تفسير سورة الضحى
وهي مكية، [وعدد آياتها (11) آيةً].
عن جندب قال: اشتكى النبي ﷺ فلم يَقُمْ ليلةً أو ليلتين، فأَتَتْ امرأةٌ فقالت: يا محمد، ما أَرَى شيطانك إلا قد تَرَكَك. فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَالضُّحَىٰ ﴾ [متفق عليه].
الآية (1-11): ﴿ وَالضُّحَىٰ ﴾ هذا قَسَم منه تعالى بالضُّحَى وما جَعَل فيه من الضياء، ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴾ أي: سَكَن فأظلَمَ وادلَـهَمَّ. قاله مجاهد وقتادة وابن زيد وغيرهم. وذلك دليل ظاهر على قدرة خالق هذا وهذا.
﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ﴾ أي: ما تَرَكَكَ، ﴿ وَمَا قَلَىٰ ﴾ أي: وما أَبْغَضَكَ، ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىٰ ﴾ أي: والدار الآخرة خير لك من هذه الدار. ولهذا كان رسول الله ﷺ أَزْهَدَ الناس في الدنيا، وأَعْظَمَهم لها اطِّرَاحًا، كما هو معلوم من سيرته. ولَـمَّا خُيِّرَ عليه السلام في آخر عُمره بين الـخُلْد في الدنيا إلى آخِرها ثمَّ الجنة، وبين الصَّيْرُورة إلى الله عز وجل اختار ما عند الله على هذه الدُّنيا الدَّنِيَّة.
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ﴾ أي: في الدار الآخرة يُعْطِيه حتى يُرضِيه في أُمَّته، وفيما أَعَدَّه له من الكرامة، ومن جُملَته نَهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوَّف، وطِينه مِسْك أَذْفَر.
ثم قال تعالى يُعدِّدُ نِعَمَه على عبده ورسوله محمد ﷺ: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ ﴾ وذلك أن أباه تُوفِّي وهو حَمْلٌ في بطن أمه، وقيل: بعد أن وُلِدَ عليه السلام، ثم تُوُفِّيَتْ أمُّه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين. ثم كان في كفالة جده عبد المطلب، إلى أن تُوُفِّي وله من العُمر ثماني سنين، فكَفَلَه عمُّه أبو طالب.
﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ ﴾ كقوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ﴾ الآية [الشورى:52].
﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ ﴾ أي: كنت فقيرًا ذا عيال، فأَغْنَاكَ الله عمَّن سواه، فجَمَع له بين مقامي: الفقير الصابر والغني الشاكر، صلوات الله وسلامه عليه. وقال قتادة في قوله: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ ﴿ ٦ ﴾ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ ﴿ ٧ ﴾ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ ﴾ قال: كانت هذه منازل الرسول ﷺ قبل أن يَبْعَثَه الله عز وجل.
﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾ أي: كما كُنْتَ يتيمًا فآواك الله فلا تَقْهَر اليتيم، أي: لا تُذِلَّهُ وتَنْهَرْهُ وتُهِنْهُ، ولكن أَحسِنْ إليه، وتَلَطَّفْ به. قال قتادة: كُنْ لليَتِيم كالأب الرحيم. ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾ أي: وكما كُنْتَ ضالًّا فهَدَاكَ الله، فلا تَنْهَرْ السائلَ في العِلْمِ الـمُسْتَرْشِدَ. قال ابن إسحاق: أي: فلا تكن جَبَّارًا ولا مُتَكَبِّرًا ولا فَحَّاشًا، ولا فَظًّا على الضُّعفَاء من عِبَاد الله. وقال قتادة: يعني رُدَّ المسكين برحمة ولين.
﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ أي: وكما كُنْتَ عائلًا فقيرًا فأَغْنَاكَ الله، فحَدِّثْ بنعمة الله عليك. وعن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شُكْرِ النعم أن يُحَدَّثَ بها. وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا يَشْكُرُ اللهَ من لا يَشْكُر الناس» [رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني].
تفسير سورة ألم نشرح (الشرح)
وهي مكية، [وعدد آياتها (8) آيات].
الآية (1-2): ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ يعني: أما شَرَحْنَا لكَ صَدْرَكَ، أي: نورناه وجعلناه فَسِيحًا رَحِيبًا واسِعًا، وكما شرح الله صدره كذلك جَعَل شَرْعه فسيحًا واسعًا سَمْحًا سهلًا لا حَرَجَ فيه ولا إِصْرَ ولا ضِيْقَ. وقيل: المراد شرح صدره ليلة الإسراء؛ فإن من جملة شرح صدره: الذي فُعِل بصدره ليلة الإسراء، وما نَشَأَ عنه من الشَّرْح المعنوي أيضًا، والله أعلم.
﴿ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ بمعنى: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح:2].
الآية (3-8): ﴿ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ الإنقاض: الصوت. وقال غير واحد من السلف في قوله: ﴿ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ أي: أَثْقَلَكَ حَمْلُه.
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ قال مجاهد: لا أُذْكَرُ إلا ذُكِرتَ معي: أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. وقال قتادة: رَفَعَ اللهُ ذِكْرَه في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا مُتشهد ولا صاحبُ صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وقال آخرون: رَفَعَ الله ذكره في الأولين والآخرين، ونوه به، حين أخذ الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أممهم بالإيمان به، ثم شهر ذكره في أمته فلا يُذكر الله إلا ذُكر معه.
﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿ ٥ ﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ أَخبَرَ تعالى أن مع العُسْر يُوجَدُ اليُسْر، ثم أَكَّدَ هذا الخبر. وقوله: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴾ أي: إذا فَرغَتَ من أمور الدنيا وأشغالها وقَطَعْتَ علائقها ﴿ فَانْصَبْ ﴾ في العبادة، وقُمْ إليها نشيطًا فارغ البال، وأخلصْ لربك النِّـيَّة والرغبة. قال مجاهد: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة، فانصب لربك ﴿ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴾ قال الثوري: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله عز وجل.