حجم الخط:

محتوى الدرس (59)

زيارة القبور:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة: 84]، فذكر القيام على القبر وهو يشمل الزيارة وغيرها.

[الأحاديث]

598- عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: « نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» رواه مسلم، زاد الترمذي: «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ». وزاد ابن ماجه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «وَتُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا». [ضعَّفه الألباني في ضعيف الجامع برقم (4279)].

599- وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» أخرجه الترمذي وصحَّحه ابن حبان. [وحسَّنه الترمذي في السنن (ص 132)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/ 563)، وابن تيمية في الفتاوى الكبرى (3/ 54)].

600- وعن بريـدة رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى المَقَابِرِ أنْ يقولوا: «السَّلَامُ عَلَيْكُم أَهْل الدِّيَارِ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ وَالْـمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ الله لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» رواه مسلم.

601- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مَرَّ رَسُولُ الله ﷺ بِقُبُورِ الْـمَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ اَلْقُبُورِ، يَغْفِرُ الله لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالْأَثَرِ» رواه الترمذي وقال: حسن. [ضعَّفه الألباني في أحكام الجنائز (ص 197)].

التوضيح:

- أهل الدِّيار: سمي موضع القبور دارًا تشبيها لهم بدار الأحياء.

- وإنَّا إن شاء الله بكم لَلَاحقون: أي: لاحقون بكم في الوفاة على الإيمان.

- ونحن بالأثر: أي: تابعون لكم من ورائكم، لاحقون بكم.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث بريدة دليل على أن زيارة القبور كان منهيًّا عنها في بداية الإسلام.

2 - لا خلاف بين الفقهاء في أنه تندب للرجال زيارة القبور.

3 - دل حديث أبي هريرة على تحريم زيارة المرأة للقبور، وهو رواية عند الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وابن القيم، والجمهور على أن النهي للكراهة[1]، واستثنوا زيارة قبر النبي ، وقبري صاحبيه، فقالوا: تجوز زيارة النساء لها.

4 - في حديث بريدة الثاني وحديث ابن عباس بيان للسنة عند وصول المسلم إلى المقبرة، وأنه يسلم على أهلها بالسلام الوارد في الحديث، ويدعو لهم بذلك.

5 - في حديث ابن عباس دليل على أن السنة حال السلام على الميت أن يكون وجهه لوجه الميت، وأن يستمر كذلك في الدعاء أيضًا، ولكن الحديث لا يصح، وعليه فالسنة أن يستقبل القبلة حالة الدعاء، كما علم من أحاديث أخر في مطلق الدعاء.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - ورود النهي عن زيارة القبور، قيل: لأن ذلك يفضي إلى الشرك. وقيل: لأجل النياحة عندها. وقيل: لأنهم كانوا يتفاخرون بها. ثم أذن فيها وشرعت في عهد رسول الله ، فزيارة القبور تسن للذكور بالإجماع[2].

2 - الحكمة من مشروعية زيارة القبور: الاتعاظ وأخذ العبرة، وتذكر الموت والآخرة، ونفع الميت والإحسان إليه بالسلام عليه والدعاء والاستغفار له.

3 - لما رسخت العقيدة في القلوب، وفقه الصحابة دينهم، وعلموا معنى الزيارة، نسخ تحريمها، ولم ينسخ إلى الإباحة، وإنما إلى الاستحباب.

4 - ينبغي للإنسان أن يفعل ما يذكره بالآخرة، وأن يأخذ بكل سبب يوقظه ويذكره؛ لأن القلب قد يتعظ بشيء دون شيء آخر، فإذا تعرض للأسباب كلها أحدثت له عظة وعبرة[3].

5 - الحكمة من منع النساء عن زيارة القبور: هو ما لديهن من الضعَّف، والرقة، وعدم الصبر والاحتمال، فتخشى أن تجرَّ زيارتهن إلى أن يأتين من الأقوال والأفعال ما يخرجهن عن الصبر الواجب[4].

6 - قوله: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»: يدل على أنه يستحب للإنسان أن يوطن نفسه على هذا المستقبل، وأنه لاحق بهؤلاء الأموات حتى يستعد، فإن في الموت موعظة وذكرى.

7 - إذا ذكر الإسلام والإيمان في مقام واحد، فالأصل تغاير المعنى، فالإسلام غير الإيمان، والعكس، ولا شك أن المقبرة قد جمعت مسلمين ومؤمنين، والدعاء لهم جميعًا، وهذا وجه ذكر الطائفتين بوصفيهما[5].

طريقة الاستدلال:

1 - في قوله: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا»: نسخ السنة بالسنة. والنسخ لا يعرف إلا بالنقل، ولمعرفته طرق عدة، أحدها: أن يكون في اللفظ ما يدل عليه كما هنا.

2 - وقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» فيه أمر بعد النهي، ومذهب كثير من العلماء منهم: مالك، وأحمد، والشافعي في ظاهر كلامه، وهو اختيار بعض الحنفية، وأكثر الحنابلة وأكثر الفقهاء أنه للإباحة، لكنه هنا للاستحباب؛ لأنه علَّله بأنه يذكر الموت والآخرة، وذلك مطلوب شرعًا[6].

3 - دل على تحريم زيارة المرأة للقبور: دلالة اللعن الموجودة في الحديث، وقد سبق معنا أنها من علامات الكبائر، قال ابن حجر الهيتمي: (عدُّ هذه من الكبائر صريح الحديث؛ لما فيه من لعن فاعله، ولم أر من عده منها، بل كلام أصحابنا مصـرح بكراهتها دون حرمتها، فضلا عن كونها كبيرة، فليحمل كون هذه كبائر على ما إذا عظمت مفاسدها كما يفعل كثير من النساء من الخروج إلى المقابر وخلف الجنائز بهيئة قبيحة جدًّا، إما لاقترانها بالنياحة ونحوها أو بالزينة عند زيارة القبور بحيث يخشى منها الفتنة خشية قوية)[7].

صنع الطعام لأهل الميت وتحريم سب الأموات:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَأَحْسِنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 195].

وقال الله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ [المائدة: 2].

وقال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات: 12]، فيدخل في النهي غيبة الحي والميت.

[الأحاديث]

602- عن عبد الله بن جعفر قال: لما جـاء نعـي جعفر -حين قتل- قال رسول الله ﷺ: «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» أخرجه الخمسة إلا النسائي. [صحَّحه الترمذي في السنن (ص329)، وابن السكن فيما نقله الحافظ في التلخيص (3/1255)، والحاكم في المستدرك (1395)].

603- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا» رواه البخاري، وروى الترمذي عن المغيرة نحوه، لكن قال: «فَتُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ». [قال ابن عبد الهادي في المحرر (567): في إسناده اختلاف].

التوضيح:

- قد أفضوا: أي: وصلوا.

- إلى ما قدَّموا: أي: إلى ما عملوا من خير وشر، فلا فائدة في سبِّهم.

- فتؤذوا الأحياء: أي: من أقاربهم بسبِّهم.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث عبد الله بن جعفر دعوة إلى أن يصنع جيران الميت الطعام لأهل الميت.

2 - وفي حديث عائشة والمغيرة دليل على تحريم سب الأموات، وأن سب الكافر يحرم إذا تأذى به الحي المسلم، ويحل إذا لم يحصل به الأذية، وأما المسلم، فيحرم القدح فيه إلا إذا دعت إليه الضرورة؛ كأن يكون فيه مصلحة للميت، كما إذا أُريد تخليصه من مظلمة وقعت منه، فإنه يحسن؛ بل يجب إذا اقتضى ذلك سبه، وهو نظير ما استثني من جواز الغيبة لجماعة من الأحياء لأمور[8].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - يصنع أقارب أهل الميت وجيرانهم الطعام لأهل الميت؛ لأنهم جاءهم ما يمنعهم من الحزن عن تهيئة الطعام لأنفسهم.

2 - ما اعتاده الناس الآن من أنَّ أهل الميت هم الذين يصنعون الطعام، ويطعمون الناس، مشقة عظيمة عليهم، وفيه المخالفات الآتية:

أولًا: أنه عمل مخالف للسنة.

ثانيًا: فيه تشبه بأعمال الجاهلية من العقر والنحر عند موت كبارهم.

ثالثًا: قد يكون إنفاق المال الموروث ظلمًا إذا كان لضعافٍ وصغارٍ.

رابعًا: أنّ أهل الميت في شغل عن إعداد الطعام، فلا يناسب دعوتهم الناس إليه وهم منشغلون بمصيبتهم[9].

3 - علَّل ﷺ النهي عن سبهم؛ بأنهم أفضوا ووصلوا إلى جزاء ما قدَّموا وعملوا من خير أو شر، والله هو المجازي، فلا فائدة في سبهم، فيحرم إلا لمصلحة شرعية؛ أو ما خصه الدليل من عموم هذا النهي.

4- العلة الثانية في هذا النهي؛ لئلا يتأذى الأحياء بسبهم من أولادهم وأقاربهم ومن يلوذ بهم [10].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة