حجم الخط:

محتوى الدرس (37)

باب صلاAdobe Systemsة التطوع

فضل صلاة التطوع عامة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ [العلق: 19].

[الأحاديث]

356- عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «سَلْ»، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْـجنَّةِ، فَقَالَ: «أَوَغَيْر ذَلِكَ؟»، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» رواه مسلم.

ترجمة الراوي:

ربيعة بن كعب الأسلمي: أبو فراس الأسلمي، كان من أحلاس المسجد، الملازمين لخدمة رسول الله ﷺ، من أهل الصفة، توفي بعد الحرة، سنة (63).

سبب حديث ربيعة:

قال ربيعة: «كنت أبيت مع رسول الله ﷺ، فأتيته بوضوئه وحاجته ... الحديث».

التوضيح:

- سل: أي: اطلب مني حاجتك أكرمك بها في مقابلة خدمتك لي.

- أَوَغيرَ ذلك: وضبطت أيضًا: أوْ غيرُ ذلك: والمراد والتقدير: تسأل ذلك، أوَغير ذلك فإنه أهون. أو: مسؤولك ذلك أوْ غيرُ ذلك، فإن ذلك درجة عالية، فأو عطف على مقرر، فيجوز في (غير) النصب والرفع بحسب التقديرين. وقيل: الهمزة للاستفهام و (غير) بالنصب، فالمعنى: أثابت أنت في طلبك أم لا؟ وتسأل غيره. وهذا ابتلاء وامتحان لينظر هل يثبت على ذلك المطلوب العظيم الذي لا يقابله شيء، فإن الثبات على طلب أعلى المقامات من أتم الكمالات.

- قلت: هو ذاك، أي: سؤالي مرافقتك على تقدير كون أو عاطفة، وعلى تقدير الاستفهام: مسؤولي ذلك لا أتجاوز عنه، قال القاري: (سبحان من جمع له بين حسن الخدمة وعلو الهمة)[1].

- فأعِنِّي على نفسك بكثرة السجود: أي: لا يكفي مجرد سؤال ذلك مني، فلا يحصل ما ذكرت إلا بقهر نفسك بصرفها عن الشهوات، والاستعانة بكثرة السجود والعبادة، وصلاة التطوع.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - في حديث ربيعة دليل على أن كثرة النوافل من أعظم القُرَب التي بسببها يرتفع العبد درجات عظيمة عند الله تعالى بقدر ما يحصل منه ذلك.

2 - وفيه دليل على سمو نفس ربيعة رضي الله عنه ، وشرف مطلبه، وعلو همته، وانصرافها عن الدنيا وشهواتها، وأن النفس المؤمنة ينبغي أن تكون توَّاقة إلى أعلى المراتب.

3 - وفيه بيان الخلق العظيم للنبي ﷺ ، فإن خدمته شرف يعود على الخادم بالخير والبركة، ومع هذا، فإنه أحب أن يكافئ من يخدمه.

فضل السنن الرواتب:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴾ [ق: 40]

[الأحاديث]

357- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «حَفِظْتُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ عَشْـرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْـمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ اَلصُّبْحِ» متفق عليه. وفي رواية لهما: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْـجمْعَةِ فِي بَيْتِهِ.

358- وعن أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: سَمِعْتَ رَسولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اِثْنَتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْـجنَّةِ»، رواه مسلم، وفي رواية: «تَطَوُّعًا».

وللترمذي نحوه، وزاد: «أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْـمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ». [وصحَّحه الترمذي في السنن (415)].

359- وعن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ» رواه البخاري.

360- وعن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ الله عَلَى اَلنَّارِ» رواه الخمسة. [حسَّنه الترمذي في السنن (427)، وصحَّحه ابن خزيمة في الصحيح (1191)، والحاكم في المستدرك (1191)].

ترجمة الراوي:

أم حبيبة رضي الله عنها: هي رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأموية القرشية، أم المؤمنين، من السابقات إلى الإسلام، تزوجها النبي ﷺ وهي بالحبشة سنة سبع؛ تكريمًا لها لإيمانها وهجرتها، وإنهاء وحشتها بسبب فراق زوجها، اختلف في سنة وفاتها فقيل: (42)، وقيل: (44)، وقيل غير ذلك.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث ابن عمر وأم حبيبة بيان للسنن الرواتب، على اختلاف بينهما في عددها؛ حيث أفاد حديث ابن عمر أنها عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، بينما أفاد حديث أم حبيبة أنها اثنتا عشرة ركعة؛ وذلك بزيادة سنة الظهر القبلية وجعلها أربع ركعات بدلا من ركعتين؛ كما بينت رواية الترمذي.

2 - اتفق العلماء على أن ما سبق نوافل راتبة [2].

3 - الرواتب القبلية يبدأ وقتها من دخول وقت الفريضة، وينتهي بإقامة الصلاة، وأما السنن البعدية، فوقتها يبدأ من الانتهاء من الفريضة إلى خروج وقتها.

4 - في حديث ابن عمر دليل على أن الأكمل والأفضل في راتبة المغرب والعشاء والجمعة أن تصلى في البيت.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - من فوائد الرواتب القبلية: أن النفوس كانت قبل الصلاة مشتغلة بأسباب الدنيا، فقُدِّمت هذه النافلة بين يدي الفريضة صرفًا لها، وجمعًا للقلب على الله تعالى، فلا يدخل في الفريضة إلا وهو حاضر القلب بين يدي الله.

2 - صلاة النافلة في البيت أفضل؛ قال ﷺ: «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»[3]، لما فيها من مضاعفة الأجر، وإعمارا للبيت بذكر الله حتى لا تكون قبورًا، كما أن فعلها في البيت أقرب للإخلاص وأبعد عن الرياء، وفيها تربية لأهل البيت من النساء والصغار على الصلاة.

3 - قال شيخ الإسلام: (ومن أصر على ترك السنن الرواتب دل ذلك على قلة دينه، وردت شهادته في مذهب أحمد، والشافعي، وغيرهما)[4].

4 - في حديث أم حبيبة الثاني دليل على فضل أربع ركعات قبل صلاة الظهر وأربع بعدها، وأن ذلك من أسباب النجاة من النار لمن داوم عليها.

5 - ومن الحكمة التي شرعت لأجلها الرواتب:

أ - جبر ما قد يكون في أداء الفريضة من خلل وتقصير؛ قال شيخ الإسلام: (التحقيق أنه لا أجر له إلا بقدر الحضور؛ لكن ارتفعت عنه العقوبة التي يستحقها تارك الصلاة، فلهذا شرعت السنن الرواتب، جبرًا لما يحصل من النقص في الفرائض)[5]. وقد جاء في السنن مرفوعًا: «قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك».

ب - تهيئة المسلم للترقي في درجات القرب من الله تعالى حتى يصل إلى درجة محبة الله عزّ وجل له، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يقول الله تبارك وتعالى: ما تقرب إلي عبدي بأفضل مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه...».

طريقة الاستدلال:

لا تعارض بين حديث ابن عمر من أنه ﷺ كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبين الأحاديث الأخرى التي تنص على أنه كان يصلي أربعًا، فإنه لا منافاة بينها، فذكر القليل لا ينفي الكثير، أو أنه يكون قد أخبر أولًا بالقليل، ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل، فأخبر به أو يُحمل على حالين، وهو أنه كان تارة يصلي ثنتين، وتارة يصلي أربعًا، فهو من خلاف التنوع، وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين، وفي بيته يصلي أربعًا، فيكون ابن عمر قد رأى ما في المسجد دون ما في بيته، واطلعت عائشة على الأمرين [6]، وهكذا يقال في سائر الأحاديث التي اختلف فيها العدد.

سنة الفجر:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴾ [الطور: 49]

لما ذكر إدبار النجوم بعد الليل دل على أن ذلك دخول وقت الصبح، قال ابن عاشور: (الآية تشير إلى أوقات الرغائب من النوافل وهي صلاة الفجر والأشفاع بعد العشاء وقيام آخر الليل).

[الأحاديث]

361- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ»، متفق عليه.

ولمسلم: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».

362- وعن أبي هريرة رضي الله عنه : «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ: ﴿ ﭐ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ ، و ﴿ ﭐ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ . رواه مسلم.

363- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اِضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ»، رواه البخاري.

364- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصحَّحه. [الحديث بهذا اللفظ معلول؛ أخطأ فيه عبد الواحد بن زياد فجعله من قول النبي ﷺ، والصحيح أنه من فعله] [7].

365- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: أَقَرَأَ بِأُمِّ اَلْكِتَابِ؟!»، متفق عليه.

366- وعن حفصة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رسولُ الله إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ»، رواه مسلم.

ترجمة الراوي:

حفصة رضي الله عنها: هي أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية القرشية، تزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث، كانت صوّامة قوَّامة، توفيت في شعبان سنة (45) في خلافة معاوية، وهي بنت ستين سنة.

التوضيح:

- أشد تعاهدًا: أي: أكثر محافظة، وأعظم اهتمامًا.

- ركعتي الفجر: المراد: سنة الفجر، وقد بين ذلك قوله قبله: «من النوافل».

- خير من الدنيا: أي: أكثر غنيمة من كل شيء قبل يوم القيامة.

- وما فيها: أي: ما في الدنيا من المال والأهل والبنين وغيرها من زينة الدنيا وزهرتها.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث عائشة رضي الله عنها الأول دليل على أن سنة الفجر من آكد السنن الراتبة، وكان النبي ﷺ يحرص عليها، ولا يدعها في حضر ولا سفر، وقد أكد عليها ﷺ بقوله وفعله.

2 - كان من هدي النبي ﷺ في سفره الاقتصار على الفرائض، ولم يحفظ عنه ﷺ أنه صلى في السفر سنة الصلاة قبلها ولا بعدها؛ إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر؛ فإنه لم يكن يدعهما حضرًا ولا سفرًا[8].

3 - دل حديث أبي هريرة على أن السنة في ركعتي الفجر قراءة سورة (الكافرون) في الركعة الأولى، وسورة (الإخلاص) في الركعة الثانية.

4 - ودلَّ حديث عائشة الثاني على أنه يستحب الاضطجاع بعد صلاة راتبة الفجر، وفي حديث أبي هريرة الذي يليه الأمر بذلك، وهو ما دفع بعض الظاهرية إلى القول بوجوب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر[9]، لكن الحديث الذي فيه الأمر بالاضطجاع شاذ، فلا يحتج به.

5 - حديث عائشة دليل على أنه يسن الفصل بين النافلة والفريضة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة[10].

6 - وفيه أن الاضطجاع يكون على الجانب الأيمن، ويكون إذا صُليت هاتان الركعتان بالبيت قبل الفجر، فإذا صلاها في المسجد، أو بعد الفجر، فلا يضطجع.

7- في حديث عائشة الثالث وحديث حفصة استحباب تخفيف سنة الفجر، فلا يشرع إطالة أي ركن من أركانها.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قال ابن القيم: (كان ﷺ يصلي سنة الفجر بسورتي (الإخلاص)، و(الكافرون)، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد، فسورة (الإخلاص) متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرب من الأَحَدِيَّة المنافية لمطلق المشاركة، والصَمَديَّة المثبتة لجميع صفات الكمال، ونفي الولد والوالد، ونفي الكفء المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل والتنظير، فتضمنت هذه السورة إثبات كل كمال له سبحانه، ونفي كـل نقص عنه)، وهذه الأصـول هي مجــامع التوحيـد العـلمي الاعتـقــادي، فأخـلصت: ﴿ ﭐ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ قارئها المؤمن بها من الشرك العلمي[11].

2 - وقال شيخ الإسلام: (سنة الفجر تجري مجرى بداية العمل، والوتر خاتمته، ولذلك كان النبي ﷺ يصلي سنة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد).[12]

3 - قال ابن القيم: (وفي اضطجاعه على الشق الأيمن سرٌ؛ وهو أن القلب معلق في الجانب الأيسـر، فإذا نام الرجل على الجانب الأيسر؛ استثقل نومًا؛ لأنه يكون في دعة واستراحة، فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن، فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم؛ لقلق القلب)[13]. وفي هذه الاستراحة اليسيرة راحة، واستجمام لصلاة الفجر، والله أعلم.

طريقة الاستدلال:

1 - ما يحتمل من الأفعال خروجه من الجبليِّة إلى التشـريع بمواظبة النبي ﷺ له على وجه مخصوص، يستحب التأسي به فيه؛ حيث إن هناك بعض الأفعال النبوية هي في الأصل أفعال جبليِّة، لكن يحتمل أنها للتشريع، وهي الأشياء التي واظب عليها النبي ﷺ على وجه مخصوص دون أن يرغب فيهما كالاضطجاع بعد ركعتي الفجر، فهذه الأفعال يستحب التأسي فيها لقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21]، وهذا قول أكثر المحدثين[14].

2 - يجوز التخصيص بالإقرار، كما صح أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي ركعتي الفجر بعد الصبح، فأقره على ذلك، فيخص به نهيه ﷺ عن الصلاة بعد الصبح؛ لأنه لا يجوز أن يرى منكرًا فيقر عليه، فلما أقره دل على جوازه[15].

استحباب صلاة أربع ركعات قبل العصر وركعتين قبل المغرب:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ﴾ [طه: 130].

قال ابن عطية: (وقالت فرقة: في الآية إشارة إلى نوافل؛ فمنها ﴿ آنَاءِ اللَّيْلِ ﴾ ، ومنها ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴾ ، وركعتا الفجر والمغرب: «أطراف النهار» ... و ﴿ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ﴾ أي: لعلك تعطى ما يرضيك).

[الأحاديث]

367- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «رَحِمَ الله امْرَأً صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسَّنه، وابن خزيمة وصحَّحه. [أعلَّه أبو داود الطيالسي في المسند (2048)، وضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/702)].

368- وعن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «صَلُّوا قَبْلَ الْـمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْـمَغْرِبِ»، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ»، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً»، رواه البخاري.

وفي رواية لابن حبان: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى قَبْلَ الْـمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ». [ضعَّفها ابن القيم في زاد المعاد (1/302)، والألباني في تمام المنة (ص: 242)].

369- وعن أنس رضي الله عنه قال: «كُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرَانَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهنَا» رواه مسلم.

التوضيح:

- رحم الله امرأً: إما أن يكون هذا دعاء لمن صلاها، أو هو خبر منه ﷺ أن من صلاها دخل في ضمن من رحمهم الله تعالى.

- كراهية أن يتخذها النَّاس سنَّة: أي: شريعة وطريقه لازمة.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث ابن عمر دليل على استحباب صلاة أربع ركعات قبل صلاة العصر.

2 - في حديثي عبد الله بن مغفل وأنس دليل على استحباب صلاة ركعتين قبل صلاة المغرب.

3- الركعتان قبل المغرب ليستا من السنن الرواتب، فلا تستحب المداومة عليهما؛ لئلا تأخذا حكم الرواتب، والله تعالى أعلم.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

الدعاء منه ﷺ بالرحمة أو إخباره عن حصولها لمن صلى تلك النافلة، مما يدعو المؤمن الحريص على المحافظة عليها.

طريقة الاستدلال:

1 - القرينة التي صرفت الأمر في قوله: «صلوا» عن الوجوب، هي قوله ﷺ آخر الحديث: «لمن شاء»، فدل على أن الأمر فيه للندب.

2 - قوله: «كراهية أن يتخذها النَّاس سنَّة»: لم يرد نفي استحبابها؛ لأنه لا يمكن أن يأمر بما لا يستحب، بل هذا الحديث من أقوى الأدلة على استحبابها، ومعنى قوله سنة: أي: شريعة وطريقة لازمة، وكأن المراد انحطاط مرتبتها عن رواتب الفرائض[16].

3 - في حديث أنس دليل على حجية السنة التقريرية؛ فإن الصحابة كانوا يحتجون بسكوت النبي ﷺ وعدم إنكاره على شرعية الفعل؛ لأن النبي ﷺ لا يؤخر البيان عن وقته.

الترغيب في قيام الليل:

[تمهيد]

قال الله تعالى مادحًا عباد الرحمن: ﴿ ﭐ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ [الفرقان: 64].

وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴾ [المزمل: 6] وقال الله تعالى: ﴿ ﭐ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ [الإسراء: 79].

[الأحاديث]

370- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ»، أخرجه مسلم.

371- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا»، متفق عليه.

372- وعنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم من الليل فترك قيام الليل»، متفق عليه.

سبب ورود حديث عبد الله بن عمرو الأول:

ذلك أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما كان يسرد أي يداوم الصيام والقيام فقال له رسول الله ﷺ إن لجسدك عليك حقًا ولربك عليك حقًا ولزوجك عليك حقًا فأعط كل ذي حق حقه ثم ذكره[17].

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أبي هريرة دليل على أن أفضل النوافل بعد الفرائض هو قيام الليل، وقد اتفق العلماء على أن النفل المطلق في الليل أفضل منه في النهار[18].

2 - دل حديث عبد الله بن عمرو الأول على أن أفضل الصيام هو صيام يوم وإفطار يوم، وهو صيام نبي الله داود ﷺ.

3- في حديث عبد الله بن عمرو الأخير دليل على أن قيام الليل ليس بواجب، إذ لو كان واجبًا لم يكتف لتاركه بهذا القدر، بل كان يذمه أبلغ الذم[19].

4- فيه جواز ذكر الشخص بما فيه من عيب إذا قصد بذلك التحذير من صنيعه.

5- استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط[20].

6-وفيه: الإشارة إلى كراهة قطع العبادة وإن لم تكن واجبة[21].

7- فيه جواز ذكر الشخص بما فيه من عيب إذا قصد التحذير من صنيعه، وقيام الليل لم يكن فرضًا على فلان المذكور، فلا يكون بتركه عاصيًا حتى يستر عليه. وقيل: هو على التمثيل، أي لا تكن كرجلٍ كان يقوم من الليل فتركه، كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا ﴾ [النحل:92] للتنفير من هذا الفعل. وقيل غير ذلك.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - الحكمة من تفضيل صلاة الليل على صلاة النهار: أنها أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص، ولأن صلاة الليل أشق على النفوس؛ فإن الليل محل النوم والراحة من التعب بالنهار، فترْك النوم مع ميل النفس إليه مجاهدة عظيمة، ولأن القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر؛ فإنه تنقطع الشواغل بالليل، ويحضر القلب، ويتواطأ هو واللسان والفهم.

2 - أفضل القيام هو نوم النصف الأول من الليل، وقيام ثلثه، ثم نوم سدسه؛ لما فيه من أخذ النفس حاجتها من الراحة أولًا، ثم القيام وقت النزول الإلهي، ثم نوم السدس الأخير؛ ليكون أنشط لصلاة الصبح وأذكاره.

3 - وفي حديث عبد الله بن عمرو الثاني أن التشديد في العبادة قد يؤدي إلى تركها وهو مذموم[22]، وقد روى الشيخان أن ابن عمرو كان لا ينام الليل، فقال له النبي ﷺ: «ألم أُخبَر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي ولا تنام؟! فصم وأفطر، وقم ونَمْ، فإن لعينيك عليك حقًا، وإن لنفسك وأهلك حقًا».

4 - وفيه أيضًا الحث على قيام الليل، وعظيم اهتمام النبي ﷺ به، وبيان أنه من أجلِّ القربات.

5- ينبغي للمسلم أن يحذر من التشدد في العبادة وتكليف النفس ما لا تطيق من الطاعات، ومن فَعَلَ ذلك غلبه الدِّين لكثرة الأعمال والطاعات، فيكون آخر أمره العجز والانقطاع، لأن الله تعالى أوجب على عباده وظائف من الطاعات في وقت دون وقت، تيسيرًا ورحمة، ولأن الإنسان إذا أخذ بالقصد دام عمله، وتمكن من أداء الحقوق كلها، حقِّ الله تعالى، وحقِّ النفس، وحقِّ الأهل والأصحاب برفق وسهولة، وقد قال النبي ﷺ: «إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل».

التأكيد على سنة الوتر وبيان وقته:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾ [الفجر: 3].

قال أبو العالية والربيع بن أنس وغيرهما: هي الصلاة، منها شفع كالرباعية والثنائية، ومنها وتر كالمغرب، فإنها ثلاث، وهي وتر النهار. وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من الليل.

[الأحاديث]

373- وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ»، رواه الأربعة إلا الترمذي. وصحَّحه ابن حبان، ورجَّح النسائي وقفه. [قال ابن حجر في التلخيص الحبير (2/862): صحَّح أبو حاتم والذهلي والدارقطني في العلل والبيهقي وغير واحد وقفه، وهو الصواب].

374- وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا»، أخرجه أبو داود بسند لين، وصحَّحه الحاكم. [عدَّه الذهبي في ميزان الاعتدال (3/13) من مناكير أبي منيب العتكي، وضعَّفه غير واحد]. وله شاهد ضعيف عن أبي هريرة عند أحمد. [إسناده ضعيف فيه الخليل الضبعي، وأُعِلَّ بالانقطاع أيضًا].

375- وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «لَيْسَ الْوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الْـمَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ الله ﷺ»، رواه النسائي، والترمذي وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه.

376- وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنْ الْقَابِلَةِ فَلَم يَخْرُجْ، وَقَالَ: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ الْوِتْرُ»، رواه ابن حبان. [مدار الحديث على عيسى بن جارية الأنصاري: ضعَّفه غير واحد، وفي الصحيح عن عائشة بلفظ: «إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل»].

377- وعن خارجة بن حذافة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الله أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «الْوِتْرُ، مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ»، رواه الخمسة إلا النسائي وصحَّحه الحاكم. [ضعَّفه البخاري في التاريخ الكبير (5/192)، والترمذي في السنن (452)، وابن حبان في الثقات (5/45)، وغيرهم]، وروى أحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده نحوه. [إسناده ضعيف؛ ضعَّفه ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/452) والنووي في خلاصة الأحكام (1863)].

378- وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنَ، فَإِنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ»، رواه الخمسة وصحَّحه ابن خزيمة. [أعلَّه الترمذي في السنن (453)، وهو من قول عليٍّ أصحُ كما في علل الدارقطني في العلل (2/44)].

ترجمة الراوي:

خارجة بن حذافة: هو ابن غانم القرشي العدوي، وكان قاضيًا بمصـر لعمرو بن العاص، وأحد فرسان قريش، يقال: إنه كان يعدل بألف فارس، قُتل بمصر، قتله أحد الخوارج سنة (40).

التوضيح:

- الوتر حقٌّ: الحق هو الشيء الثابت، والمراد به هنا أنه مشروع ثابت.

- فليس منا: أي: ليس من أهل سنتنا، وعلى طريقتنا.

- ليس بحتم: أي: ليس بلازم واجب.

- القابلة: الليلة التالية.

- أن يُكتبَ عليكم: أي يفرض.

- أمدَّكم: أي: جعلها زيادة لكم في أعمالكم؛ أمدَّه بمعنى زاده.

- خير لكم من حمر النعم: حُمْر: جمع أحمر، والنعم: الإبل، وقال ذلك لأن حمر النعم أعز الأموال عند العرب.

- أهل القرآن: المراد المؤمنون المصدقون للقرآن المنتفعون به، وقد يراد به القراء.

- إن الله تعالى وتر: أي: واحد في ذاته؛ فلا شبيه له، واحد في أفعاله؛ فلا شريك له.

الدلالات الفقهية:

1 - استدل الحنفية بحديثي أبي أيوب وبريدة على أن الوتر واجب [23].

2 - وفي حديث أبي أيوب دليل على جواز الإيتار بواحدة، والإيتار بخمس، وهو مذهب الجمهور، أن الثلاث ليست لازمة خلافًا للحنفية.

3 - في حديث عليٍّ وجابر دليل على أن الوتر ليس بواجب، وإنما هو سنة، وهو قول جمهور الفقهاء وصاحبي أبي حنيفة[24].

4 - الوتر آكد السنن، وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله-: (من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء، ولا ينبغي أن تُقبل شهادته) [25].

5 - ودلَّ حديث خارجة أيضًا على أن أول وقت الوتر يدخل بالفراغ من صلاة العشاء، سواء قدمت في حالة الجمع أو أخرت، فالعبرة بصلاة العشاء، ولا يعتد به قبل العشاء مطلقًا، ويمتد إلى طلوع الفجر عند الجمهور، وعند المالكية يمتد وقت الوتر إلى صلاة الصبح، فيكون ما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح وقتًا للوتر، ويعتبرونه وقت ضرورة، لا وقت اختيار.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - في قوله: «إنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ الْوِتْر»: بيان شفقة النبي ﷺ على أمته، ورأفته بهم، وخوفه عليهم من أن يُكلَّفوا من العبادات ما يشق عليهم، أو ما لا يقومون به فيأثموا.

2 - وفيه دليل على أن الله تعالى يمنُّ على عباده بطاعته وعبادته؛ حيث إنها زيادة في حسناتهم، ورفعة في درجاتهم، وقربة لهم عند ربهم، والله تعالى غني عنهم وعن عباداتهم؛ ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ﴾ [فصلت: 46][26].

3 - وفي حديث عليٍّ خُصَّ أهل القرآن بالذكر لمزيد شرفهم بحمل القرآن، فينبغي أن يكون لهم عناية زائدة بالوتر خاصة وبغيره من العبادات، فهم أحق من قاموا بها.

4 - وفيه دليل على أن الوتر من صفات الله تعالى، وأنه تعالى يحب ما وافق صفاته، فهو عليم يحب العلم والعلماء، كريم يحب الكرم والجود، وهكذا في كل ما يوافق أسماءه مما يناسب مقام العبد[27].

طريقة الاستدلال:

1 - في قوله: «الوتر حق» يقول الصنعاني: (والحديث محمول على تأكد السنية للوتر جمعًا بينه وبين الأحاديث الدالة على عدم الوجوب)[28].

2 - استدل الحنفية على الوجوب بحديث خارجة بأن الأصل في المزيد أن يكون من جنس المزيد عليه، فمقتضاه أن يكون الوتر واجبًا. ومما رد عليهم به جمهور العلماء: أنه لا يلزم أن يكون المزاد من جنس المزيد، فقد روى محمد بن نصر المروزي في الصلاة من حديث أبي سعيد رفعه: «إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي الركعتان قبل الفجر»[29].

3 - من الأدلة على عدم وجوب الوتر: الاستقراء؛ وذلك لأن الوتر يؤدى على الراحلة، وكل ما يؤدى على الراحلة لا يكون واجبًا.

أما إنه يؤدى على الراحلة فهذا مجمع عليه، ولا خلاف فيه، وأما أن كل ما يؤدى على الراحلة لا يكون واجبًا، فلأننا استقرأنا وظائف اليوم والليلة أداءً وقضاءً، فوجدنا أن ما كان منها واجبًا لا يؤدى على الراحلة، ولذلك جعلنا حكم الجزئي -وهو الوتر- كحكمها الثابت بالاستقراء[30].

4 - استدل الجمهور بقوله: «إلى طلوع الفجر» على أن آخر وقت الوتر هو طلوع الفجر؛ لأن ما بعد (إلى) يخالف ما قبلها، فيكون ما بعد الفجر ليس وقتًا للوتر، وأجاز كثير من السلف قضاء صلاة الوتر بين الأذان والإقامة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة