حجم الخط:

محتوى الدرس (45)

تفسير سورتي المعوذتين (الفلق والناس)

[تعريف بالسورتين]

وهما مدنيتان، [وعدد آياتهما (الفلق (5)، والناس (6) آيات].

[فضل المعوذتين]

عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله : «ألم ترَ آيات أُنزلَت هذه الليلة لم يُرَ مثلهنَّ قَطُّ: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ » [رواه مسلم].

وعن عائشة: أن رسول الله كان إذا اشتكى يَقْرَأ على نفسه بالمعوذتين ويَنْفُث، فلمَّا اشتدَّ وَجَعه كنتُ أقرأُ عليه، وأمسحُ بيده عليه، رجاءَ بركتها [رواه البخاري].

[سورة الفلق]

الآية (1-5): عن جابر وابن عباس: ﴿ الْفَلَقِ : الصُّبح. ورُوي عن مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة مثل هذا. قال ابن زيد وابن جرير: وهي كقوله تعالى: ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ [الأنعام:96]. وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري في صحيحه. ﴿ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ أي: من شَرِّ جميع المخلوقات. وقال ثابت البُناني والحسن البصري: جهنم وإبليس وذريته ممَّا خَلَق. ﴿ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ قال مجاهد: غاسق: الليلِ، إذا وَقَبَ: غُروبُ الشمس. وكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي والضحاك وخُصَيف والحسن وقتادة: إنه الليل إذا أَقْبَل بظلامه. وقال الزهري: الشمس إذا غَرَبَتْ. وعن عطية وقتادة: إذا وَقَب الليل: إذا ذَهَب. وقال أبو هريرة: كوكب. وقال ابن زيد: كانت العَرَب تقول: الغَاسِق سقوط الثُّريَّا، وكانت الأسقام والطواعين تَكْثُر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها.

قال ابن جرير: وقال آخرون: هو القمر. قلت: وعمدة أصحاب هذا القول ما روي عن أبي سلمة قال: قالت عائشة: أخذ رسول الله بيدي، فأراني القمر حين يطلع، وقال: «تَعوَّذِي بالله من شَرِّ هذا؛ فإن هذا الغاسق إذا وَقَب» [رواه أحمد والترمذي والنسائي، وصححه الألباني].

قال أصحاب القول الأول- وهو أنه الليل إذا وَلَج-: هذا لا يُنَافي قولنا؛ لأن القَمَر آيةُ الليل، ولا يُوجَد له سلطان إلا فيه، وكذلك النجوم لا تُضِيء إلا في الليل، فهو يَرجِع إلى ما قلناه، والله أعلم.

﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك: يعني: السواحر، قال مجاهد: إذا رَقَينَ ونَفَثْنَ في العقد.

﴿ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ وفي الحديث: أن جبريل جاء إلى رسول الله فقال: اشتكيتَ يا محمد؟ فقال: «نعم». فقال: باسم الله أَرْقِيكَ، من كل داء يُؤْذِيك، ومن شَرِّ كل حاسِدٍ وعَين، الله يشفيك [رواه مسلم]. ولعل هذا كان من شكواه عليه السلام حين سُحِر، ثم عافاه الله تعالى وشفاه، وردَّ كَيد السحرَة الـحُسَّاد من اليهود في رؤوسهم، وجَعَل تَدمِيرهم في تدبيرهم، وفَضَحَهم، ولكن مع هذا لم يُعَاتِبه[1] رسول الله يومًا من الدهر، بل كفى الله وشفى وعافى.

[سورة الناس]

الآية (1-6): هذه ثلاث صفات من صفات الرب عز وجل: الربوبية، والـمُلْك، والإلهية؛ فهو ربُّ كلِّ شيء ومَلِيكه وإلـهه، فجميع الأشياء مخلوقة له، مملوكة عبيد له. فأَمَر المستعيذ أن يَتَعَوَّذ بالـمُتَّصِفِ بهذه الصفات ﴿ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ وهو الشيطان الـمُوَكَّل بالإنسان؛ فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يُزَيِّن له الفواحش، ولا يَألُوه جُهْدًا في الـخَبَال. والمعصوم من عَصَمه الله، وقد ثَبَتَ: «ما منكم من أحد إلا قد وُكِّل به قرينُه». قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «نعم، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير» [رواه مسلم]، وعن أنس قال: قال رسول الله: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» [رواه مسلم، وهو في البخاري من حديث صفية].

وقال ابن عباس: ﴿ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ : الشيطان جاثم على قَلْب ابن آدم، فإذا سَهَا وغَفَلَ وَسْوَسَ، فإذا ذَكَرَ الله خَنَس. وكذا قال مجاهد وقتادة. ﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ : هل يختص هذا ببني آدم -كما هو الظاهر- أو يَعُمُّ بني آدم والجن؟ فيه قولان، ويكونون قد دَخَلوا في لفظ الناس تغليبًا. وقال ابن جرير: وقد استعمل فيهم «رجَالٌ منَ الجنَ» فلا بِدْعَ في إطلاق الناس عليهم.

﴿ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ هل هو تفصيل لقوله: ﴿ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ، ثم بينهم فقال: ﴿ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ وهذا يقوي القول الثاني. وقيل قوله: ﴿ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ تفسير للذي يُوسوس في صدور الناس من شياطين الإنس والجن؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام:112].

عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله، إني أحدث نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب إليَّ من أن أتكلم به. قال: فقال النبي : «الله أكبر الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة