إذا تداعى اثنان شيئًا وكان بيد أحدهما:
قال الله تعالى: ﴿ وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18].
قال القرطبي: (اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إِعْمَالِ الْأَمَارَاتِ فِي مَسَائِلَ مِنَ الْفِقْهِ كَالْقَسَامَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ بِصِحَّةِ الْقَمِيصِ، وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يَلْحَظَ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ إِذَا تَعَارَضَتْ، فَمَا تَرَجَّحَ مِنْهَا قَضَى بِجَانِبِ التَّرْجِيحِ، وَهِيَ قُوَّةُ التُّهْمَةِ، وَلَا خِلَافَ بِالْحُكْمِ بِهَا، قَالَهُ بن الْعَرَبِيِّ).
1425- عن جابر رضي الله عنه: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي نَاقَةٍ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: نُتِجَتْ هَذِهِ النّاقَةَ عِنْدِي، وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ الله ﷺ لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ» رواه الدارقطني، وفي إسناده ضعف.
- نُتِجَتْ عندي: أي تولَّدت عندي.
1 - حديث جابر دليل على أن اليد مرجحة للشهادة الموافقة لها.
2 - وقد استدلَّ به الفقهاء على أنه إذا تداعى رجلان شيئًا، وقدم كل منهما بينة أنها له، وتساويا في العدالة، واشتبه الأمر على القاضي، فإن كان المدَّعَى به في يد أحدهما: كان ذلك قرينة ترجح جانبه، فيحكم بها لمن هي في يده، وهو المسمى عند الفقهاء بالداخل؛ وذلك لأنهما قد استويا في الدعوى والبينة، ورُجِّح الذي هي بيده على خصمه بالحيازة؛ فحكم له، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية[1]، وهذا معنى قولهم: تُقدم بينة الداخل على بينة الخارج عند التكافؤ على ما هو المشهور[2].
قال الله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [المائدة: 108].
قال القرطبي: (وَقِيلَ: المُرَادُ بِهِ النَّاسُ، أَيْ أَحْرَى أَنْ يَحْذَرَ النَّاسُ الْخِيَانَةَ فَيَشْهَدُوا بِالْحَقِّ خَوْفَ الْفَضِيحَةِ فِي رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى المُدَّعِي). اهـ
هذه المسألة تعود إلى اجتهاد القاضي؛ لأن غايته أن يصل إلى الحق ما استطاع، سواء بالحكم برد اليمين أو الحكم بالنكول أو غير ذلك، والله أعلم.
1426- عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ اليَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْـحَقِّ»، رواه الدارقطني، وفي إسناده ضعف.
- ردَّ اليمين: أي أرجعَ اليمين.
- على طالب الحق: أي: على المدَّعِي، وذلك إذا نكل المدَّعَى عليه وامتنع عن الحلف.
1 - استُدِلَّ بالحديث على ثبوت رد اليمين على المدَّعِي إذا لم يحلف المدَّعَى عليه؛ وذلك أن المدَّعِي إذا ادَّعى شيئًا وأنكر المدَّعَى عليه، وليس للمدَّعِي بينة، فإن على المدَّعَى عليه اليمين على نفي الدعوى، فإن حلف على إنكار الدعوى؛ ذهب المدَّعِي لحال سبيله وانتهت القضية، لكن إن لم يحلف المدَّعَى عليه ورفض اليمين الموجهة إليه من القاضي، ماذا يكون الحال؟
2 - اختلف العلماء في القضاء بنكول المدَّعَى عليه عن اليمين إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يقضى على المدَّعَى عليه بمجرد نكوله وإنما ترد اليمين على المدَّعِي، فإن حلف؛ قضى له بالحق المدَّعَى به، وإلى هذا ذهب الشافعي وآخرون[3].
القول الثاني: ذهب جماعة إلى أنه يثبت الحق بالنكول من دون تحليف للمدَّعِي ، وإلى هذا ذهب الحنفية والحنابلة في الدعاوى المالية[4].
القول الثالث: لا يحكم به، ولكن يحبس المدَّعَى عليه حتى يحلف أو يقر، وبهذا قالت المالكية[5].
دل الحديث على أن القاضي يجتهد في البحث عن وسيلة تصل به إلى الحق، فيبدأ بالأصل «البينة على المدَّعِي واليمين على من أنكر»، ثم ينتقل إلى الوسائل الأخرى.
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36] قال القرطبي: (قَالَ ابْنُ خُوَيْزِمَنْدَادٍ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْحُكْمَ بِالْقَافَةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ دَلَّ عَلَى جَوَازِ مَا لَنَا بِهِ عِلْمٌ، فَكُلُّ مَا عَلِمَهُ الْإِنْسَانُ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ جَازَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ، وَبِهَذَا احْتَجَجْنَا عَلَى إِثْبَاتِ الْقُرْعَةِ وَالْخَرْصِ، لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَقَدْ يُسَمَّى عِلْمًا اتِّسَاعًا. فَالْقَائِفُ يُلْحِقُ الْوَلَدَ بِأَبِيهِ مِنْ طَرِيقِ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا كَمَا يُلْحِقُ الْفَقِيهُ الْفَرْعَ بِالْأَصْلِ مِنْ طَرِيقِ الشَّبَهِ).
1427- عن عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْـرُورًا، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ. فَقَالَ: «ألمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ الْـمُدْلِجِيِّ، نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: هَذِهِ الأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ»، متفق عليه.
- تبرق أسارير وجهه: أي تضيء وتستنير من الفرح والسرور، والمراد بالأسارير خطوط الجبهة.
- ألم تري إلى مجزز: أي ألم تسمعي ما قال مجزز؟ قال الحافظ في الفتح: والمراد من الرؤية هنا الإخبار أو العلم.
- مُجَزِّزٍ الْـمُدْلِجِيِّ: مجزز بن الأعور بن جعدة الكناني المدلجي، وإنما قيل له: مجزز؛ لأنه كان كلما أسر أسيرًا جز ناصيته، كان من العارفين بالقيافة، وهو القائف الذي سُرّ رسول الله ﷺ بقوله في أسامة وأبيه زيد بن حارثة.
- القائف: هو الذي يعرف شبه الرجل بأبيه أو أخيه وغيرهما ويميز الأثر.
1 - دلَّ الحديث على الاستفادة من القرائن التي تؤكد الحق لصاحبها، وأنه يُقضـى بها عند الضرورة والاحتياج.
2 - والحديث دليل على اعتبار القيافة في ثبوت النسب. وإلى اعتبار القيافة في ثبوت النسب ذهب جماهير العلماء[6]، وأجازوا الاعتماد عليها في إثباته عند التنازع وعدم وجود الدليل الأقوى، أو عند تعارض الأدلة الأقوى منها؛ مستدلين بهذا الحديث.
3 - وإنما تصح القيافة عند عدم وجود الأصل الأول في إثبات الأنساب؛ وهو الفراش، ومعنى الفراش: كون المرأة ولدت الطفل وهي على ذمة رجل زوجةً له، فإنه في هذه الحال ينسب الطفل إلى الزوج، وهذا هو معنى الفراش، فإذا عدم هذا الأصل جازت القيافة.
4 - وعلى الأصح عند القائلين بالإلحاق بالقيافة: يكفي قائف واحد، وقيل: لا بد من اثنين ليحصل الإلحاق[7].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - في الحديث: الفرح بما يزيل الريبة عن أنساب المسلمين، وقد فرح النبي ﷺ به؛ وذلك أن الكفار كانوا يقدحون في نسب أسامة لكونه كان أسود شديد السواد وكان زيد أبيض.
2 - تشوف الشارع الحكيم إلى صحة الأنساب، وإلحاقها بأصولها، وعدم إضاعتها.
3 - الفرح والاستبشار بالأخبار السارة وإشاعتها، خصوصًا ما فيه إزالة شبهة أو قول سوء[8].
1 - سبق أنّ التقرير من النبي ﷺ حجة، وأنه أحد أقسام السنة، فدل ذلك على تقرير كون القيافة طريقًا إلى معرفة الأنساب، وقد قضى عمر بمحضر من الصحابة بالقيافة من غير إنكار من واحد منهم، فكان كالإجماع يقوي القول بالقيافة، قالوا: وهو مروي عن ابن عباس وأنس ابن مالك ولا مخالف لهما من الصحابة، ويدل عليه حديث اللعان في قوله ﷺ : «إن جاءت به على صفة كذا وكذا فهو لفلان أو على صفة كذا وكذا فهو لفلان»، فجاءت به على الوصف المكروه، فقال ﷺ: «لولا الأيمان [أي أيمان اللعان]؛ لكان لي ولها شأن»، فقوله: فهو لفلان فيه إثبات للنسب بالقيافة، ولكن لاعتبارات أخرى لم يُعمل بها هنا.