تفسير سورة سبح (الأعلى)
وهي مكية، [وعدد آياتها (19) آيةً].
ثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: «هلا صليت بـ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ ، ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ ، ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ﴾ ؟»، وعن النعمان بن بشير: كان ﷺ يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بـ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ ، و ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾ ، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما [رواه مسلم]. وعن أبيٍّ: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر بـ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ ، و ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ ، و ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [رواه النسائي، وصححه الألباني].
الآية (1-10): عن عبد خير قال: سمعت عليًّا قرأ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى، وعن أبي إسحاق الهمداني أن ابن عباس كان إذا قرأ: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ قال: سبحان ربي الأعلى. وقوله: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴾ أي: خَلَق الخليقة وسَوَّى كل مخلوق في أحسن الهيئات. ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهَدَى الأنعام لمراتعها؛ كقوله: ﴿ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ [طه:50] أي: قَدَّرَ قَدَرًا، وهدى الخلائق إليه. ﴿ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ ﴾ أي: من جميع صنوف النباتات والزروع، ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ ﴾ قال ابن عباس: هشيمًا متغيِّرًا. وعن مجاهد وقتادة وابن زيد نحوه. قوله: ﴿ سَنُقْرِئُكَ ﴾ أي: يا محمد ﴿ فَلَا تَنْسَىٰ ﴾ وهذا إخبار من الله عز وجل ووَعْد منه له، بأنه سيُقرِئه قراءةً لا ينساها ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ . وهذا اختيار ابن جرير.
وقال قتادة: كان رسول الله ﷺ لا ينسى شيئا إلا ما شاء الله.
﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ﴾ أي: يعلم ما يَجهَر به العباد وما يُخفُونَه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء. ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ أي: نسهِّل عليك أفعال الخير وأقواله، ونَشْرَع لك شرعًا سهلًا سمحًا مستقيمًا عدلًا، لا اعوجاج فيه ولا حَرَجَ ولا عُسْر.
﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَىٰ ﴾ أي: ذَكِّر حيث تنفع التذكرة. ومن ههنا يُؤْخَذ الأدب في نشر العلم، فلا يَضَعْه عند غير أهله؛ كما قال أمير المؤمنين علي: ما أنت بمُحَدِّث قومًا حديثًا لا تَبلُغه عقولهم إلا كان فتنةً لبعضهم. وقال: حَدِّثْ الناس بما يعرفون، أتحبُّون أن يُكَذَّب اللهُ ورسوله؟! ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَىٰ ﴾ أي: سيَتَّعِظ بما تُبَلِّغه -يا محمد- من قلبه يَخشَى الله ويَعلَم أنه ملاقيه.
الآية (11-13): ﴿ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴿ ١١ ﴾ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ ﴿ ١٢ ﴾ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا ﴾ فيستريح ﴿ وَلَا يَحْيَىٰ ﴾ حياةً تنفعه، بل هي مُضِرَّة عليه؛ لأن بسببها يَشعُر ما يُعَاقَب به من أليم العذاب، وأنواع النكال. عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «أما أهل النار الذين هم أهلها، لا يموتون ولا يَحيَون، وأما أناس يُريد الله بهم الرحمة فيُمِيتُهم في النار فيَدْخُل عليهم الشُّفَعَاء، [فَيَأْخُذُ الرَّجُلُ الضِّبَارَةَ فَيَبُثُّهُمْ -أَوْ قَالَ: فَيُبَثُّونَ- عَلَى نَهَرِ الْحَيَا -أَوْ قَالَ: الْحَيَوَانِ، أَوْ قَالَ: الْحَيَاةِ]، أَوْ قَالَ: نَهَرِ الْجَنَّةِ- فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» [رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني].
الآية (14-15): ﴿ قَدْ ﰀ ﰁ ﰂ ﴾ أي: طهَّر نفسه من الأخلاق الرذيلة، وتابع ما أنزل الله على الرسول ﷺ، ﴿ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﴾ أي: أقام الصلاة في أوقاتها؛ ابتغاءَ رضوان الله وطاعة لأمر الله وامتثالًا لشَرْع الله. وكذا قال ابن عباس: إن المراد الصلوات الخمس. واختاره ابن جرير. وقال قتادة: زكَّى ماله وأرضى خالقه.
الآية (16-19): ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ أي: تُقدِّمونها على أمر الآخرة، وتُبَدُّونها على ما فيه نفعكم وصلاحكم في معاشكم ومعادكم، ﴿ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ أي: ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى؛ فإن الدنيا دنيَّة فانية، والآخرة شريفة باقية، فكيف يُؤْثِر عاقل ما يَفْنى على ما يبقى، ويهتم بما يزول عنه قريبًا، ويترك الاهتمام بدار البقاء والـخُلْد؟!
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ ﴿ ١٨ ﴾ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ ﴾ : عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ قال: كلها في صحف إبراهيم وموسى. واختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿ إِنَّ هَٰذَا ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿ قَدْ ﰀ ﰁ ﰂ ﴾ إلى قوله: ﴿ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ ، ثُمَّ قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَٰذَا ﴾ أي: مضمون هذا الكلام ﴿ لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ ﴿ ١٨ ﴾ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ ﴾ . وهذا اختيار حَسَن قوي. وقد رُوي عن قتادة وابن زيد، نحوُه. والله أعلم.