باب
الآنية
حكم استعمال آنية الذهب والفضة:
قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ٣٣ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ٣٤ وَزُخْرُفًا ۚ وَإِنْ كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 33-35].
قال ابن القيم: (الصَّوَابُ أَنَّ الْعِلَّةَ [أي: في تحريم الشـرب في آنية الذهب والفضة] -والله أَعْلَمُ- مَا يُكْسِبُ اسْتِعْمَالُهَا الْقَلْبَ مِنَ الْهَيْئَةِ، وَالْحَالَةِ المُنَافِيَةِ لِلْعُبُودِيَّةِ مُنَافَاةً ظَاهِرَةً، وَلِهَذَا عَلَّلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهَا لِلْكُفَّارِ فِي الدُّنْيَا، إِذْ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ الَّتِي يَنَالُونَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ نَعِيمَهَا، فَلَا يَصْلُحُ اسْتِعْمَالُهَا لِعَبِيدِ الله فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا يَسْتَعْمِلُهَا مَنْ خَرَجَ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ، وَرَضِيَ بِالدُّنْيَا وَعَاجِلِهَا مِنَ الْآخِرَةِ)[1].
وقال الله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].
18- عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَشْـرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَـهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» متفق عليه.
19- وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «الَّذِي يَشْـرَبُ فِي إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» متفق عليه.
20- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَـرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» أخرجه البخاري.
1 - حذيفة بن اليمان: هو حذيفة بن اليمان بن جابر العبسي، قتل المسلمون أباه خطأ في أُحد، وتصدق حذيفة بدية أبيه على المسلمين، وكان يسمى صاحب سر النبي ﷺ؛ إذْ أَسرَّ إليه بأسماء المنافقين، واستعمله عمر على المدائن، ومات بها سنة (36هـ).
2 - أم سلمة: هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية بن المغيرة، أسلمت قديمًا، توفيت سنة (62هـ) بالمدينة، وهي آخر زوجات النبي ﷺ موتًا رضي الله عنها.
- آنية: جمع إناء، وهي الأوعية.
- صِحَافها: جمع صحفة، وهي إناء من آنية الطعام، دون القصعة.
- فإنها لهم في الدنيا: أي: للكفار، وإن لم يتقدم لهم ذكر، إلا أن السياق بين المراد بهم.
- يجرجر -بضم الياء وفتح الجيم وسكون الراء ثم جيم مكسورة ثم راء- والجرجرة: صوت وقوع الماء في الجوف، وصوت يردده البعير في حنجرته إذا هاج.
- جهنم: سميت بذلك: إما لبُعد قعرها، أو لأنها مشتقة من الجهومة، وهي الغلظة.
- قَدَح -بفتحتين-: إناء يشرب به الماء.
- الشَّعْب -بفتح الشين وسكون العين المهملة-: الشق والصدع.
- سلسلةً من فضة: أي: سِلْكًا من فضة يصل بين طرفي الشَّق.
1 - في حديثي حذيفة وأم سلمة دليل على تحريم الأكل والشـرب في آنية الذهب والفضة، وأنه من الكبائر؛ للوعيد الوراد فيه.
2- اختلف في جواز الأكل والشرب والانتفاع بغير الذهب والفضة من آنية الجواهر النفيسة، فمن رأى العلة في المنع من آنية الذهب والفضة السرف منع منها من باب أولى، ومن رآها لعين الذهب والفضة أجاز ذلك[2].
3 - تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب كما ذهب إليه جمهور العلماء، بل قال النووي -رحمه الله-: (قال أصحابنا: انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشـرب وسائر الاستعمال في إناء ذهب أو فضة إلا ما حُكي عن داود وقول الشافعي في القديم فهما مردودان بالنصوص والإجماع)[3].
4 - أكثر أهل العلم على القول بتحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة واقتنائها ولو من غير استعمال، لأن ما حرم استعماله مطلقًا حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال، لأن اتخاذه يجر إلى استعماله، وهو الأصح عند المالكية والشافعية، والمشهور عند الحنابلة، وأباح ذلك الحنفية وهو قول عند المالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة. وللفقهاء تفصيلات أخرى تنظر في كتب الفروع[4].
5- لا فرق في تحريم الأكل والشرب والاستعمال بين الرجال والنساء، وإن حلَّت الحِلية للنساء لحاجتهن لذلك، فلا يقاس الاستعمال عليها، إذ دليل التحريم شامل [5].
6 - في حديث أنس جواز إصلاح الأواني بضبَّة يسيرة من فضة للحاجة، ولا خلاف في جوازه [6]، ويلحق بهذا ما دعت إليه الحاجة؛ كربط الأسنان واتخاذ أنف ونحوه.
7- لا يجوز استعمال الذهب في إصلاح الأواني؛ لأنه أغلى ثمنًا وأشد تحريمًا، ولأنه لو كان جائزًا لاستعمله النبي ﷺ في الإناء؛ لأنه أبعد عن الصدأ بخلاف الفضة[7].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- من مقاصد الشريعة: غرس التواضع والتعلق بالآخرة في نفس المسلم، والتحذير من التعلق بالدنيا وزخرفها، ومن التلبس بأخلاق المتكبرين، والتشبه بالكافرين، والنهي عما يجعل القلب في حال منافية للعبودية، ولهذا علل النبي ﷺ بأنها للكفار في الدنيا، إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها النعيم في الآخرة [8].
قال شيخ الإسلام: (نهى ﷺ عن الأكل والشـرب لأنهما أغلب الأفعال وفي التطهر منها والاستمداد والاكتحال والاستصباح ونحو ذلك لأن ذلك مظنة السرف باستعمال النقدين في غير ما خلقا له والله لا يحب المسرفين، ومظنة الخيلاء والكبر لما في ذلك من امتهانهما، ومظنة الفخر وكسر قلوب الفقراء والله لا يحب كل مختال فخور)[9].
2- بيان ما كان عليه النبي ﷺ من الزهد والتقشف، وأنه ينبغي للإنسان متى أمكن إصلاح أوانيه أو نحو ذلك من أثاث منزله، فهو الأولى؛ لأن إصلاحها من الاقتصاد وتدبير المال [10].
1 - (لا) في قوله: «لا تشربوا»: ناهية، والنهي يفيد التحريم إلا إذا جاء صارف، ولا صارف هنا.
2 - قوله: «لا تشربوا»: نهي عام يشمل الذكر والأنثى، بخلاف التحلّي الذي يجوز للمرأة دون الرجل.
3 - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يحرم اتخاذها -أواني الذهب والفضة- في أشهر الروايتين، فلا يجوز صنعتها، ولا استصياغها، ولا اقتناؤها، ولا التجارة فيها؛ لأنه متخذ على هيئة محرمة الاستعمال، فكان كالطنبور وآلات اللهو، ولأن اتخاذها يدعو إلى استعمالها غالبًا فحرم كاقتناء الخمر والخلوة بالأجنبية).
4 - سد ذرائع الفساد واجب وفتحها حرام[11].
5 - ضابط: ما توُعِّد عليه بلعنة، أو غضب، أو حدٍّ في الدنيا، أو عذاب في الآخرة فهو من الكبائر[12].
6 - قاعدة: الحاجة تنزَّل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة، فإن إناء الفضة محرم في الأصل، وجاز استعمال المضبب منه بالفضة للحاجة؛ توسعة ورفعا للضيق والحرج[13].
قال الله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ ﴾ [النحل: 80].
قال القرطبي: (قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ ﴾ عَامٌّ فِي جِلْدِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، فَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ...)اهـ. وهذه الآية مطلقة في حل الانتفاع بجلود الأنعام، وبينت السنة أنه لا ينتفع بإهاب الميتة إلا بعد دباغه، أما جلد المذكَّى فهو طاهر تبعًا لأصله.
21- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ»، أخرجه مسلم، وفي السنن: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ». [قال الترمذي في السنن (1728): حسن صحيح].
22- وعن سلمة بن المحبق رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «دِبَاغُ جُلُودِ الْـمَيْتَةِ طُهُورُها»، صحَّحه ابن حبان. [أعلَّه أحمد فيما نقله ابن الملقن في البدر المنير (1/609)].
23- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مَرّ على شاة ميتة فقال: «هَلَّا أَخْذتُم إِهابَها فَدبَغْتُموه فانتفعتُم بِهِ»، فقالوا: إنها ميتة، فقال: «إِنَّما حَرُمَ أكْلُهَا»، رواه مسلم، وهو في البخاري دون ذكر الدباغ.
24- وعن ميمونة رضي الله عنها قالت: مر النبي ﷺ بشاة يجرُّونها، فقال: «لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا»، فقالوا: إنها ميتة، فقال: «يُطَهِّرُهَا الْـمَاءُ وَالْقَرَظُ»، أخرجه أبوداود والنسائي. [ضعيف؛ لجهالة عبد الله بن مالك بن حذافة. ولمتنه شواهد في الصحيحين].
1 - سلمة بن المحبِّق: هو أبو سنان سلمة بن المحبق الهذلي، بُشّـِر بابنه سنان وهو بِحُنين، فقال: (لسَهمٌ أرمي به عن رسول الله ﷺ أحبُّ إليَّ مما بشَّرتموني به)، سكن البصرة، وقد روى اثني عشر حديثًا.
2 - ميمونة: هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها ، كان اسمها بَرَّة فسماها رسول الله ﷺ ميمونة، كانت تقيَّةً واصلةً لرحمها، وتوفيت بِسَرِف سنة (51هـ) في الموضع الذي ابتنى بها فيه رسول الله ﷺ، وصلى عليها عبد الله بن عباس.
- الدِّباغ: إزالة النتن والرطوبة من الجلد بمواد خاصة.
- الإهاب: الجلد قبل الدباغ، وقيل: هو الجلد مطلقًا.
- طَهُر -بفتح الطاء وضم الهاء-: صار طاهرًا.
- القَرَظ -بفتحتين-: ورق يؤخذ من شجرة، ويُستعمل في الدبغ.
1 - إهاب الميتة نجس بلا خلاف، ولا يجوز الانتفاع به قبل الدباغ بالاتفاق، إلا ما روي عن محمد بن شهاب الزهري من جواز الانتفاع بجلود الميتة قبل الدباغ.
2 - في الأحاديث دليل على أن الدباغ يطهِّر جلد الميتة، ولا يختص التطهير بالقرظ، بل يحصل الإجزاء بكل ما نزَعَ الفضول، ونشَّف الجلد من الرطوبات، ولو بالمستحضرات الكيماوية.
3 - حديث ابن عباس رضي الله عنهما دليل على أنه لا فرق بين إهاب ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، واستثنى الجمهور جلد الخنزير، وزاد الشافعي جلد الكلب. وقال أبو يوسف القاضي وداود الظاهري وبعض المالكية: يطهر الكل[14].
4 - في الأحاديث رد على المالكية والحنابلة القائلين بأن الدباغ لا يطهر جلد الميتة[15]، وقد استدلوا بحديث عبد الله بن عُكيم قال: «أتانا كتاب رسول الله ﷺ: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»[16]، وقد أُعِلَّ بالاضطراب في سنده وفي متنه، ثم على القول بصحته، فإنه محمول على النهي عن الجلد قبل الدبغ؛ فإن الإهاب اسم لما لم يُدبغ.
5- في عموم الأحاديث السابقة دليل على جواز استعمال الجلد المدبوغ في اليابسات والمائعات، وقد كانوا يستخدمون القِرَب للماء بلا نكير.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - الحث على الطهارة والنظافة والتنزُّه عن النجاسات، دون إفراط أو تكلُّف.
2 - من رحمة الله وتيسيره على عباده اعتبار الدباغ طهورًا لجلد الميتة؛ حيث استثناه الشـرع من عموم تحريمها المنصوص عليه في القرآن؛ لينتفع به من يحتاج إليه من الفقراء وغيرهم [17].
3- فيه حفظ المال وعدم تضييعه ولو كان محقَّرًا.
1 - (أل) في الإهاب لاستغراق الجنس، كما أن صيغة: (أي) شرطية، وهي من أدوات العموم أيضًا، فيعمُّ الحكم بالطهارة من الدباغ كل جلد، سواء كان مأكول اللحم أم لم يكن، وليس يستثنى منه إلا ما كان نجسًا نجاسة عين.
2 - القاعدة الأصولية: أن (العام لا يُقصَر على سببه)، فلا يصح تخصيص الحديث بشاة ميمونة لأنها سبب الحديث، ولا بأنه يختص بمأكول اللحم لأن سبب الحديث ورد في ذلك، بل يبقى على عمومه من غير فرق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل[18]. والقاعدة يعبر عنها أيضًا بلفظ: (العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب).
3- إذا أفرد بعض أفراد العام في الذكر فذلك لا يقتضي التخصيص؛ فقوله ﷺ: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» عام، وإفراد ذكر الشاة في حديث ميمونة لا يقتضي تخصيصه[19].
4 - إذا دار لفظ الشارع بين أن يحمل على الحقيقة الشـرعية أو اللغوية -ومثاله هنا لفظ الطهارة الوارد في الحديث- حمل على الحقيقة الشـرعية؛ لأنها مقصود البعثة، وصرف الكلام إلى ذلك أولى من صرفه إلى تعريف وضع اللغة[20].
5 - استُدل بالحديث على نجاسة الجلد، كما هو مذهب الجمهور، ووجه الدليل: أنَّ مقتضـى اللفظِ «أيما إهاب...» من الشرط والجزاء ترتُّبُ الطهارة على الدباغ، ومن ضرورة ذلك تقدُّمُ النجاسة على الدباغ؛ لأن تطهيرَ الطاهر محالٌ(.([21]
6 - استثناء الخنزير من عموم الحديث لأنه محرم العين حيًا وميتًا، وجلده مثل لحمه، فلما لم تعمل في لحمه ولا في جلده الذكاة لم يعمل الدباغ في إهابه شيئًا.
وأيضًا هذا العموم محمولٌ على نوع السبب الذي أخرجه، وهو ميتة ما تعمل الذكاة فيه، وبأن جلد الخنزير نادرٌ لا يخطر بالبال حالة الاطلاق، فلا يقصد بالعموم[22].
25- عن أبي ثعلبة الخُشْني رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! إنَّا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا» متفق عليه.
26- وعن عمران بن حصين رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ اِمْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ» متفق عليه، في حديث طويل.
1 - أبو ثعلبة الخشني: الأكثر على أن اسمه جُرثوم، وهو من أهل بيعة الرضوان، أسلم قومه على يديه، نزل الشام، ومات بها وهو ساجد سنة (75هـ).
2 - عمران بن حصين: أبو نجيد عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي، أسلم عام خيبر، كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، وكان مجاب الدعوة، وكانت الملائكة تُسلِّم عليه من جوانب بيته في علَّته، فلما اكتوى فقد ذلك، ثم عاد إليه. بعثه عمر إلى البصرة ليُفَقِّه أهلها، ومات بها سنة 52هـ، وكان الحسن البصري يحلف ما دخل البصرة خير لهم من عمران بن حصين.
عن أبي ثعلبة الخشني، أنه سأل رسول الله ﷺ قال: إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله ﷺ: «إن وجدتم غيرها فكلوا فيها واشربوا، وإن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء وكلوا واشربوا» رواه أبو داود.
- المَزادة: بفتح الميم؛ الراوية، وهي قِرْبة كبيرة يُزاد فيها جلد من غيرها.
- فارحَضُوها: يعني: اغسلوها؛ من رحَضَ -كمنع- غسَل.
1 - في حديث أبي ثعلبة النهي عن الأكل في أواني أهل الكتاب والمشركين، لأنهم لا يتنزهون عن النجسات.
2 - جاء في الحديث أنه يجوز استعمال آنية أهل الكتاب بشرطين:
الأول: ألَّا يجد غيرها.
والثاني: أن تُغسل، حتى يحصل اليقين بطهارتها، وهذان الشرطان للاستحباب فقط؛ لأن طعام أهل الكتاب حل لنا، وقد أكل النبي ﷺ معهم، ومن أوانيهم، أما إذا تُيُقِّنت نجاسة هذه الأواني أو أنه طُبخ فيها نجاسة، فيكون الغسل واجبًا حينئذ.
3 - في حديث عمران دليل على إباحة تبادل المنافع والمصالح من الكفار؛ لأن ذلك مجرد معاملة دنيوية، وأداء حقوق جيرة وقرابة ونحوها، فليس معها ميل قلبي إليهم، ولا ركون إلى اعتقاداتهم[23].
4 - وفيه طهارة جلد الميتة بعد الدباغ؛ لأن المزادة كانت من ذبائح المشركين، وذبائحهم ميتة؛ لأنها غير مذكَّاة، كما أن فيه دليلًا على أن الدباغ لا يحتاج إلى نية، فلا يشترط وقوعه من المسلم.
5 - وفي حديث عمران دليل على حمل أواني المشركين المجهول حالها على الطهارة ما لم تُتيقَّن النجاسة، والجمع بينه وبين حديث أبي ثعلبة: أن النهي في حديث أبي ثعلبة محمول على الكراهة؛ لأنهم يستحلون الميتات والنجاسات، وهو مذهب الشافعية ورواية عن أحمد، إلا أن يتيقن طهارتها، فلا كراهة[24]، وذهب المالكية والشافعية والحنابلة في قول عندهم إلى الجواز مطلقًا من غير كراهة ما لم تتيقن النجاسة[25]
6 - في حديث أبي ثعلبة دليل على نجاسة الخمر.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- بركته ﷺ، وإحسانه إلى الناس ورفقه بهم، كما يتضح من تمام قصة المرأة، وأنه أمر أصحابه فجمعوا لها من طعامهم وأحسنوا إليها، وكان ذلك سببًا في إسلامها وإسلام قومها.
2 - حرص الصحابة رضي الله عنهمعلى السؤال، وهذا هو الواجب على كل مسلم، فيسأل عن أمر دينه حتى يعبد الله على بصيرة؛ قال الله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنبياء: 7] [26].
3- الواجب على المؤمن ترك مواطن الريبة والبعد عنها ما أمكن، فإن احتاج الإنسان إلى ما لا يتحقق تحريمه، فلا حرج عليه حينئذ ولا تضييق.
1 - الأمر في قوله: «فاغسلوها» ليس للوجوب؛ لأنه ﷺ لم يأمر بالغسل في حديث المزادة وغيره، فاتضح من مجموع الأحاديث أن الأمر بالغسل قبل الاستعمال إنما هو عند ظن نجاستها.
2 - الأمر بعد النهي يدل على الإباحة عند الجمهور[27]، ومن ذلك في الحديث قوله: «وكلوا فيها»؛ لأنه جاء بعد النهي في قوله: «لا تأكلوا فيها».
3 - أمر عليه السلام بغسل الآنية، والأكل فيها بعد غسلها مطلق، فيكفي في امتثال الأمر به غسلة واحدة.
4 - استنبط العلماء من أمره ﷺ بغسل الآنية: أن العلة في النهي عن استعمالها قبل الغسل هي عدم تورُّعِهم عن النجاسات، وربما وضعوا فيها الخمر أو طبخوا فيها الميتة والخنزير.