حجم الخط:

محتوى الدرس (109)

نكاح المتعة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٢٩ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٣٠ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المعارج: 29 - 31].

قال ابن تيمية في: (والمستمتع بها بعد التحريم ليست زوجة ولا ملك يمين، فتكون حرامًا بنص القرآن)[1].

[الأحاديث]

1015- وعن سلمة بن الأكـوع رضي الله عنه قال: «رَخَّصَ رَسُولُ الله ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْـمُتْعَةِ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا»، رواه مسلم.

1016- وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء، وعن أكل الحمر الأهلية يوم خيبر»، متفق عليه.

1017- وعن سبرة بن معبد الجهني رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا»، أخرجه مسلم.

التوضيح:

- نكاح المتعة: هو كل نكاح كان إلى أجل من الآجال، قَرُبَ أو بعد؛ وذلك مثل أن يقول الرجل للمرأة: (نكحتك يومًا) أو (عشرًا) أو (شهرًا) أو (حتى أخرج من هذا البلد).

- عام أوطاس: أي عام غزوة أوطاس، وأوطاس وادٍ بالطائف، وكانت بعد حنين عام الفتح.

الدلالات الفقهية:

1 - دلَّ حديث سلمة بن الأكوع، وحديث سبرة بن معبد أن النبي ﷺ رخص في المتعة ثم نهى عنها، واستمر النهي، ونسخت الرخصة؛ قال النووي: (والصواب المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين وكانت حلالًا قبل خيبر ثم حرمت يوم خيبر ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس لا تصالهما ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة)[2].

2 - أجمع أهل السنة على تحريم نكاح المتعة، قال ابن المنذر: (جاء عن الأوائل الرخصة فيها، ولا أعلم اليوم أحدًا يجيزها إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وقال القاضي عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض، وقال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة) [3].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

في الحكمة من التحليل ثم التحريم يقول الدهلوي: (أما الترخيص أولًا، فلمكان حاجة تدعو إليه، كما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما فيمن يقدم بلدة ليس بها أهله، وأشار أنها لم تكن يومئذ استئجارًا على مجرد البضع، بل كان ذلك مغمورًا في ضمن حاجات من باب تدبير المنزل، كيف والاستئجار على مجرد البضع انسلاخ عن الطبيعة الإنسانية، ووقاحة يمجها الباطن السليم!! وأما النهي عنها؛ فلارتفاع تلك الحاجة في غالب الأوقات، وأيضًا ففي جريان الرسم به اختلاط الأنساب؛ لأنها عند انقضاء تلك المدة تخرج من حيِّزه، ويكون الأمر بيدها، فلا يدري ماذا تصنع، وضبط العدة في النكاح الصحيح الذي بناؤه على التأبيد في غاية العسر، فما ظنك بالمتعة، وإهمال النكاح الصحيح المعتبر في الشرع؟ فإن أكثر الراغبين في النكاح إنما غالب داعيتهم قضاء شهوة الفرج) [4].

طريقة الاستدلال:

1 - نصَّت الأحاديث على نسخ حكم المتعة، وأنه لا يجوز العمل به، فالنسخ رفْع لأصل الحكم وجملته، بحيث يبقى الحكم بمنزلة ما لم يُشرع ألبتة، وليس تقييدًا أو استثناءً أو تخصيصًا[5].

2 - لا يجوز تقديم قول صحابي أو غيره على قول النبي ﷺ -إن صح عنه- ولهذا يقول الشوكاني بعد أن ذكر بعض من روى من الصحابة جواز المتعة، قال: (وعلى كل حال فنحن متعبدون بما بلغنا عن الشارع، وقد صح لنا عنه التحريم المؤبد، ومخالفة طائفة من الصحابة له غير قادحة في حجيته، ولا قائمة لنا بالمعذرة عن العمل به. كيف والجمهور من الصحابة قد حفظوا التحريم وعملوا به ورووه لنا، حتى قال عمر فيما أخرجه عنه ابن ماجه بإسناد صحيح: «إن رسول الله ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثًا ثم حرمها، والله لا أعلم أحدًا تمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة»، وقال أبو هريرة فيما يرويه عن النبي ﷺ: «هدمَ المتعةَ: الطلاقُ والعدةُ والميراثُ» أخرجه الدارقطني وحسَّنه الحافظ)[6].

نكاح التحليل وشرط الحل:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٢٢٩ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة: 229، 230].

قال ابن كثير: (أَيْ: حَتَّى يَطَأَهَا زوج آخر في نكاح صحيح). اهـ

وكل نكاح في القرآن فالأصل أنه هو الزواج الكامل ولا يخرج عنه إلا بدليل، فبطل نكاح التحليل، وفي تسمية هذه حدودًا ما يدل على أن مخالفتها كبيرة.

[الأحاديث]

1018- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ الْـمُحَلِّلَ وَالْـمُحَلَّلَ لَهُ»، رواه أحمد والنسائي والترمذي وصحَّحه، وفي الباب عن علي، أخرجه الأربعة إلا النسائي. [إسناده ضعيف].

1019- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَا، حَتَّى يَذُوقَ الآخَرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الأَوَّلُ»، متفق عليه واللفظ لمسلم.

سبب ورود حديث عائشة:

روى البخاري بإسناده عن عكرمة: أن رفاعة طلق امرأته، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي، قالت عائشة: وعليها خمار أخضر، فشكت إليها وأرتها خضرة بجلدها، فلما جاء رسول الله ﷺ، والنساء ينصر بعضهن بعضًا، قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات؟ لجلدها أشد خضرة من ثوبها. قال: وسمع أنها قد أتت رسول الله ﷺ، فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله ما لي إليه من ذنب، إلا أن ما معه ليس بأغنى عني من هذه، وأخذت هدبة من ثوبها، فقال: كذبت والله يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشز، تريد رفاعة، فقال رسول الله ﷺ: «فإن كان ذلك لم تحلي له، أو: لم تصلحي له حتى يذوق من عسيلتك» قال: وأبصر معه ابنين له، فقال: «بنوك هؤلاء؟» قال: نعم، قال: «هذا الذي تزعمين ما تزعمين، فوالله، لهم أشبه به من الغراب بالغراب».

التوضيح:

- المحلِّل: متزوج المطلقة ثلاثًا لتحل للزوج الأول[7].

- المحلَّل له: المطلِّق ثلاثًا تنكح مطلقته زوجًا آخر ثم يطلقها لتحل للأول[8].

- عُسَيْلَتهَا: العسيلة: تصغير العسل، والتصغير للتقليل؛ إشارة إلى أن القدر القليل كاف في تحصيل ذلك، وهو يتحقق بتغييب الحشفة في الفرج.

الدلالات الفقهية:

1 - دل حديث ابن مسعود على تحريم نكاح التحليل، وأنه من كبائر الذنوب [9].

2 - إذا تزوج الرجل المرأة بشرط التحليل، وأقدم عليه بعد أن صرّح ولي المرأة، أو غيره بذلك، فالجمهور على أن هذا النكاح لا يصح، ولا ينعقد؛ خلافًا لأبي حنيفة[10].

3 - قال ابن القيم: (ولا فرق عند أهل المدينة، وأهل الحديث، وفقهائهم، بين اشتراط ذلك بالقول، أو بالتواطؤ والقصد، فإن القصود في العقود عندهم معتبرة، والأعمال بالنيَّات، والشرط المتواطَأُ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان: كالملفوظ عندهم)[11].

4 - يقول الشيخ ابن باز مبينًا فساد القول بصحة نكاح التحليل: (وهذا من أقبح الباطل، ومن أعظم الفساد، وهو زانٍ في المعنى؛ لأنه ما تزوجها لتكون زوجة تعفه، ولتبقى لديه لتحصنه، وليرجو منها وجود الذرية، وإنما جاء تيسًا مستعارًا؛ ليحللها لمَن قبله بوطء مرة واحدة، ثم يفارقها وينتهي منها، هذا هو المحلل، ونكاحه باطل، وليس بشرعي، ولا تحل للزوج الأول ما دام نكحها بهذه النية، وبهذا القصد) [12].

5 - ودل حديث عائشة على ما دل عليه القرآن من أن الزوج إذا طلق امرأته طلقة ثالثة، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره نكاحًا صحيحًا.

6 - كما بين الحديث المراد من نكاح الزوج الآخر المذكور في الآيات؛ وهو أنها لا تحل للأول إلا بعد أن يجامعها هذا الثاني، وأنه لا يكفي مجرد عقد النكاح، قال ابن المنذر: (أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول، إلا سعيد بن المسيب، ولا نعلم أحدًا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، ولعله لم يبلغه الحديث، فأخذ بظاهر القرآن)[13].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

قال ابن القيم: (واعلم أن من اتقى الله في طلاقه فطلق كما أمره الله ورسوله ﷺ، وشرعه له؛ أغناه عن ذلك كله، ولهذا قال الله تعالى بعد أن ذكر حكم الطلاق المشـروع: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق: 2]، فلو اتقى الله عامة المطلقين لاستغنوا بتقواه عن الآصار والأغلال، والمكر والاحتيال)[14].

طريقة الاستدلال:

1 - سبق معنا أن اللعن يدلُّ على تحريم الفعل، وأنه من الكبائر.

2 - قاعدة: (العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني):

فالقصود في العقود معتبرة، والأعمال بالنيَّات، والشرط المتواطَأُ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم، والألفاظ لا تراد لعينها، بل للدلالة على المعاني، فإذا ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرة بالألفاظ؛ لأنها وسائل، وقد تحقَّقت غاياتُها، فترتَّبَتْ عليها أحكامها[15].

نكاح الشغار:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء: 4].

وقال الله تعالى: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ [النساء: 24] قال ابن تيمية: (العلة في إفساده: شرط إشغار النكاح عن المهر... فلم يحل لغير الرسول النكاح بلا مهر، فمن تزوَّج بشرط ألا يجب مهر فلم يعقد النكاح الذي أذن الله فيه، فإن الله إنما أباح العقد لمن يبتغي بماله محصنًا غير مسافح)[16].

[الأحاديث]

1020- عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الشِّغَارِ؛ وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ»، متفق عليه.

وَاتَّفَقَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ.

التوضيح:

- الشغار: مأخوذ من: شغر الكلب: إذا رفع إحدى رجليه للبول أو غيره، وشغر الرجل المرأة شغورًا: رفع رجلها للنكاح، قال ابن رشد: (فأما نكاح الشغار، فإنهم اتفقوا على أن صفته هو: أن ينكح الرجل وليته رجلًا آخر على أن ينكحه الآخر وليته، ولا صداق بينهما إلا بضع هذه ببضع الأخرى)[17].

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديث دليل على تحريم نكاح الشغار، وقد أجمع العلماء على أنه منهي عنه، وأنه من نكاح الجاهلية[18]، ولا يختص الشغار بالبنات، بل يدخل فيه كل من للرجل ولاية عليها.

2 - نكاح الشغار باطل عند جمهور العلماء، وعند الحنفية النكاح صحيح، ويؤخذ لكل واحد منهما صداق، والراجح قول الجمهور[19].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

قال ابن القيم: (واختُلف في علة النهي، فقيل: هي جعل كل واحد من العقدين شرطًا في الآخر. وقيل: العلة: التشريك في البضع وجعل بضع كل واحدة مهرًا للأخرى، وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر، بل عاد المهر إلى الولي، وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليته، وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين، وإخلاء لنكاحهما عن مهر تنتفع به. وهذا هو الموافق للغة العرب)[20].

طريقة الاستدلال:

1 - الأصل في المنهي عنه بذاته أنه فاسد لا ينعقد، ولهذا حكم الجمهور ببطلان الشغار.

2 - قوله: «يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ»: خرج مخرج التغليب، قال الشوكاني: (ولا يختص الشغار بالبنات والأخوات، بل حكم غيرهن من القرائب حكمهن، وقد حكى النووي الإجماع عليه)[21].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة