تفسير سورة النور
الآيات (11-20)
الآية (11): هذه العشر الآيات كلها نَزَلَت في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حين رَمَاها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكَذِب البَحْتِ، والفِرْيَة التي غَارَ الله عز وجل لها ولنبيِّه صلوات الله وسلامه عليه، فأَنزَل الله تعالى براءتها صيانةً لعِرْض الرسول ﷺ، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾ أي: جماعة منكم، يعني: ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة، فكان المقدَّم في هذه اللعنة عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول رأس المنافقين؛ فإنه كان يَجْمَعُه ويَسْتَوْشِيه حتى دَخَلَ ذلك في أذهان بعض المسلمين، فتَكَلَّموا به، وبقي الأمر كذلك قريبًا من شهر حتى نَزَلَ القرآن، وسياق ذلك في الأحاديث الصحيحة ... وعن أم رومان، قالت: بينا أنا عند عائشة، إذ دخلت عليها امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله -بابنها- وفعل. فقالت عائشة: ولم؟ قالت: إنه كان فيمن حدَّث الحديث. قالت عائشة: وأي حديث؟ قالت: كذا وكذا. قالت: وقد بلغ ذلك رسول الله ﷺ؟ قالت: نعم، وبلغ أبا بكر؟ قالت: نعم، فخرت عائشة، رضي الله عنها، مغشيا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض. قالت: فقمت فدثرتها، قالت: وجاء النبي ﷺ فقال: «ما شأن هذه؟» قلت: يا رسول الله، أخذتها حمى بنافض. قال: «فلعله في حديث تحدث به؟». قالت: فاستوت له عائشة قاعدة فقالت: والله لئن حلفت لكم لا تصدقوني، ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه، ﱡﭐ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﱠ [يوسف: 18] قالت: وخرج رسول الله ﷺ، فأنزل الله عذرها، فرجع رسول الله ﷺ معه أبو بكر، فدخل فقال: «يا عائشة، إن الله تعالى قد أنزل عذرك». فقالت: بحمد الله لا بحمدك [رواه أحمد بلفظه، والبخاري بنحوه].
﴿ بِالْإِفْكِ ﴾ بالكذب والبَهْتِ والافْتِرَاء. ﴿ عُصْبَةٌ ﴾ أي: جماعة منكم. ﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ﴾ أي: يا آل أبي بكر، ﴿ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ أي: في الدنيا والآخرة؛ لسانُ صِدْقٍ في الدنيا ورِفعَةُ منازل في الآخرة، وإظهار شَرَف لهم باعتناء الله بعائشة أم المؤمنين؛ حيث أنزل الله تعالى براءتها في القرآن العظيم الذي ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾ [فصلت:42]. وقوله: ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ﴾ أي: لكل من تَكَلَّم في هذه القضية ورَمَى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بشيء من الفاحشة، نصيبٌ عظيمٌ من العذاب. ﴿ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ ﴾ قيل: ابتدأ به. وقيل: الذي كان يَجْمَعُه ويَسْتَوْشِيه ويُذِيعه ويُشِيعه ﴿ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ أي: على ذلك. ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول قَبَّحَه الله ولَعَنَه.
الآية (12-13): هذا تأديب من الله للمؤمنين في قضية عائشة رضي الله عنها حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السوء، وما ذُكر من شأن الإفك، فقال تعالى: ﴿ لَوْلَا ﴾ بمعنى: هَلَّا ﴿ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ﴾ أي: ذلك الكلام الذي رُمِيَت به أم المؤمنين. ﴿ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا ﴾ أي: قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا يَلِيقُ بهم فَأُمُّ المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأَولى والأَحْرَى.
[سبب النزول]: أن أبا أيوب خالد بن زيد قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقول الناس في عائشة، رضي الله عنها؟ قال: نعم، وذلك الكذب. أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك. قال: فلما نزل القرآن ذكر الله عز وجل من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك. وقوله: ﴿ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ أي: هَلَّا ظَنُّوا الخير؛ فإن أم المؤمنين أهله وأولى به، هذا ما يتعلق بالباطن، ﴿ وَقَالُوا ﴾ أي: بألسنتهم، ﴿ هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴾ أي: كَذِبٌ ظاهرٌ على أم المؤمنين، فإن الذي وَقَع لم يَكُن ريبةً؛ وذلك أن مجيء أم المؤمنين راكبةً جَهْرَةً على راحلة صفوان بن المعطل في وقتِ الظهيرة، والجيش بكماله يشاهدون ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، لو كان هذا الأمر فيه ريبة لم يكن هكذا جَهْرَة، ولا كانا يقدمان على مثل ذلك على رؤوس الأشهاد، فتَعَيَّن أن ما جاء به أهل الإفك ممَّا رَمَوا به أم المؤمنين هو الكذب البَحْت، والقول الزور، والرّعُونة الفاحشة، والصفقة الخاسرة. قال الله تعالى: ﴿ لَوْلَا ﴾ أي: هَلَّا، ﴿ جَاءُوا عَلَيْهِ ﴾ أي: على ما قالوه، ﴿ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾ يشهدون على صحة ما جاؤوا به، ﴿ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾ أي: في حكم الله كاذبون فاجرون.
الآية (14-15): ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ أيها الخائضون في شأن عائشة ﴿ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ بأنْ قَبِلَ توبَتكم وإنابتكم إليه في الدنيا، وعفا عنكم لإيمانكم بالنسبة إلى الدار الآخرة، ﴿ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ ﴾ من قضية الإفك ﴿ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ . وهذا فيمن عنده إيمان يَقبل الله بسببه التوبة؛ كمِسْطَح، وحسان، وحَمْنةَ بنت جحش. فأما من خاض فيه من المنافقين؛ كعبد الله بن أُبَيّ ابن سلول وأضرابِهِ، فليس أولئك مرادين في هذه الآية؛ لأنه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يعادل هذا ولا ما يعارضه. وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعل معين، يكون مطلقًا مشروطًا بعدم التوبة، أو عدم ما يقابله من عمل صالح يوازنه أو يرجح عليه.
ثم قال: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير: أي: يرويه بعضكم عن بعض، يقول هذا: سمعته من فلان، وقال فلان كذا، وذَكَر بعضهم كذا. ﴿ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي: تقولون ما لا تعلمون. ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ أي: تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين، وتحسبون ذلك يسيرًا، ولو لم تكن زوجة النبي ﷺ لَـمَّا كان هَيِّنا، فكيف وهي زوجة خاتم الأنبياء وسيد المرسلين؟!
الآية (16-18): هذا تأديب آخر بعد الأوَّل: الآمر بالظَنِّ خيرًا، أي: إذا ذُكِر ما لا يَلِيق من القول في شأن الـخِيَرَة، فأَوْلَى [ما] يَنْبَغي: الظن بهم خيرًا، وألَّا يُشْعِر نفسه سوى ذلك، ثم إنْ عَلِق بنفسه شيء من ذلك -وسوسةً أو خيالًا- فلا ينبغي أن يَتَكَلَّم به. وقال: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا ﴾ أي: ما ينبغي لنا أن نَتَفَوَّهَ بهذا الكلام ولا نَذكُرَه لأحد، ﴿ سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ أي: سبحان الله أن يُقَال هذا الكلام على زوجةِ رسوله وحليلَةِ خليلِهِ. ثم قال: ﴿ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا ﴾ أي: ينهاكم الله مُتَوَعِّدًا أن يَقَع منكم ما يُشبِه هذا أبدًا، أي: فيما يُستَقْبَل. ولهذا قال: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: إن كنتم تؤمنون بالله وشرعه، وتُعَظِّمُون رسوله ﷺ، فأمَّا من كان مُتَّصِفًا بالكفر فذاك له حكم آخر. ثم قال: ﴿ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ﴾ أي: يُوضِّحُ لكم الأحكام الشرعية والحِكَمَ القَدَريّة، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بما يُصلِحُ عباده، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في شَرْعه وقَدَره.
الآية (19): وهذا تأديب ثالث لمن سَمِعَ شيئا من الكلام السيئ، فقام بذهنه شيء منه، وتَكَلَّمَ به، فلا يُكْثِر منه ويُشِيعه ويُذِيعه، فقد قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي: يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح، ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا ﴾ أي: بالحد، وفي الآخرة بالعذاب، ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ أي: فرُدُّوا الأمور إليه تَرْشُدُوا.
الآية (20): يقول الله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ ﴾ أي: لولا هذا لكان أمر آخر، ولكنه تعالى رؤوف بعباده، ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بهم، فتاب على من تاب إليه من هذه القضية، وطَهَّر من طَهَّر منهم بالـحَدِّ الذي أُقِيم عليه.