باب التيمم
قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: 6] قال ابن كثير: (وَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ مُخْتَصَّةً بِشَرْعِيَّةِ التَّيَمُّمِ دُونَ سَائِرِ الْأُمَمِ). اهـ؛ يشير إلى أن قوله تعالى: وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ دليل على الخصوصية.
137- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ اَلصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ»، وذكر الحديث. متفق عليه.
138- وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «فُضِّلنا على الناس بثلاث»، - وذكر فيه: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ اَلْـمَاءَ»، رواه مسلم. وعن عليٍّ رضي الله عنه عند أحمد: «وجعل التراب لي طهورًا». [ضعَّفه ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (1/368)].
1 - التيمم: معناه في اللغة: القصد، وشرعًا: قصد الصعيد الطاهر، واستعماله بصفة مخصوصة.
2 - أُعطيت: أي: أعطاني الله تعالى.
3 - خمسًا: أي: خمس خصال، وذكر منها في الحديث هنا خصلتين، والثلاث الباقية هي: حِلُّ الغنائم، والشفاعة، وأنه ﷺ بُعث إلى الناس عامة.
4 - نُصرت بالرعب: أي: نصرني الله بحصول الخوف والوجل في قلوب الأعداء.
5 - مسيرة شهر: مسافة شهر؛ أي: يقع لعدوه الرعب منه ولو كان بينه وبينه مسافة شهر.
6 - وجُعلت لي الأرض مسجدًا: أي: مكانًا للسجود تصح فيه الصلاة.
7 - طهورًا: أي: طاهرًا مطهِّرًا.
8 - أدركَتْهُ الصلاة فليُصَلِّ: أي: فأيُّ مكلف دخل عليه وقت الصلاة ولم يجد الماء، فليتطهر بالأرض وليُصَلِّ عليها.
1 - جُعلت الأرض لهذه الأمة مسجدًا، يصلي المسلم في أيِّ مكان تدركه فيه الصلاة، بخلاف الأمم السابقة الذين لم تشرع لهم الصلاة إلا في أماكن معينة، ويخص من عموم هذا الحديث ما نهي عن الصلاة فيه؛ كالمقبرة والحمام، فلا يجوز أن يُصلَّى فيها.
2 - جُعل التراب لهذه الأمة طهورًا، بل الأرض كلها ما دامت طاهرة، وكان عليها غبار يعلق باليد، وقد أجمعت الأمة على مشروعية التيمم عند فقد الماء أو تعذر استعماله [1].
3- الحديث دليل على وجوب أداء الصلاة في وقتها على أي حال، سواء أكان واجدًا للماء أم لا.
4- يفهم من الحديث أن التيمم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في وصف الطهورية.
5 - ساق الحافظ حديث حذيفة لأن فيه تقييدين للحديث الأول، الأول: قوله: «إذا لم نجد الماء»، والثاني: قوله: «وجعلت تربتها»، وهو ما كان له غبار، أي: دون الرمل والحجارة، ونحوها.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - فضل النبي ﷺ على سائر الأنبياء، بل وعلى سائر خلق الله أجمعين.
2 - يشرع تعديد نعم الله تعالى على العبد على وجه الشكر لله، وذكر آلائه، لا على سبيل التكبر والافتخار، كما قال الله تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11].
3 - تأييد الله لنبيه بإلقاء الرعب في قلوب العدو، وتُرجى هذه الخصلة لمن كان على ما كان عليه النبي ﷺ.
1 - (ال) في قوله: «وَجُعِلَتْ لِي اَلْأَرْضُ مَسْجِدًا» للاستغراق، وهي من ألفاظ العموم، فتشمل كل أرض كيف كانت مادتها، لكن هذا العموم مخصوص بما ثبت فيه النهي عن الصلاة كالمقبرة والحمام وأعطان الإبل.
2 - في قوله ﷺ في حديث حذيفة: «وجعلت تربتها» تقييد للفظ: (الأرض)؛ فإن التراب: ما كان له غبار، وهذا هو وجه استدلال الشافعية والحنابلة باشتراط ذلك لصحَّة التيمم.
قال الله تعالى: ﴿ ﭐ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ﴾ [المائدة: 6]
قال ابن تيمية: (إن الله جعل التيمم مطهرًا كما جعل الماء مطهرًا... فأخبر تعالى أنه يريد أن يطهرنا بالتراب كما يطهرنا بالماء)[2].
139- عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا معتزلًا لم يُصَلِّ في القوم، فقال: «يا فلان! ما منعك أن تصلي في القوم؟»، فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابةٌ، ولا ماء! قال: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك»، متفق عليه، واللفظ للبخاري.
- معتزلًا: متنحيا عن القوم.
- الصعيد: ما صعد على وجه الأرض من تراب ونحوه.
- يكفيك: يجزئك عن الماء.
1- التيمم ينوب عن الغسل في التطهير من الجنابة، بل يرفعها على الصحيح، كما سيأتي.
2- فيه دليل على أن التيمم للجنابة كالتيمم للحدث الأصغر، ودليل على أن عادم الماء يكفيه الصعيد عن الماء[3].
3-فيه دليل على أنه لا يجب طلب الماء إذا غلب على الظن عدمه أو قطع بذلك[4].
4- ظاهر الحديث يدل على ما ذهب إليه الحنفية والمالكية من أنه لا يشترط التراب، بل يجوز التيمم ولو على رمل أو حجارة؛ لأن ذلك من الصعيد، واختاره ابن تيمية[5]، واشترط الشافعية والحنابلة التراب الذي له غبار يعلق باليد منه شيء [6].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - المبادرة بدعوة الناس إلى الخير وإرشادهم إلى ما ينفعهم.
2 - عدم العجلة في الحكم على الناس قبل التبيُّن والاستيضاح.
3- الملاطفة والرفق في إنكار ما هو منكر، أو محتمل لما هو منكر، لإخراجه ﷺ كلامه مخرج السؤال عن السبب المقتضي للترك، لا مخرج التغليظ[7].
4- فيه الجريان على سنة العادة التي أجراها الله تعالى على خلقه، وعدم التوقف لأجل انخراقها، وليس في ذلك عيب ولا نقص في التوكل والتوحيد[8].
5 - من يُسر الشريعة وسماحتها إيجاد البدائل التي ترفع الحرج عن الناس.
استدل من قال بأن التيمم لا يختص بالتراب، بل بكل ما صعد على وجه الأرض بظاهر القرآن وبهذا الحديث، وبأن النبي ﷺ لما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك وقطعوا تلك الرمال في طريقهم، لم يَرِد أنهم حملوا التراب معهم ولا أمرهم به، بل كانوا يتيمَّمون بما تيسر لهم من الأرض.
وردُّوا على من خصصه بالتراب من وجهين: الأول: للقاعدة التي سبقت: أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يكون ذلك مخصصًا له عند الجمهور، فإذا قلت: أكرم الطلبة وأكرم زيدًا، لم يكن تخصيصًا لزيد بالإكرام؛ لأنه ذُكِرَ بحكم العام. الثاني: أن لفظ (التراب) مفهوم لقب، والاحتجاج بمفهوم اللقب ضعيف عند جمهور الأصوليين، والله أعلم[9].
قال الله تعالى: ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [المائدة: 6] قال القرطبي: (فَبَدَأَ بِالْوَجْهِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ). اهـ
140- عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: بَعَثَنِي اَلنَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ اَلْـمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي اَلصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ اَلدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ اَلنَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إِنَّما كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا» ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ اَلْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ اَلشِّمَالَ عَلَى اَلْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ، متفق عليه، واللفظ لمسلم. وفي رواية للبخاري: «وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ اَلْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْه».
141- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى اَلْـمِرْفَقَيْنِ»، رواه الدارقطني، وصحَّح الأئمة وقفه. [أحاديث الضـربتين في التيمم كلها ضعيفة؛ ضعَّفها: الحافظ في التلخيص الحبير (1/410)، وابن القيم في زاد المعاد (2/45)]
هو أبو اليقظان عمار بن ياسر بن عامر المذحجي العبسي، مولى بني مخزوم، الطيِّب المطيَّب، شهد بدرًا والمشاهد كلها، كان من السابقين إلى الإسلام، وممن عُذِّب في الله في أول الإسلام، كان قليل الكلام، كثير الذكر، وكان عامة قوله: «عائذ بالرحمن من فتنة»، استشهد يوم صفين سنة (37هـ).
- تمرَّغت: تقلَّبت على الأرض ليشمل التراب جميع جسدي، وذلك قياسًا منه للتيمم من الجنابة على الغسل.
- يكفيك: أي: يجزيك ويغنيك عن التمرُّغ في الصعيد.
- تقول بيديك: أي: تفعل هكذا بيديك، والعرب يكنون بالقول عن الفعل.
1- أن التيمم ليس خاصًا بالحدث الأصغر، بل هو مطهر من الحدث الأكبر؛ إذ يجوز له التيمم إذا لم يجد الماء.
2 - دل حديث عمار على أن صفة التيمم: أن يضرب بيديه الأرض ضربةً واحدة فيمسح بهما وجهه ثم يمسح يده اليسرى على باطن كفه اليمنى؛ وظاهر كفيه؛ موافقة لظاهر القرآن وأكثر الروايات[10]، وهذه كيفية التيمم للجنابة وللحدث الأصغر.
3 - جواز تخفيف الغبار العالق باليدين بالنفخ فيهما، قال الحافظ: (النفخ يحتمل أن يكون لشيء عَلِقَ بيده خشي أن يصيب وجهه الكريم، أو عَلِقَ بيده من التراب شيء له كثرة فأراد تخفيفه، لئلا يبقى له أثر في وجهه، ويحتمل أن يكون لبيان التشريع)[11].
4 - في حديث ابن عمر-لو صحَّ- دليل لمن ذهب إلى أن التيمم يكون بضربتين: ضربة لمسح الوجه، وضربة لمسح اليدين إلى المرفقين، والراجح أن الواجب أن يضـرب على الأرض ضربة واحدة، وهو مذهب المالكية والحنابلة، إلا أن الأكمل عند المالكية ضربتان، وإلى المرفقين كالشافعية والحنفية [12].
5 - وفيه: أن التيمم في اليدين يكون إلى المرفقين، ولكن الصواب أن الحديث موقوف، كما أنه معارض بحديث عمار، ولهذا كان الأصح مذهب الحنابلة أنه يكفي أن يمسح كفيه فقط[13].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - فضل عمار بن ياسر، وفضل الصحابة عمومًا في توقيرهم للنبي ﷺ وامتثالهم لأوامره، وحرصهم على أداء فرائض الله تعالى، وعلى تعلُّم أحكام دينهم.
2 - التعليم بالقول والفعل، ويكون بتمثيل المطلوب تعلمه، وهو ما يسمى الآن بـ (وسائل الأيضاح)، وذلك أن التعليم بالفعل أدعى إلى الفهم من التعليم بالقول.
3- الحكمة من التيمم:
قال الطاهر بن عاشور: (أحسب أن حكمة تشريعه تقرير لزوم الطهارة في نفوس المؤمنين، وتقرير حرمة الصلاة، وترفيع شأنها في نفوسهم؛ فلم تترك لهم حالة يعدون فيها أنفسهم مصلين بدون طهارة تعظيما لمناجاة الله تعالى، فلذلك شرع لهم عملًا يشبه الإيماء إلى الطهارة ليستشعروا أنفسهم متطهرين، وجعل ذلك بمباشرة اليدين صعيد الأرض التي هي منبع الماء، ولأن التراب مستعمل في تطهير الآنية ونحوها، ينظفون به ما علق لهم من الأقذار في ثيابهم وأبدانهم وماعونهم، وما الاستجمار إلا ضرب من ذلك، مع ما في ذلك من تجديد طلب الماء لفاقده وتذكيره بأنه مطالب به عند زوال مانعه، وإذ قد كان التيمم طهارة رمزية اقتنعت الشريعة فيه بالوجه والكفين في الطهارتين الصغرى والكبرى، كما دل عليه حديث عمار بن ياسر، ويؤيد هذا المقصد أن المسلمين لما عدموا الماء في غزوة المريسيع صلُّوا بدون وضوء فنزلت آية التيمم. هذا منتهى ما عرض لي من حكمة مشروعية التيمم بعد طول البحث والتأمل في حكمة مقنعة في النظر)[14].
1 - في حديث عمار دليل على أن القياس مع الفارق باطل، وهو القياس الذي فيه فرق بين الأصل المقيس عليه والفرع المقيس، وهذا ما يمنع القياس[15]. وهنا قاس التراب على الماء، وبينهما فرق؛ لأن الأصل المقيس عليه -الذي هو الوضوء- قد ألغي فيه مساواة البدل له، فإن التيمم لا يعُمُّ جميع أعضاء الوضوء، وحيث ألغيت مساواة بدل الأصل، فلأن تُلغى في الفروع أولى، فلذلك لم يصح القياس.
2 - جاء ذكر اليد مُطْلقةً في آية التيمم: ﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ﴾ [المائدة: 6]، واليد تطلق عند الإطلاق على الكف فقط، وأما في الوضوء فقد جاء تقييدها في قوله تعالى: ﴿ ﭐ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة: 6]، ولا يجوز حمل المطلق على المقيد في التيمم؛ لأن من شرط ذلك أن يتفقا في الحكم، وهنا لم يتفقا؛ لأن الحكم في آية الوضوء غسل، وفي آية التيمم مسح[16].
قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ [المائدة: 6] فجعل الله التيمم مشروطا بعدم الماء، وبعدم القدرة، فإذا وُجد الماء وتوفرت القدرة على استعماله بطل التيمم.
وقال الله تعالى: ﴿ ﭐ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286] ومن جاز له أن يصلي بتيمم وانتهى من صلاته قبل وجود الماء فقد أدى الصلاة بما في وسعه، فلا يكلف إعادتها بعد ذلك ولو زال عذره.
142- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اَلصَّعِيدُ وَضُوءُ الْـمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ اَلْـمَاءَ عَشْـرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ اَلْـمَاءَ فَلْيَتَّقِ اَللَّهَ، وَلْيُمِسَّهُ بَشَـرَتَهُ»، رواه البزار وصحَّحه ابن القطان، ولكن صوَّب الدارقطني إرساله، وللترمذي عن أبي ذر نحوه وصحَّحه. [ضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/267)؛ في إسناده رجل غير معروف].
143- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْ اَلصَّلَاةَ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا اَلْـمَاءَ فِي اَلْوَقْتِ. فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا اَلصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ اَلْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ الله ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ اَلسُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ»، وَقَالَ لِلْآخَرِ: «لَكَ اَلْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» رواه أبوداود والنسائي. [وقال أبو داود في السنن (338) عقبه: (ذكر أبى سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ وهو مرسل)].
أبو ذر: هو جندب بن جنادة الغفاري، كان يوازي ابن مسعود في العلم والفضل، وكان زاهدًا صادق اللهجة، أمّارًا بالمعروف، لا تأخذه في الله لومة لائم، قال فيه النبى ﷺ: «ما أقلَّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر»، وكانت وفاته بالربذة سنة (32هـ).
- وَضوء: بفتح الواو: ما يُتطَهَّر به.
- بشرته: أي: جلده، وذلك بأن يتطهر به.
- فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر: أي: أعاد الأول ظناّ منه أن الأولى بطلت بوجود الماء في الوقت، أو للاحتياط، ولم يعد الآخر لاعتقاده أن صلاته صحيحة؛ لأنه تيمم وصلّى حال فقد الماء.
- أصبت السنة: أي: وافقت الحكم الشرعي.
- وأجزأتك صلاتك: أي: كفتك عن القضاء.
- لك الأجر مرتين: مرة لصلاته الأولى بالتيمم، ومرة لصلاته الثانية، فإن كلًّا منهما صحيحة.
1 - في حديث أبي هريرة دليل على أن التيمم يقوم مقام الوضوء، وأنَّ للمتيمم أن يفعل بالتيمم ما يفعل بالوضوء من: صلاة وطواف، ودخول مسجد، واللبث فيه، ومس مصحف، والقراءة منه.
2 - التيمم مطهر ورافع للحدث، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن تيمية وابن القيم، خلافًا للجمهور الذين يرون أن التيمم مبيح لما تجب له الطهارة فقط، لا رافع للحدث[17].
3 - الحديث دليل على أن من تيمم للجنابة ثم قدر على استعمال الماء أنه يلزمه الغسل، وهو قول كافة العلماء.
4 - في الحديث أن كل أرض صالحة للتيمم منها، سواء كانت رملية أو صخرية أو سبخة، رطبة أو يابسة.
5 - في حديث أبي سعيد دليل على أن فقد الماء أحد الأعذار المبيحة للتيمم، وعلى أن المادة التي يتيمم بها لا بد أن تكون طاهرة؛ لقوله في الحديث: «صعيدًا طيبًا». وهو مطابق للآية.
6 - أن من وجد الماء بعد الصلاة أجزأته صلاته، ولو وجده في الوقت، والسُّنة ترك الإعادة في الوقت.
7 - من تيمم لفقد الماء ثم وجده، فلا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يجده بعد الصلاة وبعد خروج الوقت، فهذا لا إعادة عليه إجماعًا.
الثانية: أن يجد الماء بعد الصلاة وقبل خروج الوقت، فهذا لا إعادة عليه، بل ولا تشـرع له الإعادة، على الراجح من أقوال أهل العلم، وهو مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة[18]، ويؤيد ذلك أن هذا قد أدى فرضه كما أُمِرَ، فمن ادعى نقض ذلك وإيجاب الإعادة عليه فعليه الدليل.
الثالثة: أن يجد الماء وهو يصلي، كأن يبعث أحدًا في طلب الماء فيأتي وهو في الصلاة، فهذه الحالة فيها قولان: يبطل التيمم وتبطل الصلاة، وعليه أن يتوضأ ويستأنف الصلاة، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، واختاره ابن حزم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ﴾ [المائدة: 6]، ولعموم حديث أبي هريرة المتقدم: «فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته»، وهذا قد وجد الماء قبل نهاية الصلاة فبطل تيممه وعليه أن يمسه بشرته، ومذهب المالكية: أنه لا يبطل تيممه، ولا يلزمه إعادة الصلاة، ومذهب الشافعية عدم البطلان إن كانت مما يسقط فرضه بالتيمم كصلاة السفر والجنازة والعيدين[19].
1 - استدل الجمهور على أن التيمم مبيح للصلاة ونحوها فقط، لا رافع للحدث بقوله: «فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته»، ووجه الدلالة: أنه أمره إذا وجد الماء أن يمسه بشرته، وهذا يدل على أن التيمم لم يرفع حدثه، وإنما أباح له فعل ما شُرعت الطهارة له، ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده.
ومن جهة أخرى: التيمم بدل عن طهارة الماء وليس بأصل، وإنما شرع في أحوال مخصوصة، ولذلك كان مبيحا لما تجب له الطهارة، لا رافعا للحدث.
2 - استدل الحنفية على قولهم بأن التيمم رافع للحدث: بأن البدل له حكم المبدل منه، والتيمم بدل عن الوضوء، فله حكمه، ولا يفترقان إلا في كون رفع التيمم للحدث إلى غاية وجود الأصل، وهو الماء، فإذا وجد الماء عاد إليه حدثه، ووجب عليه رفع الحدث بالماء. كما أن في تسمية التيمم وضوءًا دليل لمن قال بأن التيمم مطهر ورافع للحدث، وليس مبيحًا لما تجب له الطهارة فقط.
3 - القائلون: إن المتيمم الذي جاءه الماء وهو يصلي لا يبطل تيممه، ولا يلزمه قطع الصلاة وإعادتها استدلوا بأن هذا المتيمم قد دخل في الصلاة على وجه مأذون فيه شرعًا، وهو قد تطهر وفرغ من طهارته ثم شرع في صلاته، وهو في صلاته غير مخاطب بالطهارة، فلا يجوز نقض طهارةٍ قد مضى وقتها، وإبطالُ ما أدى من الصلاة كما فرضت عليه وأُمر به، إلا بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، ولم يوجد شيء من ذلك[20].
4 - قاعدة: (يُغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء): معنى هذه القاعدة: أن ما يمتنع على المكلف فعله إما مطلقًا أو مقيدًا بحال معينة يتسامح الشرع فيه في حال كونه امتدادًا واستمرارًا لوجوده السابق على وجه صحيح ما لا يتسامح في الابتداء[21].
ومن فروع هذه القاعدة: أنه إذا وجد المتيمم الماء في أثناء الصلاة لا يقطع صلاته؛ على ما قرَّره المالكية والشافعية على تفصيل عندهم في ذلك.
قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ [المائدة: 6].
قال ابن كثير: (وَقَوْلُهُ: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ﴾ أَيْ: فَلِهَذَا سَهَّلَ عَلَيْكُمْ ويسَّر وَلَمْ يعسِّر، بَلْ أَبَاحَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ الْمَرَضِ، وَعِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ، تَوْسِعَةً عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةً بِكُمْ وَجَعَلَهُ -فِي حَقٍّ مِنْ شُرِع له- يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ إِلَّا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ).
144- عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ ﴾ [النساء:43، المائدة:6] قال: «إِذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ اَلْـجرَاحَةُ فِي سَبِيلِ الله وَالْقُرُوحُ، فَيُجْنِبُ، فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إِنْ اِغْتَسَلَ: تَيَمَّمَ»، رواه الدارقطني موقوفًا، ورفعه البزار، وصحَّحه ابن خزيمة والحاكم. [صحَّح وقفه أبو زرعة وأبو حاتم في العلل (40)، والدارقطني في السنن (1/327)، وانظر: التلخيص (1/146)].
145- وعن جابر رضي الله عنه في الرجل الذي شُجَّ فاغتسل فمات: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ»، رواه أبو داود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على رواته. [ضعَّفه الدارقطني في السنن (1/350)، وابن حجر في التلخيص الحبير (1/399].
عن جابر رضي الله عنه قال: «خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺأخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر، أو يعصب -شك الراوي- على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده».
- الذي شُجَّ: الشَّجَّة: الجراحة إذا كانت في الوجه أو الرأس.
1 - في الآية أن عدم الماء عذر وسبب مبيح للتيمم.
2- في حديث ابن عباس دليل على أنه يجوز التيمم للمرض، لعموم الآية، ومن ذلك الجراحة في سبيل الله، ولا يشترط المرض الشديد، بل يجوز لكل مريض يضـره استعمال الماء أن يتيمم، حتى لو خاف أن يتعفن الجرح، أو يزيد الألم، أو يتأخر الشفاء، أو تطول عليه مدة المرض، كل ذلك داخل في عموم الآية.
3 - وكذلك لو خاف الضرر من استعمال الماء جاز له التيمم عند جمهور العلماء.
4 - ودلَّ حديث جابر على مشروعية المسح على العصائب والجبائر، وجواز المسح على الجبيرة هو قول جماهير العلماء خلافًا للظاهرية وبعض فقهاء الشافعية[22].
5 - إذا أصيب الإنسان بجرح فهو بين أمرين:
الأول: أن يكون على الجرح ضماد أو عليه جبيرة، فهذا يمسح بالماء على الجبيرة، ثم يغسل الباقي، ولا يجب أن يجمع معه التيمم.
الثاني: ألا يكون عليه ضماد أو جبيرة، فهذا بين حالتين:
أ - ألا يضره الغسل؛ فهذا يغسل الجرح.
ب - أن يضره الغسل؛ فهذا يتيمم للجرح ويغسل الباقي[23].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - يُسر الشريعة وسماحتها، ورحمة الله بعباده، ومن ذلك: تحريم ما يجلب الضرر حتى ولو كان واجبًا.
2 - عظيم جُرم من يفتي للناس ويقول في دين الله بلا علم.
1 - قوله: «ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» استدل الجمهور على جواز المسح على الجبائر بما يلي:
الأول: القياس على المسح على الخفين؛ فإن هذا عضو وجب غسله، وسُتر بما يسوغ ستره شرعًا، فجاز المسح عليه كالخفين. ويقوي القول بالجواز: أن المسح على الخفين مسح لغير ضرورة، بل هو من باب رحمة الله تعالى بعباده، والتيسير عليهم، فإذا جاز من غير ضرورة، فجوازه على الجبائر التي هي موضع ضرورة أولى.
الثاني: أن طهارة المسح بالماء في محل الغسل الواجب عليه أولى من طهارة المسح بالتراب في غير محل الغسل الواجب؛ لأن الماء أولى من التراب، وما كان في محل الفرض فهو أولى به مما يكون في غيره[24].
2 - مما يدل على أن مسح العضو المعصوب مغنٍ عن التيمم: أن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف للقواعد الشرعية؛ لأنه يجب تطهير هذا العضو إما بكذا وإما بكذا، أما إيجاب تطهيره بطهارتين فهذا لا نظير له في الشرع، لكن إن كان العضو مكشوفًا ويضره الغسل والمسح فهذا يتيمم له[25].
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [المائدة: 6].
قال البغوي: (أما المتيمم، فلا يجوز له أن يجمع بين فريضتين بتيمم واحد؛ لأن ظاهر القرآن يدل على وجوب الوضوء عند كل حالة يريد القيام إلى الصلاة، فإن لم يجد الماء فعلى وجوب التيمم، غير أن الدليل قد قام من طريق السنة على التخفيف في الوضوء، فبقي أمر التيمم على ظاهره)[26] .
146- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ اَلرَّجُلُ بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ اَلْأُخْرَى»، رواه الدارقطني بإسناد ضعيف جدًا. [وقد ضعَّفه الدارقطني في السنن (1/341)، والبيهقي في الكبير (2/178)].
147- وعنه قال: «يجزئ المتيمم أن يصلي الصلوات بتيمم واحد». رواه ابن المنذر. [وضعَّفه في الأوسط (2/177)، وفي إسناده أبو عمر الخزاز: متروك].
1 - اتفق العلماء على أنه يجوز أن يصلي بتيمم واحد مع الفريضة ما شاء من النوافل قبل الصلاة، وبعدها[27].
2 - في أثر ابن عباس الأول دليل على ما ذهب إليه الجمهور، من أنه لا يجوز الجمع بين فرضين بتيمم واحد؛ قال شيخ الإسلام: منهم من يقول: لا يجب أن يتيمم لكل صلاة، كقول أبي حنيفة، ومنهم من يقول: بل يتيمم لكل صلاة كقول الشافعي، ومذهب مالك يتيمم لوقت كل صلاة، وهذا أعدل الأقوال، وهو يشبه الآثار المأثورة عن الصحابة، والمأثورة في المستحاضة، ولهذا كان ذلك هو المشهور فيهما عند فقهاء الحديث» [28].
استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بآثار وردت عن الصحابة رضي الله عنهم ، وصح منها أثر ابن عمر رضي الله عنهما، قال: «يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث»[29]. وهنا مسألتان أصوليتان[30]:
1- قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه:
قول الصحابي فيما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد له حكم الرفع إلى النبي ﷺ في الاستدلال والاحتجاج به[31].
2- قول الصحابي:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أما إذا لم يخالفه غيره من الصحابة، فإن انتشر قوله ولم ينكر في زمانهم فهو حجة عند جماهير العلماء. وإن تنازعوا رُدَّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء. وإن قال بعضهم قولًا ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع، وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك وأحمد -في المشهور عنه- والشافعي في أحد قوليه، وفي كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع، ولكن من الناس من يقول: هذا هو القول القديم)[32].