تفسير سورة محمد (القتال)
الآيات (20-29)
الآية (20-23): يقول تعالى مُخْبِرًا عن المؤمنين أنهم تَـمَنَّوْا شرعية الجهاد، فلمَّا فَرَضَه الله عز وجل ، وأَمَرَ به نَكَلَ عنه كثير من الناس؛ كقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ [النساء:77].
وقال عز وجل ههنا: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ﴾ أي: مشتملة على حُكْم القتال؛ ولهذا قال: ﴿ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ﴾ أي: من فَزَعِهم ورُعْبِهم وجُبْنهم من لقاء الأعداء. ثم قال مُشَجِّعًا لهم: ﴿ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ ﴿ ٢٠ ﴾ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ أي: وكان الأولى بهم أن يسمعوا ويُطِيعوا، أي: في الحالة الراهنة، ﴿ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ ﴾ أي: جَدَّ الحال، وحَضَرَ القتال ﴿ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ ﴾ أي: أخلصوا له النية، ﴿ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي: عن الجهاد ونَكَلْتم عنه، ﴿ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ أي: تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء، تَسْفِكُون الدماء، وتقطعون الأرحام؛ ولهذا قال: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ ﴾ ، وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عمومًا، وعن قَطْع الأرحام خصوصًا، بل قد أَمَرَ الله تعالى بالإصلاح في الأرض وصِلة الأرحام، وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال. وقد وَرَدَت الأحاديث الصحاح والحِسَان بذلك عن رسول الله ﷺ، من طُرُق عديدة، ووجوه كثيرة: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «خَلَقَ الله الخَلْق، فلمَّا فَرَغ منه قامت الرَّحِم فأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرحمن عز وجل ، فقال: مَهْ! فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. فقال: ألَا تَرْضَيْنَ أن أَصِلَ من وَصَلَك وَأَقْطَعَ من قَطَعَك؟! قالت: بلى. قال: فذاك». قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ [متفق عليه].
وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من ذنب أَحْرَى أنْ يُعَجِّل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يُدَّخَرُ لصاحبه في الآخرة، من البغي وقطيعة الرَّحِم» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني].
وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الرَّحم معلَّقة بالعرش، وليس الواصل بالـمُكَافِئ، ولكن الواصل الذي إذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَها» [رواه البخاري].
وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «تُوضَع الرَّحِم يوم القيامة لها حُجْنَة كَحُجْنَةِ الـمِغْزَل[1]، تَتَكَلَّم بلسان طَلْقٍ ذَلِقٍ؛ فَتَصِلُ مَن وَصَلها، وتَقْطَعُ مَن قَطَعها» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر].
وعن عبد الله بن عمرو -يَبْلُغُ به النبي ﷺ- قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، والرَّحِمُ شُجْنَة من الرحمن، من وَصَلَها وَصَلْتُه، ومن قَطَعَهَا بَتَتُّهُ» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصحح إسناده أحمد شاكر].
الآية (24-28): يقول تعالى آمرًا بتدبُّر القرآن وتَفَهُّمه، وناهيًا عن الإعراض عنه، فقال: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ أي: بلْ على قلوب أقفالها، فهي مُطْبَقَة لا يَخْلُص إليها شيء من مَعَانيه. ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ ﴾ أي: فارقوا الإيمان ورَجَعوا إلى الكفر، ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ أي: زَيَّن لهم ذلك وحَسَّنَه. ﴿ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ﴾ أي: غَرَّهم وخَدَعَهم.
﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ﴾ أي: مالؤوهم وناصحوهم في الباطن على الباطل، وهذا شأن المنافقين: يُظهِرون خلاف ما يُبطِنون؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴾ أي: ما يُسِرُّون وما يُخْفُون، الله مُطَّلِع عليه وعالم به؛ كقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ﴾ [النساء:81].
ثم قال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾ أي: كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقَبْضِ أرواحهم وتَعَصَّتْ الأرواح في أجسادهم، واسْتَخْرَجَتْها الملائكة بالعُنْف والقَهْر والضَّرْب؛ كما قال: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾ الآية [الأنفال:50]، وقال: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: بالضَّرْب ﴿ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [الأنعام:93]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .
الآية (29): يقول تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ﴾ ؟! أي: أيعتقد المنافقون أن الله لا يَكْشِف أَمْرَهم لعباده المؤمنين؟! بل سيُوضِّح أَمْرَهم ويُجَلِّيه حتى يَفْهَمَهم ذوو البصائر، وقد أَنْزَل تعالى في ذلك سورة «براءة»، فبيَّن فيها فضائحهم وما يعتمدونه من الأفعال الدالة على نفاقهم؛ ولهذا إنما كانت تُسمَّى الفاضحة. والأضغان: جمع ضِغْن، وهو ما في النفوس من الـحَسَد والحِقْد للإسلام وأهله والقائمين بنصره.