تجنب ما يؤثر على الخشوع في الصلاة:
قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [المعارج: 34]
ومن المحافظة على الصلاة إزالة كل ما يشغل المصلي.
وقال الله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ١ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1، 2] قال ابن كثير: (قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ خَاشِعُونَ ﴾ : خَائِفُونَ سَاكِنُونَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ).
249- عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا الْـمَغْرِبَ»، متفق عليه.
250- ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْـرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ».
251- وعن أنس رضي الله عنه قال: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي»، رواه البخاري.
252- واتفقا على حديثها في قصة أنبجانية أبي جهم، وفيه: «فَإِنَّهَا أَلْـهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي».
عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي» وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قال النبي ﷺ: «كنت أنظر إلى علمها، وأنا في الصلاة فأخاف أن تفتنني». متفق عليه.
- إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ: وكذلك حكم كل طعام مشتهى حضر عند صلاة الجماعة.
- الْأَخْبَثَان: البول، والغائط.
- القِرَام - بكسر القاف-: ستر رقيق من صوف ذي ألوان.
- أميطي: أي: أزيلي.
- تعرِض لي في صلاتي: أي: تلوح وتظهر.
- أنبجانية أبي الجهم: الأنبجانية -بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الباء الموحدة وتخفيف الجيم وبعد النون ياء النسبة-: كساء غليظ ليس فيه خطوط
- أبو الجهم: هو عبيد أو عامر ابن حذيفة القرشي العدوي، أسلم عام الفتح، توفي في آخر خلافة عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم.
1 - دل حديثا أنس وعائشة على أنه إذا أقيمت الصلاة وحضر العَشاء فإنه يبدأ بالعَشاء، سواء كان قد أكل منه شيئًا أو لا، وأنه لا يقوم حتى يقضي حاجته من عشائه[1].
2- لا يقصر الحكم على حضور الطعام، بل إذا وجد المعنى -وهو التشوف إلى الطعام- وكان الطعام متيسر الحضور عن قريب فحكمه حكم الحاضر[2].
3 - تضمَّن حديث عائشة النهي عن الصلاة حال حضور الطعام، وحال مدافعة الأخبثين ولو فات أول الوقت، أو فاتت الجماعة.
4 - قال ابن عبد البر: ( أجمعوا[3] أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته ولم يترك من فرائضها شيئًا أن صلاته مجزية عنه، وكذلك إذا صلى حاقنا فأكمل صلاته). وفي هذا دليل على أن النهي عن الصلاة بحضرة الطعام إنما هو لئلا يشتغل قلب المصلي بالطعام فيسهو عن صلاته ولا يقيمها بما يجب عليه فيها، وكذلك الحاقن، وإن كنا نكره لكل حاقن أن يبدأ بصلاته في حالته فإن فعل وسلمت صلاته جزت عنه وبئس ما صنع، والمرء أعلم بنفسه فليست أحوال الناس في ذلك سواء ولا الشيخ في ذلك كالشاب والله أعلم. وحمل أهل العلم النفي الوارد على نفي الكمال.
وذهب الظاهرية إلى بطلان الصلاة في الحالتين[4].
5- واستدل بحديث أنس على أن وقت المغرب موسَّع.
6- وفي الحديث: دليل على فضيلة تقديم حضور القلب في الصلاة على فضيلة أول الوقت؛ فإنهما لما تزاحما قدم صاحب الشرع الوسيلة إلى حضور القلب على أداء الصلاة في أول الوقت.
7- ينبغي التزام الخشوع في الصلاة وتفريغ البال لله تعالى وترك التعرُّض لما يشغل المصلي عن الخشوع.
8- أن ما يعرض للشخص في صلاته من الفكرة في أمور الدنيا لا يقطع صلاته.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - حكمة البدء بالطعام إذا قُدِّم قبل أداء الصلاة: أن الصلاة صلة بين العبد وربه، ولا يتم ذلك إلا بحضور القلب وتفرغه من الشواغل.
قال ابن الجوزي: (ظن قوم أن هذا من باب تقديم حظ العبد على حق الحق عز وجل، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الحق ليدخل العبادة بقلوب غير مشغولة).
2 - من المقاصد الشرعية: إتمام الخشوع لله تعالى والإقبال عليه أثناء الصلاة، وعدم إشغال القلب بما سواه، فينبغي للمصلي أن يجتنب كل ما يشغله ويلهيه عن صلاته من نقوش أو تصاوير أو كتابات.
كما ينبغي أن تصان المساجد عما يشوش على المصلين من الزخرفة أو كتابات شيء من الآيات أو تعليق الساعات ونحو ذلك مما يكون في قبلة المصلي، وكذلك فُرُش المسجد ينبغي العناية بها، وأن تكون خالية من التصاوير والزخارف[5].
3- وفيه عظيم أدب النبي ﷺ ورفقه وحكمته في معاملة الناس، وذلك حين طلب أنبجانية أبي جهم عوضًا عن الخميصة التي ردها؛ لئلا ينكسر قلبه برد النبي ﷺ هديته، وأخذ بدلها الأنبجانية، وعلل ذلك بأنها ألهته عن الخشوع في الصلاة، فأبان العذر، وطلب ما يدل على قبول ما يأتي به أبو جهم.
1 - في حديث أنس التخصيص بالعلة المستنبطة؛ إذ ظاهره أن الصلاة تؤخر إذا قُدِّمَ الطعام، سواء تاقت نفسه إليه وشعر بالجوع أم لا، ولكن العلماء فهموا أن العلة التشويش على المصلي، فحملوا الحديث على ما إذا شعر المصلي بالحاجة للطعام، فحيث حصل التشوف المؤدي إلى عدم الحضور في الصلاة قدَّموا الطعام، واقتصروا أيضًا على مقدار ما يكسـر سَوْرة الجوع[6]. وعليه فيكون الحديث عندهم من العام الذي أريد به الخصوص.
2- في حديث أنس أيضًا الاستدلال بعموم العلة على عموم الحكم؛ فإن لفظ الحديث وارد بخصوص ما لو قُدِّم طعام العَشاء وقت صلاة المغرب، لكن ينبغي حمله على العموم نظرًا إلى العلة، وهي التشويش المفضي إلى ترك الخشوع، فذكر المغرب لا يقتضـي الحصـر فيها؛ لأن الجائع غير الصائم قد يكون أشوق إلى الأكل من الصائم[7].
3- النفي في حديث عائشة «لا صلاة» يتضمن النهي، أي: لا يصلِّ إنسان، والنفي عند البلاغيين أبلغ من النهي؛ لأن فيه تقريرًا لاجتنابه؛ كأنه أمرٌ لا يمكن أن يكون، وفيه الخلاف هل النفي هنا للكمال أم للصحة؟ والجمهور على أن هذا النفي نفي للكمال.
4 - القاعدة الأصولية: أن محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يلغ[8]، وحديث عائشة جاء التقييد فيه بحضور الطعام، فهو قيد معتبر، فإن كان غير حاضر فلا تؤخَّر الصلاة، إلا إن تيسر حضوره عن قرب؛ كأن توجد أمارات تقديمه، فلا يبعد أن يكون كالحاضر.
5 - ألحق العلماء بالقياس على مدافعة الأخبثين: كل ما يشغل بال المصلي من ريح في جوفه، أو حر أو برد شديدين، أو جوع أو عطش؛ لأن المعنى المراد موجود في الجميع، وهو حضور القلب وسكون الجوارح.