حجم الخط:

محتوى الدرس (37)

تفسير سورة القدر

وهي مكية، [وعدد آياتها (5) آيات].

الآية (1-5): يُخْبِر الله تعالى أنه أنزل القرآن ليلة القدر، وهي الليلة المباركة التي قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3] وهي ليلة القدر، وهي من شهر رمضان، كما قال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185]. قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآنَ جملةً واحدةً من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزَّة من السماء الدنيا، ثم نَزَلَ مفصَّلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله .

ثم قال تعالى مُعَظِّمًا لشأن ليلة القدر، التي اختصَّها بإنزال القرآن العظيم فيها، فقال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿ ٢ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ قال مجاهد: ليلة القدر خير من ألف شهر، ليس في تلك الشهور ليلة القدر. وهكذا قال قتادة والشافعي وغير واحد. وقال عمرو بن قيس الملائي: عَمَلٌ فيها خير من عَمَل ألف شهر. وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر- وليس فيها ليلة القدر- هو اختيارُ ابن جرير. وهو الصواب لا ما عداه. ولَـمَّا كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر، ثَبَتَ عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذنبه» [متفق عليه].

﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ أي: يَكْثُرُ تَنَزُّلُ الملائكة في هذه الليلة لكَثْرة بَرَكَتِها، والملائكة يَتَنَزَّلون مع تَنَزُّل البركة والرحمة، كما يَتَنَزَّلون عند تلاوة القرآن ويحيطون بحِلَق الذِّكْر، ويضعون أجنحتهم لطالب العِلْم بصِدْق تعظيمًا له. وأما الرُّوح فقيل: المراد به ههنا جبريل عليه السلام، فيكون من باب عطف الخاص على العام. وقيل: هم ضَرْبٌ من الملائكة. والله أعلم.

﴿ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ قال مجاهد: سلام هي من كل أمر. وقال: هي سالمة، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سُوءًا أو يَعمَل فيها أذًى. وقال قتادة وغيره: تُقضَى فيها الأمور، وتُقَدَّر الآجال والأرزاق؛ كما قال تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4].

﴿ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ عن الشعبي قال: تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد، حتى يطلع الفجر. قال قتادة وابن زيد: ﴿ سَلَامٌ هِيَ يعني: هي خير كلها، ليس فيها شَرٌّ، إلى مطلع الفجر.

اختلف العلماء: هل كانت ليلة القدر في الأمم السالفة، أو هي من خصائص هذه الأمة؟ على قولين، ثم قيل: ليلة إحدى وعشرين، وقيل: ليلة ثلاث وعشرين [وقيل غير ذلك]، وقيل: إنها تكون ليلة سبع وعشرين؛ لما رواه مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب، عن رسول الله : «أنها ليلة سبع وعشرين». وروي عن أبي قلابة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر، ونص عليه مالك، والثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمزني، وأبو بكر بن خزيمة، وغيرهم، وهو الأشبه والله أعلم.

تفسير سورة لم يكن (البينة)

[تعريف بالسورة]

وهي مدنية، [وعدد آياتها (8) آيات].

[فضل السورة]

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله لأُبيِّ ابن كعب: «إن الله أمرني أن أَقْرَأ عليك: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا » قال: وسَمَّانى لكَ؟! قال: «نعم» فبكى [متفق عليه].

وإنما قرأ عليه النبي هذه السورة تثبيتًا له، وزيادةً لإيمانه.

[التفسير]

الآية (1-5): ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ أما أهل الكتاب فهم: اليهود والنصارى، والمشركون: عَبَدةُ الأوثان والنيران، من العرب ومن العجم. وقال مجاهد: لم يكونوا ﴿ مُنْفَكِّينَ يعني: مُنْتَهِين حتى يَتَبَيَّن لهم الحقُّ. وكذا قال قتادة. ﴿ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ أي: هذا القرآن؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ثم فَسَّرَ البينةَ بقوله: ﴿ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً يعني: محمدًا ، وما يتلوه من القرآن العظيم، الذي هو مُكْتَتَبٌ في الملأ الأعلى، في صُحُف مُطَهَّرة؛ كقوله: ﴿ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿ ١٤ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴿ ١٥ كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس:14-16].

﴿ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ قال ابن جرير: أي في الصُّحُف المطهرة كُتُب من الله قيمة عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ؛ لأنها من عند الله عز وجل. قال قتادة: ﴿ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً : يَذْكُر القرآن بأَحْسَن الذِّكْر، ويُثْنِي عليه بأَحْسَن الثَّنَاء. وقال ابن زيد: ﴿ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ : مستقيمة معتدلة. ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ يعني بذلك: أهل الكُتُب المنزلة على الأمم قبلنا، بعد ما أقام الله عليهم الـحجج والبينات تفرَّقوا واختلفوا في الذي أراده الله من كتبهم، واختلفوا اختلافًا كثيرًا. وقوله: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]؛ ولهذا قال: ﴿ حُنَفَاءَ أي: مُتَحَنِّفين عن الشرك إلى التوحيد. ﴿ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وهي أشرف عبادات البدن، ﴿ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج، ﴿ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي: الملة القائمة العادلة، أو: الأمة المستقيمة المعتدلة. وقد استدل كثير من الأئمة -كالزهري والشافعي- بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ .

الآية (6-7): يُخْبِر تعالى عن مآل الفجار، من كفرة أهل الكتاب، والمشركين المخالفين لكُتُب الله المنزلة وأنبياء الله الـمُرْسَلَة: أنهم يوم القيامة ﴿ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أي: ماكثين، لا يُحَوَّلُون عنها ولا يَزُولُون. ﴿ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ أي: شَرُّ الخليقة التي بَرَأَها الله وذَرَأَها.

ثم أَخْبَر تعالى عن حال الأبرار -الذين آمنوا بقلوبهم، وعَمِلُوا الصالحات بأبدانهم- بأنهم خير البرية. وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء، على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة؛ لقوله: ﴿ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ .

الآية (8): ﴿ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: يوم القيامة ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا أي: بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ، ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ومقام رضاه عنهم أعلى ممَّا أُوتُوه من النعيم الـمُقِيم، ﴿ وَرَضُوا عَنْهُ فيما مَنَحَهم من الفضل العميم، ﴿ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ أي: هذا الجزاء حاصل لمن خَشِيَ الله واتَّقَاه حقَّ تَقْوَاه، وعَبَدَه كأنَّه يَرَاه، وقد عَلِمَ أنه إن لم يَرَه فإنه يَرَاه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة