باب التف
ليس والحجر
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ [النساء: 5] قال ابن كثير: (ومن هاهنا يُؤْخَذُ الحجر على السفهاء... وتارة يكون الحجر للفَلَس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاقَ ماله عن وفائها، فإذا سأل الغُرَماء الحاكم الحَجْرَ عليه حَجَرَ عليه).
887- عن أبي بكر بن عبد الرّحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سَمِعْنَا رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ»، متّفق عليه.
ورواه أبو داود من رواية أبي بكر بن عبد الرّحمن مرسلًا بمعناه وزاد: «وَإِنْ مَاتَ الْـمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الـمَتَاعِ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ»، ووصله البيهقي وضعَّفه تبعًا لأبي داود. [وكذا قال غير واحد من الحفاظ. ينظر: البدر المنير (6/654)].
888- ورواه أبو داود وابن ماجه من رواية عمر بن خلدة قال: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَفْلَسَ، فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ الله ﷺ: «مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»، وصحَّحه الحاكم، وضعَّفه أبو داود وضعَّف أيضا هذه الزّيادة في ذكر الموت. [ضعَّفه الألباني في الإرواء (1442)].
889- وعن الشّريد بن سويد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ»، رواه أبو داود والنسائي، وعلقه البخاري، وصحَّحه ابن حبّان. [وحسَّنه ابن حجرفي فتح الباري (5/ 62)].
890- وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ» فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِغُرَمَائِهِ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ»، رواه مسلم.
الشّريد بن سويد، وفد إلى النبي ﷺ فأسلم، وبايعه بيعة الرضوان، سمَّاه رسول الله ﷺ الشـريد، وهو زوج ريحانة بنت أبي العاص بن أمية، مات في خلافة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
- قد أَفْلَس: المفلس: هو من عليه ديون حالَّةً زائدة على ماله.
- أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ: أي: يكون مساو لهم، وكواحد منهم؛ يأخذ مثل ما يأخذون منه، ويحرم مما يحرمون عنه.
- لَيُّ: أي: مطل.
- الواجد: هو الغني القادر على الأداء.
- يحل عرضه وعقوبته: «يحل عرضه»: بأن يقول: ظلمني ومطلني، و«عقوبته»: الحبس والتعزير[1].
1 - في حديث أبي هريرة دليل على مشروعية الحجر على الإنسان لمصلحة غيره، فيمنع المفلس من التصرف في ماله؛ لئلا يضر بأصحاب الديون، فإذا أحاط الدين بمال المدين، وطلب الغرماء الحجر عليه، وجب على الحاكم تفليسه عند المالكية والشافعية والحنابلة، وصاحبي أبي حنيفة، وهو المفتى به عند الحنفية. واشترط المالكية لوجوب ذلك ألا يمكن للغرماء الوصول إلى حقهم إلا به[2].
2 - وفي الحديث أنه إذا وُجِد عند رجل مدين سلعة سواء كانت من بيع، أو قرض، أو وديعة، أو عارية، أو غير ذلك، فأفلس هذا الرجل، والمتاع لا زال على هيئته وصفته، فلا يتحاصّ مع الغرماء بثمنها، بل لصاحب المتاع أن يأخذ عين ماله، ومذهب جمهور العلماء على أنه إذا كانت السلعة قد وجدت بعينها أن صاحبها أحق بأخذها من غيره[3].
3 - وبستدل به أيضًا على أن العين إن تغيَّرت في ذاتها بالنقص مثلا أو في صفة من صفاتها فهو أسوة للغرماء.
4 - إذا كان مال المدين أكثر من الدين الذي عليه، فهذا لا يحجر عليه في ماله، ولكن يؤمر بالوفاء عند المطالبة، فإن امتنع؛ حبس وعزر حتى يوفي الدين، فإن امتنع فإن القاضي يتصرف في ماله رغمًا عنه في وفاء ديونه، وأما إذا كان ماله أقل مما عليه من الدين الحالّ، فهذا يحجر عليه التصرف في ماله عند المطالبة؛ لئلا يضر بالغرماء.
5 - وفي حديث الشريد دليل على تحريم مطل الغني، وأنه يباح في حقه الحبس عقوبة؛ قال شيخ الإسلام: (يعاقب الغني المماطل بالحبس، فإن أصرَّ عوقب بالضـرب حتى يؤدي الواجب، وقد نصَّ على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ولا أعلم فيه خلافًا)[4].
6 - حديث أبي سعيد خاص بالمعسر، والمعسر هو المدين الذي لا يملك فاضلًا عن حاجته، ولا يملك شيئًا من المال يباع، فليس معه إلا مسكنه، ومطعمه، وكسوته الضرورية فقط، بينما المفلس لديه أكثر من ذلك، ولهذا تباع أمواله، وتوزع على الغرماء.
7 - إذا ادعى المدين الإعسار، وصدقه الدائن، فإنه لا يحبس، بل يجب إنظاره إلى ميسـرة؛ لقول النبي ﷺ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ»، وهذا مجمع عليه[5]، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ﴾ [البقرة:280].
8 - لا يجوز حبسه مع ثبوت عسره، ويجب إخراجه من السجن إن كان فيه؛ وذلك لأن الحبس إما أن يكون لإثبات عسره، أو لقضاء دينه، وعسـره هنا ثابت بإقرار خصمه، وقضاء الدين متعذر، فلا فائدة في الحبس.
9 - لا تجوز ملازمة المعسر، والتضييق عليه، بل الواجب إمهاله حتى يوسر، ولا تجوز مطالبة المدين بالسداد إلا إذا علم يُسره.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - شُرع الحجر لصيانة الأموال من الأيدي التي تسلب أموال الناس بالباطل، ولا تبالي بها في سبيل الوصول إلى كمال اللذات والمشتهيات والكماليات.
وجاء الحجر أيضًا على من يسترسلون في الفجور والكماليات، ويبددون أموالهم في غير الحاجات؛ صونًا لأموالهم وحرصًا على أرزاق أولادهم ومن يعولونهم، فيفرض الحجر على الصبي والمجنون والسفيه والمبذر وغيرهم، حفظًا للأموال من الضياع.
2 - قرض الآخرين احتسابًا للأجر طاعة وقُربة، وإنظار المُعسر وإمهاله من أفضل الطاعات، أما إسقاط بعض الدين أو كله عن المعسـر فهو أفضل من ذلك وهو من أسباب مغفرة الله وتجاوزه عن الدائن.
1 - عموم قوله: «من أدرك ماله» يعم من كان له مال عند الآخر بقرض أو بيع، وإن كان قد وردت أحاديث مصرحة بلفظ البيع، فقد أخرج ابن خزيمة وابن حبان الحديث بلفظ: «إذا ابتاع الرجل سلعة ثم أفلس وهي عنده بعينها، فهو أحق بها من الغرماء».
فقد عرف في الأصول: أن الخاص الموافق للعام لا يخصص العام[6].
2 - دلَّت رواية أبي بكر بن عبد الرّحمن على أن شرط استحقاق الغريم أخذ عين ماله من المفلس قبل المحاصَّة هو أن يكون المفلس حيًا إلى حين أخذ العين منه، فإن مات بعد الحجر عليه، سقط حق البائع في الرجوع، وهو شرط عند المالكية، والحنابلة[7]، بينما دلَّ حديث عمر بن خلدة على خلاف ذلك، وهو أن للغريم حق استرجاع العين حتى وإن مات المفلس، وهو ما رآه الشافعية[8]، وفي كلا الحديثين ضعف، فيكون قول الشافعية أقوى لدخوله في عموم قوله ﷺ: «من أدرك ماله بعينه عند رجل...».
3 - ضابط الإعسار الذي يوجب الإنظار: ألا يكون للمدين مال زائد عن حوائجه الأصلية يفي بدينه نقدًا أو عينًا، فالذي عنده أموال عينية، أو عقارات زائدة عن حوائجه الأصلية يلزمه بيعها لقضاء ديونه، ولا يلزمه أن يبيع بيته الذي يسكن فيه، أو أرضه الزراعية التي يعتاش منها، أو سيارته التجارية التي يشتغل عليها.
من يحجر عليه ويمنع من التصرف في ماله:
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ٥ وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ [النساء: 5، 6]
قال ابن كثير: (ومن هاهنا يُؤْخَذُ الحجر على السفهاء، وهم أقسام: فتارة يكون الحَجْرُ للصغر؛ فإن الصغير مسلوب العبارة. وتارة يكون الحجرُ للجنون، وتارة لسوء التصـرف لنقص العقل أو الدين، وتارة يكون الحجر للفَلَس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاقَ ماله عن وفائها، فإذا سأل الغُرَماء الحاكم الحَجْرَ عليه حَجَرَ عليه).
891- عن كعب بن مالك رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ، وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ»، رواه الدّارقطنيّ، وصحَّحه الحاكم، وأخرجه أبو داود مرسلا ورجَّح إرساله. [ضعَّفه ابن عبد الهادي في المحرر (912) وغيره].
892- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْـرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الـخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْـرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي»، متّفق عليه. وفي رواية للبيهقي: «فَلَمْ يُجِزْنِي، وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ»، وصحَّحها ابن خزيمة.
893- وعن عطيّة القرظيّ رضي الله عنه قال: «عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلِي»، رواه الخمسة، وصحَّحه ابن حبّان والحاكم.
894- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا»، وفي لفظ: «لَا يَجُوزُ لِلْـمَرْأَةِ أَمْرٌ فِي مَالِهَا، إِذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا»، رواه أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي، وصحَّحه الحاكم. [لا يصح، وهو خلاف الأحاديث الصحيحة، ينظر البيهقي في الكبير (11/ 511)].
1 - كعب بن مالك بن أبي كعب عمرو الأنصاري الخزرجي، أحد أهل الصفة، شاعر رسول الله ﷺ وصاحبه، وأحد الثلاثة الذين خلفوا، فتاب الله عليهم، شهد العقبة وأحدًا وما بعدها من المشاهد، ولم يتخلف إلا عن بدر وتبوك.
2 - عطية القرظي، له صحبة ورواية قليلة، من سبي بني قريظة، رأى رسول الله ﷺ وسمع منه، ونزل الكوفة، توفي في حدود سنة (70) للهجرة.
- من أنبت: أي الشعر الخشن حول ذكر الرجل، أو فرج المرأة، وأما الزغب الضعيف، فلا اعتبار به؛ لأنه يأتي في الصغير.
- خلى سبيله: أي لم يقتل.
1 - في حديث كعب دليل على أنه يحجر الحاكم على المدين التصـرف في ماله، ويبيعه عنه لقضاء غرمائه.
2 - وظاهر الحديث أن ماله كان مستغرقًا بالدين، فهل يلحق به من لم يستغرق ماله في الحجر والبيع عنه؛ وذلك كالواجد إذا مطل؟
اختلف العلماء في ذلك، فقال الشافعية: إنه يلحق به فيحجر عليه ويباع ماله؛ لأنه قد حصل المقتضي لذلك، وهو عدم المسارعة بقضاء الدين.
وقال الحنفية: إنه لا يلحق به، فلا يحجر عليه، ولا يباع عنه، بل يجب حبسه حتى يقضـي دينه؛ لحديث إنه «لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيبة من نفسه» ولقوله تعالى ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ ، ومقتضـى الحجر والبيع إخراج المال من غير طيبة من نفسه، ولا رضاه. ورجَّح قول الشافعية حديث «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» ففيه دليل على أنه يحجر عليه، ويباع عنه ماله؛ فإنه داخل تحت مفهوم العقوبة، وتفسيرها بالحبس فقط مجرد رأي من قائله[9].
3 - وفي حديث ابن عمر دليل على أن من لم يبلغ خمس عشرة سنة أنه لا تنفذ تصرفاته من بيع وغيره، وهذا وجه ذكر الحديث هنا.
4 - وفيه دليل على أن من استكمل خمس عشرة سنة صار مكلفًا بالغًا، له أحكام الرجال-ولو لم يحتلم- ومن كان دونها فلا، ويدل له قوله: «ولم يرني بلغت»، والقول بأن البلوغ يحصل بخمس عشرة سنة هو مذهب الشافعية، والحنابلة[10].
5 - وفي حديث عطية القرظي دليل على أنه إذا نبتت العانة بشعر خشن نسبيًا كان ذلك من علامات البلوغ، والقول بأن الإنبات يحصل به البلوغ هو قول الجمهور[11].
6 - الحكم متعلق بشعر العانة، فلا يؤثر ظهور شعر في الإبط، أو في اللحية والشارب، ولو كان ذلك معتبرًا لاكتفى به النبي ﷺ بدلا من الكشف عن عورات بني قريظة.
7 - أجمع العلماء على أن البلوغ يكون كذلك بخروج المني؛ يقظة أو منامًا [12].
8 - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في مال امرأة عطية، شاذ فلا يستدل به على أن المرأة ليس لها التصرف في مالها إلا بإذن زوجها، فالراجح عدم الحجر عليها مطلقًا، بل يجوز لها التصرف في مالها كما شاءت ما دامت رشيدة، وهو قول الجمهور[13].
9- قال الشيخ ابن باز -رحمه الله- عن الحديث السابق: (هذا الحديث مخالفٌ للأحاديث الصحيحة الدالة على أنَّ للمرأة التصرف في مالها مطلقًا إذا كانت رشيدة؛ كحديثي جابر وابن عباس رضي الله عنهم في حثِّ النبي ﷺ النساء يوم العيد على الصدقة، فجعلن يتصدقن بأقراطهن وخواتيمهن، ولم يخبرهن بأنَّ ذلك مقيَّدٌ بإذن الزوج، وحديث ميمونة رضي الله عنها في إعتاق الجارية من غير إذن زوجها وهو النبي ﷺ، والأحاديث في هذا كثيرة، وعمرو بن شعيب حديثه حسن إذا لم يخالف الثقات، أما إذا انفرد بما يخالفهم فلا يُحتج به؛ فكيف بمثل هذا؟!)[14].
1 - القول بأن حديث كعب بن مالك حكاية فعل غير صحيح؛ فإن هذا فعل لا يتم إلا بأقوال تصدر عنه ﷺ يحجر بها تصرفه، وألفاظ يبيع بها ماله، وألفاظ يقضي بها غرماءه، وما كان بهذه المثابة لا يقال: إنه حكاية فعل، إنما حكاية الفعل مثل حديث: «خلع نعله فخلعوا نعالهم» كما لا يخفى[15].
2 - ناقش بعضهم في الاستدلال بحديث ابن عمر على البلوغ قائلًا: إن الإذن في الخروج للحرب يدور على الجلادة والأهلية، فليس له في ردِّه دليل على أنه لأجل عدم البلوغ، وأن فهم ابن عمر ليس بحجة. قال الصنعاني: وهو احتمال بعيد، والصحابي أعرف بما رواه، ولا سيما في قصة تتعلق به[16].
3 - إذا خالف الحديث الأصول والأحاديث الصحيحة، ولم يمكن الجمع بينهما، فلا يعمل به. فقد دلَّت النصوص الكثيرة الصحيحة الصريحة من القرآن والسنة على أن للمرأة ذمة مالية مستقلة عن الرجل، يباح لها بموجبها أن تتصـرف أي تصـرف شرعي من المعاوضات والتبرعات من دون حجر عليها.
895- عن قبيصة بن مخارق رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الـمَسْألةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الـمَسْألةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكَ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الـمَسْألةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الـمَسْألةُ»، رواه مسلم.
- حمالة: الحمالة: المال الذي يتحمَّله الإنسان بسبب ما استدانه ودفعه في إصلاح ذات البين.
- جائحة: هي ما اجتاح المال وأتلفه إتلافا ظاهرًا.
- قوامًا: القِوام: ما تسدُّ به الحاجة.
- فاقة: أي: فقر.
- ذوي الحجا: ذوي العقل.
- من قومه: لأنهم أخبر بحاله وباطن أمره.
1 - في الحديث بيان متى يحكم على شخص بالإعسار، وأن العدد المشترط في الشهادة على الإعسار هو ثلاثة شهود ذكور، وهو قول الحنابلة[17]. والجمهور على أنه يصح بشاهدين [18].
2 - وفيه أن القدر الذي يأخذه هذا المصالح الغارم هو قدر ما التزم به وتحمَّله، ثم يمسك، فلا يأخذ أكثر منه؛ لأنها عُلّقت بإصابة الحاجة، وقد حصلت[19].
3 - وفيه بيان الغاية التي لا تحل بعدها المسألة؛ وهي سد الحاجة المعبر عنها بقوله ﷺ: «قوامًا من عيش».
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - فضيلة الإصلاح بين الناس ولو مع تحمل ما قد يقع بينهم من خسائر أو غرامات وتعويضات.
2 - حرص الإسلام على تربية المسلم على التعفف وعزة النفس وعدم التطلع إلى ما في أيدي الناس، بل يسعى لاكتساب الحلال محتسبًا في ذلك الأجر، ويسأل الله من فضله.
الضرورات والحاجات تقدر بقدرها؛ فإنما يرخص منها القدر الذي تندفع به الضـرورة، والحاجة التي نُزّلت منزلتها فحسب، فإذا اضطر الإنسان لمحظور فليس له أن يتوسع في المحظور، بل يقتصر منه على قدر ما تندفع به الضرورة فقط[20].