تفسير سورة الحجرات
الآيات (14-18)
الآية (14-18): يُنكِر تعالى على الأعراب الذين أوَّل ما دخلوا في الإسلام ادَّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يَتَمَكَّن الإيمان في قلوبهم بعد. وقد اسْتُفِيدَ من هذه الآية الكريمة: أن الإيمان أَخَصُّ من الإسلام؛ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويَدُلُّ عليه حديث جبريل عليه السلام حين سألَ عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان[1]، فتَرَقَّى من الأعَمِّ إلى الأخَصِّ، ثم للأخَصِّ منه. وهؤلاء الأعراب المذكورون في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يَسْتَحْكِم الإيمان في قلوبهم، فادَّعوا لأنفسهم مقامًا أعلى ممَّا وصلوا إليه، فأُدِّبُوا في ذلك. وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة، واختاره ابن جرير.
وإنما قلنا هذا لأن البخاري -رحمه الله- ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يظهرون الإيمان، وليسوا كذلك، ولو كانوا منافقين لَعُنِّفُوا وفُضِحُوا. وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا: ﴿ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ أي: لم تَصِلوا إلى حقيقة الإيمان بعد. ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ﴾ أي: لا يُنْقِصْكم من أجوركم شيئًا. ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب.
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾ أي: إنما المؤمنون الكُمَّل: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾ أي: لم يَشُكُّوا ولا تَزَلْزَلُوا، بل ثَبَتُوا على حال واحدة، وهي التصديق الـمَحْض.
﴿ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أي: وَبَذَلُوا مُهَجَهُم ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه، ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ أي: في قولهم إذا قالوا: «إنهم مؤمنون»، لا كبعض الأعراب الذين ليس معهم من الدين إلا الكلمة الظاهرة.
﴿ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ ﴾ أي: أتخبرونه بما في ضمائركم، ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: لا يخفى عليه مثقال ذَرَّة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ . ثم قال: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ﴾ يعني: الأعراب الذين يَمُنُّونَ بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول، يقول الله ردًّا عليهم: ﴿ قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ ﴾ ؛ فإنَّ نَفْعَ ذلك إنَّما يعود عليكم، ولله الـمِنَّة عليكم فيه، ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي: في دعواكم ذلك كما قال النبي ﷺ للأنصار يوم حنين: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟! وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟! وعالة فأغناكم الله بي؟!» كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ. [رواه البخاري]، ثم كَرَّرَ الإخبار بعِلْمِه بجميع الكائنات، وبَصَرِه بأعمال المخلوقات فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .