حجم الخط:

محتوى الدرس (19)

تفسير سورة الفتح

الآيات (16-23)

الآية (16-17): ﴿ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يُدْعَون إليهم، الذين هم أولو بأس شديد، على أقوال: أحدها: أنهم هوازن؛ عن سعيد بن جبير أو عكرمة أو جميعًا، وبه يقول قتادة في رواية عنه. الثاني: ثقيف، قاله الضحاك. الثالث: بنو حنيفة، قاله جويبر والزهري. الرابع: هم أهل فارس؛ عن ابن عباس. وبه يقول عطاء ومجاهد وعكرمة. وعن ابن أبي ليلى وعطاء والحسن وقتادة: هم فارس والروم. وعن مجاهد: هم أهل الأوثان. وعنه أيضًا: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يُعَيِّنْ فِرقةً. وبه يقول ابن جريج. وهو اختيار ابن جرير.

قوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ يعني: يُشْرَعُ لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرًا عليهم، ولكم النصرة عليهم، أو يُسلِمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار.

﴿ فَإِنْ تُطِيعُوا أي: تستجيبوا وتنفروا في الجهاد، وتؤدُّوا الذي عليكم فيه ﴿ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يعني: زمن الحديبية، حيث دُعِيتُم فتَخَلَّفْتم ﴿ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا .

ثم ذَكَرَ الأعذار في ترك الجهاد، فمنها لازم كالعَمَى والعَرَج المستمرِّ، وعارضٌ كالمرض الذي يَطْرَأ أيامًا، ثم يزول، فهو في حال مرضه مُلْحَق بذوي الأعذار اللازمة حتى يَبْرَأ.

ثم قال تعالى مُرَغِّبًا في الجهاد وطاعة الله ورسوله: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ أي: يَنْكُلْ عن الجهاد، ويُقْبِلْ على المعاش ﴿ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا في الدنيا بِالـمَذَلَّة، وفي الآخرة بالنار.

الآية (18-19): ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴿ ١٨ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا يُخْبِرُ تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة، وقد تقدَّم ذِكر عِدَّتِهِم، وأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سَمُرَةً بأرض الحديبية.

روى البخاري عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقتُ حاجًّا فمَرَرْت بقوم يصلون، فقلت ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله بيعة الرضوان. فأتيتُ سعيد بن المسيب فأخبرتُه، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله تحت الشجرة. قال: فلمَّا خَرَجْنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد لم يعلموها وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم!

وقوله: ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ أي: من الصدق والوفاء، والسمع والطاعة، ﴿ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ وهي الطمأنينة، ﴿ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وهو ما أَجْرَى الله على أيديهم من الصُّلْح بينهم وبين أعدائهم، وما حَصَل بذلك من الخير العام المستمر الـمُتَّصِل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حَصَل لهم من العِزِّ والنَّصْر والرِّفْعَة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا .

الآية (20-23): قال مجاهد في قوله: ﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا : هي جميع المغانم إلى اليوم، ﴿ فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ يعني: فتح خيبر. وعن ابن عباس: ﴿ فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ يعني: صلح الحديبية، ﴿ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ أي: لم يَنَلْكُم سُوْء ممَّا كان أعداؤكم أضْمَرُوه لكم من المحاربة والقتال. وكذلك كَفَّ أيدي الناس عنكم الذين خَلَّفْتُمُوهم وراء أَظْهُرِكم، عن عِيالكم وحَريمكم، ﴿ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أي: يعتبرون بذلك؛ فإن الله حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء، مع قلة عَدَدِهم، وليَعْلَمُوا بصنيع الله هذا بهم أنه العليم بعواقب الأمور، وأن الـخِيَرَةَ فيما يختاره لعباده المؤمنين، وإن كَرِهوه في الظاهر؛ كما قال: ﴿ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:216]. ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا أي: بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله .

وقوله: ﴿ وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا أي: وغنيمةً أخرى وفتحًا آخر مُعَيَّنًا لم تكونوا تقدرون عليها، قد يَسَّرها الله عليكم، وأحاط بها لكم، فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون.

وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة، ما المراد بها، فقال ابن عباس: هي خيبر. وهذا على قوله -في قوله تعالى: ﴿ فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ -: إنها صُلْح الحديبية. وقاله الضحاك وابن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال قتادة: هي مكة. واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي ليلى والحسن البصري: هي فارس والروم. وقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلى يوم القيامة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة