حكم بيوع الغرر والجهالة:
819- عن جابر رضي الله عنه قال: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الـمَاءِ»، رواه مسلم، وزاد في رواية: «وَعَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الـجمَلِ».
820- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ»، رواه البخاري.
821- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ الْـحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ»، رواه مسلم.
822- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ نهى عن المنابذة -وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه- ونهى عن الملامسة. والملامسة: لمس الثوب ولا ينظر إليه»، رواه البخاري.
823- وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْـحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْـجَاهِلِيَّةِ: كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الـجزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجُ التِي فِي بَطْنِهَا»، متفق عليه، واللفظ للبخاري.
824- وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الـمَضَامِينِ، وَالْـمَلَاقِيحِ»، رواه البزار، وفي إسناده ضعف. [أعلَّه بالوقف الدارقطني في العلل (4/ 395)].
825- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ، وَعَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِهَا إلَا بِكيْل، وَعَنْ شِرَاءِ العَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، وَعَنْ شِرَاءِ الـمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ، وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ، وَعَنْ ضَرْبَةِ الغَائِصِ»، رواه ابن ماجه والبزار والدارقطني بإسناد ضعيف. [ضعَّفه البيهقي في الكبير (11/ 257)].
826- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتَّى تُطْعَمَ، وَلَا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، وَلَا لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ»، رواه الطبراني في الأوسط، والدارقطني، وأخرجه أبو داود في المراسيل لعكرمة، وهو الراجح، وأخرجه أيضًا موقوفًا على ابن عباس، بإسناد قوي، ورجَّحه البيهقي.
827- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي الـمَاءِ؛ فَإِنَّهُ غَرَرٌ»، رواه أحمد، وأشار إلى أن الصواب وقفه. [وكذا رجَّح وقفه: الدارقطني في العلل (2/ 469)، والبيهقي في الكبير (11/ 255)].
- عَسْبُ الفحل: أي: ضرابه للأنثى، والمراد أخذ العوض عنه.
- بيع الحصاة: له عدة صور، فمنها أن يقول: ارم هذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بعشرة ريالات مثلًا.
أو يقول: بعتك من هذه الأرض مقدار ما تبلغ هذه الحصاة، إذا رميتها بكذا.
أو يقول: ارمِ هذا القطيع من الغنم بالحصاة، فأي شاة أصابتها الحصاة فهي لك بكذا.
وقيل: هو أن يقول: بعتك هذا بكذا، على أني متى رميت هذه الحصاة، وجب البيع، وانقطع خيار المجلس.
ولا خلاف في فساد البيع بالحصاة، في الصور كلها؛ قال ابن قدامة: (وكل هذه البيوع فاسدة، لما فيها من الغرر والجهل، ولا نعلم فيه خلافًا).
- الغرر: هو كل بيع احتوى جهالة، أو تضمن مخاطرة، أو قمارًا.
- المنابذة: أن ينبذ إليه الثوب، فيكون ذلك بيعًا ماضيًا، مهما كان حال الثوب. أو يقول المشتري للبائع: أي ثوب تنبذه عليَّ فهو بعشرة.
- والمُلَامَسَة: أن يبيعه شيئًا، على أنه متى لمسه وقع البيع؛ كأن يقول الرجل: أبيعك ثوبي بثوبك، ولا ينظر أحدهما إلى ثوب الآخر، ويكتفي باللمس.
أو يقول البائع: أي ثوب تلمسه فهو لك بكذا.
- حَبَل الحبَلَة: وله عدة تفاسير، أو صور، وكلها داخلة فيه، فقيل: المراد: بيع الحمل في البطن. وقيل: بيع نتاج النتاج، بأن يبيع ولد ما تلده هذه الناقة. وقيل: أن يجعل ذلك وقت البيع، فيعلق وقوع البيع على حمل نتاج الناقة. وقيل: هو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ويلد ولدها.
- الملاقيح: بيع ما في بطون الحوامل من الأجنة.
- المضامين: بيع ما في أصلاب الفحول من الماء.
- ضربة الغائص: مثل أن يقول: أغوص غوصة فما أخرجته فهو لك بكذا.
- أن تباع ثمرة حتى تطعم: أي: حتى تصير صالحة لأن تطعم، أي: حتى يبدو صلاحها.
1 - دل حديث جابر على حرمة بيع الماء العام، كمياه الأنهار، والبحار، ونحو ذلك؛ فهذه المياه حق لجميع الناس، فلا يحل بيعها؛ لأنها غير مملوكة لبائعها، ومن ذلك الماء المتجمع في جوف البئر، فإذا حفر في أرضه بئرًا، فلا يجوز له أن يبيع ماءه، إلا إذا أخرجه ووضعه في ظرف كخزان، ونحوه، فله أن يبيعه، قال ابن القيم: (الماء خلقه الله فى الأصل مشتركًا بين العباد والبهائم، وجعله سقيًا لهم، فلا يكون أحدٌ أخصَّ به مِن أحد، ولو أقام عليه، فأما من حازه فى قِربته أو إنائه، فذاك غيرُ المذكور في الحديث، وهو بمنزلة سائر المباحات إذا حازها إلى ملكه، ثم أراد بيعَها كالحطب والكلأ والملح)[1].
2 - الماء المجتمع في ملك الشخص بسبب المطر، والماء المجتمع في بئر حفره، فليس له الحق أن يبيعه -كما سبق- ويحرم عليه منع فضل هذا الماء للماشية، ويجب بذله لها بلا عوض، ولكنه أحق به من غيره، فيسقي هو أولًا، ويأخذ حاجته منه، وما فضل لا يمنع الناس منه؛ قال النووي: (يجب بذل فضل الماء بالفلاة بشروط: أحدها: أن لا يكون ماء آخر يستغنى به، والثاني: أن يكون البذل لحاجة الماشية لا لسقي الزرع، والثالث: أن لا يكون مالكه محتاجًا إليه).
3 - وفي حديث ابن عمر دليل على عدم جواز بيع عسب الفحل، وهو متفق عليه، أما إجارته، فالجمهور على أنها حرام أيضًا، وقال المالكية، وهو مقابل الأصح عند الشافعية: إنه يجوز إجارة الفحل للضراب، وقيد المالكية الجواز بما إذا كان الاستئجار لزمان معين كيوم أو يومين، أو لمرات معينة كمرتين أو ثلاث؛ لأن الحاجة تدعو إليه، وهي منفعة مقصودة، وحملوا النهي على التنزيه والحث على مكارم الأخلاق، وقال الحنابلة: إن احتاج إنسان إلى استئجار الفحل للضراب، ولم يجد من يطرق له مجانًا، جاز له أن يبذل الكراء؛ لأنه بذل لتحصيل منفعة مباحة تدعوا الحاجة إليها[2].
4 - دلَّ حديث أبي هريرة على تحريم بيع الحصاة، وهو مجمع عليه[3]؛ لما في ذلك من الغرر والجهالة، وكل صور بيع الحصاة متضمنة للغرر [4].
6 - النهي عن بيع الغرر أصل من أصول الشرع يدخل تحته مسائل كثيرة جدًا. ويستثنى من بيع الغرر أمران:
أحدهما: ما يدخل في المبيع تبعًا، بحيث لو أفرد لم يصح بيعه؛ كبيع أساس البناء تبعًا للبناء، واللبن في الضرع تبعًا للدابة.
والثاني: ما يتسامح بمثله عادة؛ إما لحقارته، أو للمشقة في تمييزه أو تعيينه؛ كدخول الحمام بالأجر، مع اختلاف الناس في الزمان، ومقدار الماء المستعمل، وكالشرب من الماء المحرز، وكالجبة المحشوة قطنًا[5].
7 - وفي حديث أبي سعيد بيان تحريم بيع المنابذة، وبيع الملامسة، والعلة في النهي عنهما: الغرر، والجهالة، وإبطال خيار المجلس، وهذان البيعان باطلان بالإجماع[6].
8 - ودلَّ حديثا ابن عمر وأبي هريرة على تحريم بيع الحمل في البطن؛ لما في ذلك من الجهالة والغرر؛ ولأن المبيع غير موجود حين العقد، ولا يصح بيع المعدوم بالاتفاق بين الفقهاء [7].
9 - لا يجوز بيع الحمل في البطن استقلالًا دون الأم، ونقل غير واحد الإجماع على ذلك، وأما أن يباع الحمل تبعًا لأمه -كأن تباع الناقة وما في بطنها- فهذا البيع جائز بالإجماع.
10 - ما تضمَّنه حديث أبي هريرة مجمع عليه، فقد قال ابن المنذر: (أجمعوا على أن بيع الملاقيح والمضامين غير جائز) [8].
11 - في حديث أبي سعيد الثاني صور من البيوع الممنوعة؛ قال الصنعاني -رحمه الله-: (والحديث اشتمل على ست صور منهي عنها:
الأولى: بيع ما في بطون الحيوان، وهو مجمع على تحريمه.
والثانية: اللبن في الضروع، وهو مجمع عليه أيضًا، وقد تقدَّم.
والثالثة: العبد الآبق، وذلك لتعذر تسليمه.
والرابعة: شراء المغانم قبل القسمة، وذلك لعدم الملك.
والخامسة: شراء الصدقات قبل القبض؛ فإنه لا يستقر ملك المتصدق عليه إلا بعد القبض، إلا أنه استثنى الفقهاء من ذلك بيع المصدق للصدقة قبل القبض بعد التخلية، فإنه يصح؛ لأنهم جعلوا التخلية كالقبض في حقه.
السادسة: ضربة الغائص، وهو أن يقول: أغوص في البحر غوصة بكذا، فما خرج فهو لك، والعلة في ذلك هي الغرر)[9].
12 - وفي حديث ابن عباس أنه لا يجوز بيع الصوف على الظهر، وهو قول الجمهور؛ لما في ذلك من الغرر؛ لأنه كبيع الجزء من الحيوان كما لو باعه يدًا، أو رجلًا، ولأنه يزيد بعد البيع إذا لم يُجزّ في الحال، ورجَّح ابن القيم أنه يصح بيع الصوف على ظهر الغنم، بشـرط جزِّه في الحال؛ لأنه مشاهد يمكن تسليمه، وهو مذهب المالكية[10].
13 - وفيه تحريم بيع اللبن في الضرع وهو قول الجمهور[11]، ورجَّح الإمام مالك الجواز كما سبق في الصوف، فيجوز عنده بيع اللبن في الضـرع بشـرط أن يكون ذلك في التي لا يختلف لبنها، إذا عرف قدر حلابها، ويكون كذلك أيامًا معلومة[12].
14 - ودلَّ حديث ابن مسعود كذلك على القاعدة المقررة وهي عدم جواز بيع ما فيه غرر، ومن ذلك بيع السمك في الماء غير المحصور؛ كبحر، أو نهر [13].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
من مقاصد الشريعة ومحاسن الدين: ترسيخ العدل، وتأصيل معاني الإنصاف والرحمة في المجتمعات، والنهي عن كل ما يسبب التغابن والظلم والنزاع بين الناس وأكل أموالهم بالباطل.
1 - العلة من تحريم البيوع السابقة كما هو ظاهر: الغرر والجهالة. والأحاديث السابقة تمثيل على أشهر صور تلك المعاملات، وعليه فأينما وجدت العلة (الغرر، أو الجهالة): وجد الحكم، وهو التحريم.
2 - الأحاديث فيها دلالات نهي، فهي تدل على أمرين:
الأول: تحريم تلك المعاملات.
والثاني: بطلانها؛ لأن النهي يدل على الفساد في الأصل.
3 - قاعدة: (يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في الأصول)، أو: (التابع تابع)، أو: (يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا)[14].
معنى القاعدة: أن ما كان تابعًا لغيره في الوجود لا ينفرد بالحكم، بل يدخل في الحكم مع متبوعه. والمراد بالتابع هنا: ما لا يوجد مستقلا بنفسه، بل وجوده تابع لوجود غيره، فهذا لا ينفك حكمه عن حكم متبوعه.
وبناء على هذه القاعدة جاز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها إن بيعت مع أصلها، ولم يجز بيعها منفردة، وجاز بيع الحيوان وفي ضرعه اللبن، ولم يجز بيع اللبن في الضرع، وجاز بيع الناقة وما في بطنها، ولم يجز بيع ما في بطنها فقط، ونظائر ذلك كثيرة. فالغرر إذا كان تابعًا للمقصود بالعقد فإنه لا يؤثر في العقد.
قال الله تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴾ [الأحزاب: 6].
وما كان في الكتاب مسطورًا لا ينتقل ولا يتحول؛ وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، والولاء كالنسب؛ شبَّهه به رسول الله ﷺ في كونه لا يقبل النقل بالبيع والهبة أيضًا، حيث قال: «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب». والله أعلم.
828- عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ». متفق عليه.
- الولاء: إذا كان للإنسان مملوك من رجل أو امرأة، فأعتقه فإن الولاء يكون له، بمعنى: أنه يكون هو أولى الناس بميراثه إذا لم يخلِّف هذا المعتَق وارثًا، فيحوز جميع ماله.
في الحديث تحريم بيع الولاء أو هبته لشخص آخر غير المعتِق، فلا ينتقل الولاء عن مستحقه ببيع ولا هبة. وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف[15].
الولاء حق ثبت بوصف وهو الإعتاق، فلا يقبل النقل إلى الغير بوجه من الوجوه؛ لأن ما ثبت بوصف يدوم بدوامه، ولا يستحقه إلا من قام به ذلك الوصف[16].