعليم.

أما المفهوم الاصطلاحي للتربية:

فثمة تعريفات عدة للتربية منها:

1. هي: تلك العملية التي يمكن من خلالها تنمية كافة جوانب الشخصية الإنسانية، وتوجيهها وترقيتها للاستفادة منها في بناء المجتمع والمحافظة على هويته الثقافية.

2. هي: جملة الخبرات التي يمر بها الإنسان من بداية حياته حتى نهايتها، وتعدل سلوكه إلى الأفضل.

3. هي: عملية تنمية الإنسان تنمية شاملة متكاملة مستمرة استمرار الحياة نفسها.

4. هي: عملية تشكيل الشخصية السوية المتكاملة في جميع جوانبها: روحيًا وعقليًا ووجدانيًا وخلقيًا واجتماعيًا وجسميًا؛ بصورة تمكنها من التكيّف مع البيئة الاجتماعية التي تعيش فيها.

2 - طبيعة التربية:

[بداية]:

تثير كلمة (التربية) استفسارات عن طبيعتها وأهدافها وخصائصها؛ ومن ذلك سؤال: هل التربية علم يتمتع بقواعد وأسس معينة مثله في ذلك مثل أي علم آخر من العلوم؟ أم أنها فن من الفنون يجب تعلم المهارات الخاصة به حتى نتمكن من اكتسابها؟

والجواب أن الفارق بين العلم والفن فارق جوهري من حيث الدرجة والكيف والهدف؛ فإذا كان من أهم خصائص العلم: وجود قوانين تفسر العلاقات الدائمة بين الظواهر تجاه موضوع معين، فإن الفن تنحصر أهميته في تطبيق قواعد العلم وقوانينه. ومعنى هذا أن غاية العلم غاية نظرية تسعى إلى اكتشاف القوانين في مجال محدد، أما تطبيق هذه القوانين في مجال النفع البشري فليس من اختصاص العلم وإنما هو من اختصاص الفن الذي يسعى إلى التطبيق العملي للنظريات العلمية. فالعلوم التطبيقية هي بالتعبير المنهجي فنون عملية.

وتأسيسًا على هذا، ولما كانت التربية مرتكزة على قوانين وقواعد نظرية تحكمها من خلال التجارب التي يجريها الباحثون في المجال التربوي، فإنها من ثم يمكن أن تتمتع بخاصية العلم.

ومن جهة ثانية: تضم التربية مجموعة وسائل فنية ومهارات معينة تميزها وتخصص طبيعتها، كما أنها تسعى ضمن أهدافها إلى محاولة الاستفادة من النظريات والقواعد التي انتهت إليها الدراسات في الحقل التربوي؛ وذلك بمحاولة تطبيقها في الواقع حينما يمارس المربون وسائلها المختلفة من تهذيب أو تنمية أو تعليم أو تدريس، وهي من ثم تكتسب خاصية أخرى تجعل منها شيئًا متميزًا عن بقية العلوم الأخرى، وهي بهذا المعنى تكون فنًا.

ومن ثم يتضح أن التربية مكتسبة لخاصيتي العلم والفن معًا، وأنها تجمع بينهما في إضافة لا يمكن الفكاك منها.

ولمزيد من التأصيل لإضفاء صبغة العلمية على التربية، فإن هذا يستوجب الوقوف على أهم خصائص العلم الأساس، ثم تطبيقها على التربية للحكم عليها بصبغة العلمية.

[مفهوم العلم]:

فبداية: ما مفهوم العلم؟

عُرِّف العلم بأنه: عبارة عن معرفة مكتسبة قائمة على الملاحظة الدقيقة والتفكير السليم، وتكوَّنتْ وترتَّبتْ بطريقة منطقية سليمة.

كما عُرِّف بأنه: بحث منظم لظاهرة طَبَيعِيّة للوصول إلى مجموعة من القوانين والتصميمات الوصفية التي تفسرها.

وعَرَّف ابن خلدون العلم بأنه: ميزة اختص الله تعالى بها الإنسان عن سائر المخلوقات، وهذه الميزة تقوم على الفكر الذي يهتدي به الإنسان لتحصيل معاشه والتعاون عليه مع بني جنسه، وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى والعمل به، واتباع صلاح أخراه[1].

وبهذا يتبين أن العلم منه ما هو كسبي فيرادف المعرفة في ذلك؛ كما قال عنه تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ [الأنبياء: ٨٠]، ومنه ما هو غير كسبي؛ وهو العلم الإلهي الو هبي اللّدُنّيّ؛ كما قال عنه تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف: ٦٥].

[خصائص العلم]:

كما يتضح من التعريفات السابقة أن للعلم خصائص أساسًا؛ منها:

1. المجالية: حيث يتخذ كل علم مادي -أي خاضع للملاحظة والتجريب والقياس- مجالاً أو موضوعًا محددًا.

2. المنهجية: حيث إن كل علم -في سبيل سعيه للكشف عن الحقائق العلمية، والعلاقات التي تتصل بالظواهر قيد البحث- يعتمد على أساليب وطرق معينة يسلكها الباحثون لإيجاد تفسيرات وحلول علمية لبعض المشكلات التي تنتمي لهذه الظواهر.

3. الهدفية: أي أن يصل العالم أو الباحث إلى حل لموقف مشكل، أو إزالة اللبس والغموض الذي يكتنف موضوعًا بعينه، أو الكشف عن العلاقات التي تحكم وتربط الظواهر بعضها ببعض.

[تطبيق هذا المفهوم على التربية]:

وبعد هذا العرض لخصائص العلم، فإلى أي حد يمكن تطبيقها على التربية كي يمكن وصفها بصفة العلمية؟ بمعنى: هل للتربية مجال محدد؟ وما هذا المجال؟ وهل لها من منهج علمي تسير تبعًا له في معالجة قضاياها؟ وهل تسهم بحوثها في تحقيق أهداف معينة تخدم الإنسان؟

فيما يتعلق بالسؤال الأول -المختص بمجال التربية- فإن للتربية مجالها، وهذا المجال هو الفرد الإنساني، خاصة فيما يتعلق بتنمية الشخصية الإنسانية بصورة متكاملة ومتوازية تعرض للفرد بصفته فردًا، وبصفته عضوًا في جماعة، وذلك في جوانبه المختلفة الجسمية منها والعقلية والخلقية، وكذا في كافة مستوياتها العمرية؛ سواء في الطفولة أو المراهقة أو الشباب أو الكهولة أو الشيخوخة.

وفيما يتعلق بالمنهجية: فإن البحث العلمي في التربية يخضع لطرق محددة وأساليب منضبطة، ولقد ميز البعض عدة طرق أو مناهج للبحث في قضايا التربية، وحصرها البعض في: المنهج التاريخي، والمنهج الوصفي، والمنهج التجريبي، وشبه التجريبي، بل أفرد المتخصصون علمًا قائمًا بذاته أسموه: (مناهج البحث في التربية وعلم النفس)، له معارفه الخاصة، وله المتخصصون فيه.

وأخيرًا فيما يتعلق بالأهداف: فإن معظم البحوث التربوية تحاول أن تقدم وصفًا جيدًا للواقع الذي تعرض له، ويتعدى الكثير منها حدود الوصف إلى التفسير والبحث عن الأسباب والعلل والعوامل المؤثرة في قضاياه، كما يتناول الكثير منها موضوعات تنبًّئية مستقبلية تحاول أن تتجاوز الحاضر باستشراف المستقبل، وهكذا ومن خلال الوقوف على المعارف التربوية المنظمة والهادفة والمنضبطة، وتأسيسًا على هذا، يمكن القول: إن التربية عملية علمية.

3 - مجالات التربية:

[بداية]:

يعد الإنسان هو موضوع التربية ومجالها الرئيس، كما أن تنشئته وتزكيته وتعديل سلوكه وفق مواصفات معينة مرتبطة بهوية المجتمع وتراثه وتطلعاته الثقافية تمثل محور التربية الأساس، وبناءً على علاقة التربية بغيرها من العلوم التي تعتمد عليها تتمثل مجالات التربية في:

1) علم النفس:

الذي يتناول السلوك الإنساني، ويكشف عن السمات النفسية للإنسان وتفاعله مع بيئته، وخصائصه إذا كان فردًا، وسماته إذا كان عضوًا في جماعة. ولهذا العلم فروع مختلفة كثيرة؛ منها: علم النفس التربوي، علم نفس النمو، علم نفس الفروق الفردية، علم النفس العلاجي، علم النفس الاجتماعي، علم نفس الشخصية.

2) أصول التربية:

ويهتم هذا الفرع بالأصول والأسس التي تقوم عليها التربية النشطة المستمدة من كافة العلوم التي تفيد في فهم جوانبها المختلفة؛ مثل علوم: النفس، والفلسفة، والاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، والتاريخ، والحياة، ولذلك تتعدد أصول التربية إلى:

‌أ- الأصول الفلسفية للتربية: وتتناول موضوعات مثل: فلسفة التربية وعلاقتها بأهداف المجتمع، والسياسات التربوية التي تسترشد بها العملية التعليمية.

‌ب- الأصول الاجتماعية للتربية: وتغطي موضوعات مثل: وظيفة التربية تجاه مجتمعها، ومدى تفاعلها مع غيرها من منظمات اجتماعية.

‌ج- الأصول الثقافية للتربية: وتعرض لموضوعات مثل: التأثير المتبادل بين التربية والأوضاع الثقافية بالمجتمع.

‌د- الأصول النفسية للتربية: وتتناول موضوعات مثل: طبيعة المتعلم وقدراته، وطبيعة نموه النفسي والانفعالي، وعلاقة ذلك بأهداف التربية.

هـ- الأصول الاقتصادية للتربية: وتحتوي على موضوعات مثل: الإنفاق على التعليم والعائد الاقتصادي للتربية، ودراسة تمويل التعليم، ودراسة الكفاءة الداخلية والخارجية للتعليم، والتخطيط للتعليم على ضوء حاجات سوق العمل.

و- الأصول التاريخية للتربية: وتغطي موضوعات مثل: دراسة نشأة المؤسسات التربوية وتطورها، والعلاقة بينها عبر العصور، ودراسة تطور الفكر التربوي عبر العصور بما يساعد في فهم الحاضر والتنبؤ بما يمكن أن يكون عليه المستقبل.

ز- الأصول السياسية للتربية: وتتناول موضوعات مثل: دراسة العلاقة بين التربية والنظم السياسية، ودور التربية في التنشئة السياسية.

3) تاريخ التربية:

ويدرس هذا العلم نشأة التربية ويتتبع تطورها في العصور والمجتمعات المختلفة، مُركِّزًا في ذلك على البحث عن خصائص كل عصر، وإضافاته في المجال التربوي، والمؤثرات التي وسمت هذا العصر أو ذاك بوسمٍ خاص.

4) التربية المقارنة:

ويهتم هذا العلم بدراسة نظم التعليم في الدول المختلفة، والعوامل المؤثرة في هذه النظم، وعلاقتها بغيرها من النظم في المجتمعات الأخرى، وإلى أي مدى يمكن الاستفادة من هذه النظم في مجتمعات أخرى، مع وضع الاختلاف بين ظروف المجتمعات في الاعتبار.

5) المناهج وطرق التدريس:

ويدرس هذا المجال الخبرات والنشاطات التعليمية، والأسس التنظيمية لهذه الخبرات، والأهداف التعليمية ومصادر اشتقاقها، ومواصفات المناهج الدراسية من حيث المحتوى والوسائل التعليمية وطرق التدريس وأساليب التقويم وغير ذلك من موضوعات تؤثر في العملية التعليمية.

6) الإدارة التعليمية:

ويتناول هذا الفرع الأصول العامة للإدارة التعليمية، والسلطة والعلاقات الإنسانية في الإدارة التعليمية، والقيادة التربوية وأنماطها، والاتصال ووسائله في الإدارة التعليمية، وغير ذلك من موضوعات تستهدف إتاحة إدارة سليمة تحقق الأهداف المرجوة بأقل تكلفة ممكنة وفي زمن مناسب.

7) التربية الإسلامية:

ويدرس هذا العلم الأصول التربوية الإسلامية، وتاريخ التربية الإسلامية، وفلسفة التربية الإسلامية، والفكر التربوي الإسلامي، وغير ذلك من مفاهيم التربية وقضايا التعليم في ضوء مصادر التشريع الإسلامي، وما يترتب على ذلك من تطبيقات تربوية.

ولقد حدد القرآن الكريم مجالات التربية الإسلامية أو ميادينها في أربعة مجالات؛ ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٩]. وتتمثل هذه المجالات في:

‌أ- مجال العقيدة الإسلامية: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ؛ سواء أكانت تتعلق هذه الآيات بميدان الغيب، أم الاجتماع البشري، أم الكون.

‌ب- مجال الإعداد الفكري والمعرفي: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ .

‌ج- مجال الإعداد الوظيفي والسلوكي: وَالْحِكْمَةَ ، وذلك بما تتضمنه الحكمة من معانٍ كثيرة مثل: الإتقان والإصابة، الحلول الملائمة، التمييز بين الخطأ والصواب، الفهم والمعرفة، صواب الرأي وحسن النظر في الأمور، حسن التقدير والإدارة والتصرف.

‌د- مجال التزكية وتعديل السلوك: وَيُزَكِّيهِمْ أي الإصلاح والتطهير والتنمية؛ سواء أكانت هذه التزكية للنفس، أم للعقل، أم للجسم. وسوف تتضح هذه المجالات لاحقًا بالتفصيل.

4 - أهمية التربية:

[بداية]:

لم يعد الاستثمار في العصر الحالي قائمًا على رأس المال المادي بقدر ما يقوم على رأس المال البشري وقدرة الإنسان على الإبداع؛ وذلك لأن الإنسان هو أهم عوامل التنافس والتنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في المجتمعات.

فالتربية تسعى من خلال مؤسساتها المختلفة إلى إكساب أفراد المجتمع المعارف والقيم والمهارات اللازمة للنجاح في حياتهم، مراعية في ذلك اختلاف مراحل النمو، وخصائص كل مرحلة، وقدرات الفرد وإمكاناته وميوله واستعداداته من ناحية، ومتطلبات سوق العمل والقيمة الاجتماعية والاقتصادية للعمل المنتج من ناحية أخرى.

كما أن العملية التربوية تسعى -من خلال أهدافها وبرامجها وأساليبها- إلى قيادة حركة التغيير وتوجيهها والإسهام في تحقيق التنمية والتحديث، انطلاقًا من كونها عملية اجتماعية تعمل في المجتمع وللمجتمع لتحقيق آماله وأمانيه.

[يمكن إجمال أهمية التربية في]:

وعلى وجه العموم، يمكن إجمال أهمية التربية -على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع- في النقاط الآتية:

1. تعمل التربية على تحقيق الضبط الاجتماعي؛ إذ إنه عن طريقها يمكن التحكم في نوازع الصراع، والظلم بين أفراد المجتمع وفئاته، كما يمكن علاج الانحرافات وإعادة الاستقرار والتوازن إلى مكونات البناء الاجتماعي. وبذلك تعمل التربية على تأمين المجتمع من كل ما قد يهدد تكامل الجماعة وتماسكها، أو مما قد يضعف من توافق الأفراد مع ما يسود الجماعة من قيم وأنماط مقررة، كما أنها تسهم في صيانة النظام الاجتماعي في المجتمع ليتحقق الخير والصالح للمجتمع والفرد.

2. مساعدة الفرد البشري على الحياة في ظروف غير مواتية (التكيف)؛ وذلك عن طريق السعي إلى تغيير الظروف ذاتها، وبما يجعلها متمشية مع ظروف الفرد وحاجاته، أو بتحوير حاجات الفرد وظروفه لتتمشى مع الظروف المحيطة إن استحال تغيير هذه الظروف، أو من خلال التقريب والوفاق والانسجام بين الطرفين -الظروف المحيطة وظروف الفرد وحاجاته- على السواء.

3. مساعدة الفرد على أن ينمو نموًا طبعيًا في حدود ما تؤهله قدراته من الناحية الجسمية والعقلية والعاطفية والروحية والاجتماعية، وبما يسمح له بالتفاعل والفاعلية في مواقف الحياة المختلفة ومع الجماعة التي يعيش فيها.

4. مساعدة الأولاد في أن يتمثلوا معايير ثقافتهم ومعايير توافقهم، كما تحدد وسائل إشباعهم لحاجاتهم المختلفة، وكيفية التعبير عنها اجتماعيا. إنها باختصار تشكل المعالم الرئيسة لشخصياتهم.

5. تنمية شخصية الفرد وتعريفه بمظاهر التغير الثقافي والاجتماعي الحادث في المجتمع، والمشكلات الثقافية والاقتصادية التي تواجهه، من خلال تقبله لثقافة معينة ومشاركته فيها.

6. تشرب الفرد للقيم الاجتماعية الحسنة؛ مثل: التعاون، والحرية، والاستقلال، والاعتزاز بالنفس، والانتماء للجماعة، واحترام الكبير.

7. إكساب الفرد للمبادئ والاتجاهات السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه حتى يسهل اندماجه وتهيئته لمواجهة المشكلات والتحديات الآنية والمستقبلية.

8. تدعيم روح الانتماء إلى الأسرة والمجتمع والوطن، واكتساب القدرة على المبادرة والتعاون والعمل فريقًا واحدًا، وتحمل المسؤولية، واتخاذ القرارات السليمة، وتنظيم الوقت واستثماره.

9. تؤتي التربية ثمارًا مهمة في مساعدة المجتمعات على التعايش الفعال في عالم يتسم بسرعة التغير، وبما يضمن لهذه المجتمعات مكانًا بارزًا على خريطة الوجود العالمي.

10. العمل على محو الأمية بجوانبها المختلفة: الأبجدية، والوظيفية، والتقنية، بما يمكن الأفراد من التفاعل الرشيد مع جملة التغيرات المجتمعية في جوانب الحياة المختلفة.

11. تعزيز ثقافة المجتمع وتدعيمها، بما يمكنها من الصمود في مواجهة الثقافات الوافدة.

5 - وظائف التربية:

إن علاقة الثقافة بالتربية من الأمور التي لا يستطيع أن ينكرها أحد؛ فالتربية لازمة للمحافظة على كينونة المجتمع وهويته، وذلك من خلال المحافظة على ثقافة ذلك المجتمع ونقلها من جيل إلى جيل. والقول أيضًا بأن التربية عملية اجتماعية يحمل ضمنا أنها تختلف من مجتمع لآخر؛ وذلك حسب طبيعة المجتمع الذي توجد فيه والقوى الثقافية المؤثرة على ذلك المجتمع، إضافة إلى القيم الدينية والفلسفية التي يعيش على أساسها أفراد ذلك المجتمع، ويعني ذلك أن التربية في مجتمع ما تتحدد أهدافها وغاياتها ووسائلها حسب أهداف المجتمع التي تتحدد في إطار فلسفته وهويته.

ولهذه العلاقة الأكيدة بين التربية والثقافة والمجتمع، يمكن القول إن وظائف التربية - بصورة إجمالية - تتمثل في:

1. المحافظة على كل ما هو موجود في الموروث الديني والاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي، وحمايته وصيانته من التبديل أو التحريف أو التغيير عند نقله للأجيال المختلفة.

2. التجديد والتحديث والإبداع والابتكار في الحياة المجتمعية وأوضاع البشر المتجددة بما يساعد على التقدم والتكيف السليم مع حاجات العصر المتطورة.

أما تفصيلاً، فللتربية وظائف أخرى عديدة تتحدد بنوع مؤسسات المجتمع العديدة والمتنوعة. وسوف نتناول هذه الوظائف بالتفصيل عند عرض وسائط التربية ومؤسساتها.

6 - أنواع التربية:

[بداية]:

ثمة تصنيف للتربية يقرر أنها تنقسم إلى نمطين هما: التربية المقصودة، والتربية غير المقصودة. ويقصد بالتربية المقصودة تلك العملية التي تحصل داخل مؤسسات أنشأها المجتمع خصيصًا من أجل الغرض التربوي في ذاته، ولم تنشأ لغرضٍ غيره. أما التربية غير المقصودة فهي تلك التي تحصل في مؤسسات أو أماكن أخرى، ولم تنشأ ولم تؤسس خصيصًا من أجل الغرض التربوي في ذاته.

وحسب هذا التصنيف وفقًا لتطور الفكر التربوي وتاريخ التربية، فإن التربية في بداية الأمر -أي في العصور القديمة- كانت غير مقصودة، ومعنى ذلك أن عمليات التربية كانت تحصل تلقائيًا دون إنشاء مؤسسات خاصة لذلك الغرض، ولذا فإنه يقال: إن هذه التربية تعد تربية غير مقصودة؛ أي: إن المجتمع يربي أجياله بدون قصد أو غرض واضح وبيّن.

[المؤسسات التربوية]:

غير أن الأمر قد تبدَّل وتغيَّر على امتداد التاريخ، وبحكم التطور والتقدم وتعقد الثقافات وتشابكها، حاول المجتمع بعد ذلك أن يؤسس مؤسسات تربوية متخصصة في المجتمع، وأصبح لهذه المؤسسات طابع خاص، وأضحى أهم ما يميز هذا الطابع هو التخصص في عمليات التربية في ذاتها؛ تلك المؤسسات التي أقامها المجتمع من أجل الغرض التربوي في ذاته يقال عنها: مؤسسات وظيفتها الأساس القيام بعمليات التربية المقصودة.

غير أن هناك ملحوظات على هذا التصنيف السابق للتربية من حيث كونها: مقصودة أو غير مقصودة، ومن أهم هذه الملحوظات أن التربية عملية اجتماعية نفسية تحصل من خلال مجال معين، وهذا المجال الذي تحصل فيه العملية التربوية يرتكز على عدة دعائم أساس هي عبارة عن: مؤثر ومتأثر ووسيلة.

ولكي تحصل العملية التربوية فلا بد من توافر هذه الدعائم الثلاث سابقة الذكر، وكذلك لكي تنتقل الخبرة التربوية ويتحقق الغرض منها لا بد من وجود تلك الدعائم الثلاث معًا في آن واحد؛ لأنها بمثابة الركائز التي تتم من خلالها الخبرة التربوية.

غير أنه من ناحية أخرى لكي تحصل الخبرة التربوية ويكتمل نقلها لا بد من توافر عنصر آخر؛ وهو ما يسمى بالقصدية أو الغرضية. وبدون توافر هذا العنصر الأخير فلن يكتمل نَقْل الخبرة التربوية.

[نقل الخبرة التربوية]:

ولكي نُلقي مزيدًا من الضوء على هذا الموضوع فإننا نقول: حينما نحاول نقل خبرة تربوية -أية خبرة- لشخص ما فلا بد أن نوجد عند هذا الشخص درجة معينة من التأثير حتى تنتقل هذه الخبرة إليه، ومن ثم نطلق على هذا الشخص لفظ (متأثر)، وفي الوقت نفسه نطلق على الباعث لهذه الخبرة أو المصدر الذي ستصدر منه هذه الخبرة لفظ (المؤثر) بمعنى المصدر أو الباعث الذي يرسل خبرة معينة إلى متأثر معيّن بقصد التأثير فيه وخلق الانطباع لديه تجاه موضوع ما.

وإذا أمعنا النظر في هذا الموضوع نلحظ أن الخبرة حينما تنتقل من المؤثر إلى المتأثر تتطلب توافر عنصر القصد، إما من جانب المؤثر أو من جانب المتأثر، أو من كليهما معًا في آن واحد. ونزيد الأمر وضوحًا فنقول: إنه في الخبرة التربوية إذا انتقلت هذه الخبرة من مؤثر إلى متأثر فلا بد أن يكون أحدهما على الأقل قد قصد نقل هذه الخبرة بوسيلة أو بأخرى، وفي أي وسط كان.

والدليل على ما سبق أنه إذا افترضنا أن مؤثرًا ما قد خرجت منه خبرة ما عن غير قصد، واستقبلها المتأثر بأسلوب ما، وتمثلها ووعاها؛ فإن المتأثر في هذه الحالة يكون قد توافر لديه عنصر القصد أو الغرض أو الهدف.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة