حكم الوليمة:
قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾ [النحل: 72].
فقد سمى الله الزواج نعمة وذكَّر بها في كثير من سور القرآن، وأمر بشكر النعم فقال: ﴿ وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [النحل: 114].
ومن الشكر طعام الوليمة كما بيَّنه النبي ﷺ بقوله وفعله.
1060- عن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، قَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: «فَبَارَكَ الله لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»، متفق عليه، واللّفظ لمسلم.
- أَثَرَ صُفْرَةٍ: أثر صفرة: أي أثر طيب من طيب العروس.
- عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ: تعادل خمسة دراهم، وقيل غير ذلك.
1- أجمع العلماء على مشروعية إقامة وليمة للعرس، ويرى الجمهور أنها مستحبة وليست بواجبة، بينما ذهب الظاهرية وجماعة من الفقهاء إلى القول بوجوبها بحسب القدرة[1].
2 - وفيه دليل على أنه يستحب للموسر ألا ينقص عن شاة، ونقل القاضي الإجماع على أنه لا حد لقدرها المجزئ، بل بأي شيء أولم من الطعام حصلت الوليمة.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
من جملة فوائد الوليمة ومقاصدها: أن فيها إطعام الطعام، واجتماع الناس لذلك مما يقتضـي اشتهار النكاح، والنبي ﷺ أولم على جميع زوجاته في السفر والحضـر، وفي السعة والضيق، ولما خطب عليٌّ فاطمة رضي الله عنهما قال رسول الله ﷺ: «إنه لا بد للعروس من وليمة»[2].
دل على وجوب الوليمة للمستطيع: الأمر بها في قوله ﷺ: «أولم ولو بشاة»، والأمر للوجوب [3]. وحمله الجمهور على الاستحباب لقول النبي ﷺ «ليس في المال حق سوى الزكاة»، ولأنه طعام لحادث سرور فأشبه سائر الولائم، ولأن سبب هذه الوليمة عقد النكاح وهو غير واجب، ففرعه أولى أن يكون غير واجب[4].
قال الله تعالى: ﴿ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ﴾ [الأحزاب: 53]. ثبت في صحيح البخاري وغيره أن سبب نزول الآية وليمة زواج النبي ﷺ وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها، وهي عامة للنبي ﷺ ولغيره.
1061- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا»، متّفق عليه، ولمسلم: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ؛ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ».
1062- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَهُ»، أخرجه مسلم.
1063- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ؛ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ»، أخرجه مسلم أيضًا، وله من حديث جابر نحوه وقال: «فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ».
1064- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «طَعَامُ الْوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ، وِمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بِهِ»، رواه التّرمذيّ واستغربه، ورجاله رجال الصّحيح. [ضعَّفه عبد الحق في الأحكام الوسطى (3/ 160)، وابن حجر في فتح الباري (9/243)، وغيرهما]. وله شاهد عن أنس عند ابن ماجه. [إسناده لا يصح].
1065- وعن رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ أن النبي ﷺ قال: «إِذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ، فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الذِي سَبَقَ»، رواه أبو داود، وسنده ضعيف.
1066- وعن صفيّة بنت شيبة رضي الله عنها قالت: «أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ»، أخرجه البخاريّ.
1067- وعن أنس رضي الله عنه قال: «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْـمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْـمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إِلَّا أَنْ أَمَرَ بِالْأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ، وَالْأَقِطُ، وَالسَّمْنُ»، متّفق عليه، واللّفظ للبخاريّ.
صفية بنت شيبة: هي أم حجير صفية بنت شيبة بن عثمان العبدرية، مختلف في صحبتها، وقد رجَّح صحبتها البخاري وابن عبد البر وابن حجر، وذكرها ابن سعد وابن حبّان في ثقات التابعين.
- الوليمة: الطعام عند العرس[5].
- فلْيُصلِّ: أي: فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة ونحو ذلك.
- يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ: أي: يبنى عليه خباء جديد بسبب صفية.
- بِالْأَنْطَاعِ: جمع نطع، وهو بساط من الجلد.
- وَالْأَقِطُ: اللبن المجفف.
1 - في حديث ابن عمر وحديثي أبي هريرة دليل على وجوب إجابة الدعوة إلى الوليمة، وهو مذهب الجمهور خلافًا للحنفية[6].
2 - وفي حديث ابن عمر كذلك مشروعية إجابة بقية الولائم، والجمهور على أن إجابة الدعوة لوليمة غير وليمة عرس مستحب فقط[7].
3 - الصوم ليس بعذر في الإجابة ويجب على الصائم حضور الوليمة[8]، فإن كان صومه تطوعًا فعند الشافعية والحنابلة يستحب له الأكل؛ لما جاء أنه صنع أبو سعيد الخدري طعامًا، فدعا النبي ﷺ وأصحابه، فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال له رسول الله ﷺ: «دعاك أخوك وتكلَّف لك، أفطر وصم مكانه إن شئت»[9]، وإن كان صومه فرضًا لم يفطر، ودعا لأهل الطعام بالمغفرة والبركة ونحو ذلك؛ لقوله: «فإن كان صائمًا فليصلِّ»، وكان بالخيار بين المقام والانصراف[10].
4 - وفي حديث ابن مسعود دليل على أنه يشترط في وجوب إجابة الدعوة أن تختص الدعوة باليوم الأول، فإذا كانت الوليمة ثلاثة أيام أو أكثر، فدُعي في اليوم الأول وجب عليه الإجابة، وإن دعاه في اليوم الثاني لم تجب عليه الإجابة، ولكن يستحب، وإن دعي في اليوم الثالث لم يستحب له أن يجيب بل يكره، وهذا هو مذهب الجمهور[11].
5 - وفيه دليل على أنه يشترط لإجابة الدعوة ألّا يكون الداعي مسبوقًا، ولهذا يقرر الفقهاء أن من دعاه اثنان، فإن قدر على الحضور إليهما لزمته الإجابة، فإذا لم يقدر على الجمع بينهما لزمته إجابة أسبقهما[12].
6- في حديثي صفية وأنس دليل على أنه لا يشترط اللحم في الوليمة، فإذا أولم العروس بحسب ما تيسر له من الأطعمة جاز، وقد أجمع العلماء على أنه لا حد لأكثر الوليمة ولا لأقلها، فما تيسر أجزأ[13].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - في إجابة الدعوة لوليمة العرس تآلفٌ، وفي تركها ضرر وتقاطع؛ لما فيها من فساد النفوس، وتوليد العداوة.
2 - يستحب إقامة الولائم عمومًا؛ لما فيه من إطعام الطعام وجبر القلوب، كما أن في فعلها إظهار نعم الله والشكر عليها، وإظهار لإحسانه، ولما فيها من اكتساب الأجر والمحبة[14].
3 - المقصود بالحضور التجمل أو التكثر أو التواصل، فقد يتجمل به أهل الطعام والحاضرون، وقد ينتفعون بدعائه أو مشورته، أو يمتنعون عما لا يمتنعون عنه في غيبته، وغير ذلك، كما أن في الأكل إجابة أخيه المسلم، وإدخال السرور على قلبه.
4 - وفي حديث الرجل من الصحابة دليل على أن حق الجوار مرجّح على غيره إذا جاءت الدعوة في وقت واحد؛ لأنه أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات -ولاسيما في أوقات الغفلة- فهو بالرعاية أقدم، وأقربهما بابًا أقربهما جوارًا [15].
5- من المقاصد الشرعية أن تُقدر الأمور بقدرها، وأن يكون الإنفاق وسطًا بين الإقتار والإسراف، سواء في الوليمة أو في غيرها، إضافة إلى اجتناب المباهاة، بل ينبغي للمسلم أن يتعبد الله بمثل هذا وأن يحتسبها طاعة من الطاعات، وأن يكون في غاية التواضع لله ولخلقه، وأن يستشعر نعمة الله عليه، ويتذكر ما كان عليه خير الناس ﷺ من الشدة وشظف العيش، حيث لم يتيسـر في وليمته بصفية لا خبز ولا لحم، فذلك من شكر النعمة وسبب دوامها.
1 - دل على وجوب إجابة وليمة العرس: الأمر بها في قوله: «فليأتها»، وفي قوله: «فَلْيُجِبْ»، والأمر يقتضي الوجوب. وكذلك النص في حديث أبي هريرة أن «من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله».
2 - قوله ﷺ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا»: إنما تكون شرًّا إذا كان فيها تلك الأوصاف التي يكون فيها حجب للأقارب أو الجيران الفقراء، وتخصيصها بالأغنياء، لا أن الوليمة شر على الإطلاق.
3 - دلَّ على أنه لا يجب على المفطر أن يطعم: رواية جابر: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك»، ففي قوله: «إن شاء»، دلالة على التخيير.
4 - حديث الرجل من الصحابة وإن كان فيه مقال، فالأدلة العامة والقياس يعضده من كون من سبق إلى شيء كان أولى به من غيره، وعلى اعتبار حق الجار وتقديمه على غيره، ومن ذلك ما أخرجه البخاري (5674) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلي أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابًا».
5- في حديثي صفية وأنس دلالة فعل من النبي ﷺ، وهي معارضة لدلالة القول في حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: «أولم ولو بشاة»، وإذا تعارض القول مع الفعل؛ حُمل القول على الاستحباب، والفعل على الجواز. ولهذا، فالأفضل في الوليمة أن تكون بلحم، وأقلها شاة، ويجوز غير ذلك كما سبق.
قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ١٦٨ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 168، 169].
والشيطان يصد عن ذكر الله، ويخالف أمر الله فيأكل بشماله، ويعبث بنعمة الله عن طريق النفخ في الإناء وطيشان اليد في الصحفة فترتفع البركة، ويَحمل على الكبر المنافي للتواضع والشكر في هيئة الأكل ولعق الأصابع، ويأمر بعيب الطعام وكل سوء وقبح.
1068- عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا»، رواه البخاريّ.
1069- وعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يَا غُلَامُ، سَمِّ الله، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ»، متّفق عليه.
1070- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ، فَقَالَ: «كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا، فَإِنَّ البَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا»، رواه الأربعة، وهذا لفظ النّسائي، وسنده صحيح. [صحَّحه الترمذي في السنن (1805)، وغيره].
1071- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «مَا عَابَ رَسُولُ الله ﷺ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ»، متّفق عليه.
1072- وعن جابر رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ قال: «لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ»، رواه مسلم.
1073- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم طعامًا فلا يمسح يده حتى يَلْعَقَها أو يُلْعِقَها»، متفق عليه.
1074- وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ»، متفق عليه، ولأبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه، وزاد: «أَوْ يَنْفُخْ فِيهِ»، وصحَّحه الترمذي.
سبب ورود حديث عمر بن أبي سلمة:
روى البخاري عن عمر بن أبي سلمة، قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك» فما زالت تلك طعمتي بعد.
عمر بن أبي سلمة بن عبد الأسد القرشي المخزومي، من صغار الصحابة، وأمه أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ، فهو المربى في حجر النبي ﷺ، وكفاه ذلك فضلًا، ولي البحرين زمن عليّ رضي الله عنه، وتوفي سنة (83) بالمدينة.
- لا آكُلُ مُتَّكِئًا: قيل: هو أن يميل على أحد شقيه، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض.
- ثريد: كل خبز ثردته -أي كسَّرته- فِي لبن أَو مرق فَهُوَ ثريد[16].
- يَلعقها: يلحسها بلسانه.
- يُلعِقها: أي غيره ممن يحبه، ولا يتقذر من ذلك.
1 - في حديث أبي جحيفة كراهة الأكل متكئًا.
2 - إذا كان الاتكاء حال الأكل تكبرًا، فقد اتفق الفقهاء على تحريمه[17]، فإن كان لغير التكبر فقد اختلفوا في كراهته [18]. والكراهة مع الاضطجاع أشد منها مع الاتكاء، ولا بأس بأكل اليسير مضطجعًا كتمرة ونحوها[19].
3 - وفي حديث عمر بن أبي سلمة دليل على مشروعية التسمية عند الأكل، وهو مجمع عليه، واختلف في الوجوب، والجماهير على الاستحباب، ورجح ابن حزم القول بالوجوب[20]، قال ابن القيم: (والصحيح وجوب التسمية عند الأكل، وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وأحاديث الأمر بها صحيحة صريحة، ولا معارض لها، وتاركها يشركه الشيطان في طعامه وشرابه)[21].
4 - وفي الحديث دليل على مشروعية الأكل باليمين، وجمهور العلماء على أن الأكل والشـرب باليمين سنة؛ لأنه من باب تشريف اليمين على الشمال؛ لأنها أقوى في الغالب، وأسبق للأعمال، وأمكن في الأشغال[22]. والراجح أن الأكل والشرب باليمين واجب، وهو قول ابن حزم، ورجَّحه ابن القيم، وابن حجر، وجماعة من المحققين[23].
5 - وفيه دليل على أن السنة أن يأكل الآكل مما يليه من الطعام إذا كان الطعام نوعًا واحدًا، وأما إذا اختلفت الأنواع فيجوز التناول من غير ما يلي؛ للحديث المتفق عليه عن أنس رضي الله عنه: «أن خياطًا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه، فذهبت مع رسول الله ﷺ، فرأيته يتتبع الدباء من حوالي القصعة، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ».
6 - وفي حديث ابن عباس دليل على أنه يكره للآكل تناول الطعام من أعلى القصعة ووسطها، وأن السنة أن يأكل من جوانبها وأسفلها، وكذلك لا يأكل من وسط الرغيف، بل من استدارته[24].
7 - وفي حديث جابر أن في الأكل بالشمال تشبه بالشيطان [25].
8 - ودلَّ حديث ابن عباس الثاني على استحباب لعق الأصابع والقصعة عقب انتهاء الطعام -وليس أثناءه - وكراهة مسح اليد قبل لعقها.
9 - وفي الحديثين الأخيرين دليل على كراهة التنفس في إناء الشـراب، والنفخ فيه لتبردته، والجمهور على أن النهي عن ذلك للكراهة فقط[26].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - قال الحافظ ابن حجر: (نهاه جبريل عن ذلك [أي: عن الأكل متكئًا]، وهذا النهي محمول على الكراهية؛ لأنه كان من أخلاق المتكبرين ويؤدي إلى الاستكثار من الطعام، وكان النبي ﷺ يكره ذلك)[27].
2 - أَكْل الرجل متكئًا يدل على استخفافه بنعمة الله فيما قدمه له من رزقه، وفيما يراه الله من ذلك على تناوله، وفيه مخالفة لعوائد الناس عند أكلهم الطعام، فإن هذا يجمع بين سوء الأدب والجهل واحتقار النعمة، ولأنه إذا كان متكئًا لا يصل الغذاء إلى قعر المعدة الذي هو محل الهضم؛ فلذلك لم يفعله النبي ﷺ، ونبه على كراهته[28].
3 - أكل الرجل من موضع يد صاحبه سوء عشرة، وترك مروءة، يتقذره صاحبه، لا سيما في الأمراق وشبهها[29].
4 - الحكمة من النهي عن الأكل من الوسط ما في الحديث من كون البركة تنزل في وسط الطعام[30].
5 - وفي حديث أبي هريرة دليل على أن السنة للإنسان إذا قُدّم له طعام: أنه إن أعجبه أكله، وإلا تركه ولا يعيبه، وهذا من آداب الطعام المتأكدة، وعيب الطعام كقوله: مالح، قليل الملح، حامض، رقيق، غليظ، غير ناضج، وغير ذلك[31]. وهذا من أحسن الأدب؛ لأن المرء قد لا يشتهي الشيء ويشتهيه غيره، وكل مأذون في أكله من قبل الشرع، فليس فيه عيب[32]. وكذا فإن عيب الطعام شديد على نفس من قام به وصنعه، فمن الأدب وحُسن العشرة ألا يكسر نفسه بذلك.
6 - السنة للشارب أن يتنفس ثلاث مرات وينحّي الإناء في كل مرة عن فمه نسبيًا، وقد روى الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يشرب في ثلاثة أنفاس، إذا أدنى الإناء إلى فيه سمى الله، وإذا أخره حمد الله، يفعل ذلك ثلاث مرات»[33]، وهذه من الآداب الكريمة التي ينبغي للمرء أن يحرص عليها ويعلمها ولده.
7 - الحكمة من كراهة مسح اليد قبل لعقها؛ لاحتمال كون بركة الطعام في ذلك الممسوح.
8 - هذه الآداب الرفيعة والشمائل النبوية السامية من دلائل النبوة ومن محاسن الدين؛ إذ يراعي دقائق الأدب وتفاصيله؛ ويعتني بكل ما يبعث على الألفة بين الناس ويُديم المودة بينهم، ويحث المسلم على التزام الأدب مع من حوله ومراعاة مشاعر الآخرين.
1 - قوله: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا»: ليس نهيًا صريحًا، ولكن فيه بيان أدب من آداب الأكل، فهو يدل على كراهة الأكل متكئًا لا تحريمه.
2 - إذا ورد النهي في أمر يتعلق بالآداب، فهو محمول عند جمهور أهل العلم على نهي الكراهة، قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: (بعض العلماء سلك مسلكًا جيدًا، وهو أن الأوامر تنقسم إلى قسمين: أوامر تعبدية، وأوامر تأديبية، يعني من باب الآداب ومكارم الأخلاق. فما قُصد به التعبّد، فالأمر فيه للوجوب؛ لأن الله تعالى أمرنا بها، ورضي أن نتقرب إليه بها، فوجب علينا أن نقوم بذلك إن كانت أمرًا، وأن نترك ذلك إن كانت نهيًا.
وأما إذا كانت من باب الآداب ومكارم الأخلاق، وليس هناك علاقة بينها وبين التقرب إلى الله U فإن الأمر فيها يكون للاستحباب، والنهي فيها للكراهة لا للتحريم). ومثَّل له الشيخ بالأمر الذي جاء في باب الأدب بحديث: «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، فلتكن اليمنى أولهما ينتعل وآخر ما ينزع»[34]. كما قرر كثير من أهل العلم أن النهي إذا كان للإرشاد-وهو ما تعلق بالمنافع والمصالح الدنيوية الخاصة غير المتعدية- لا يحمل على التحريم.
3 - دلَّ على وجوب الأكل باليمين: مجيء الأمر بالأكل باليمين، والنهي عن الأكل بالشمال، فقد أمر النبي ﷺ بالأكل باليمين في أحاديث، والأمر يفيد الوجوب، ونهى عن الأكل بالشمال في حديث آخر، والنهي يدل على التحريم، ولا صارف للأمر، ولا للنهي عن ظاهرهما.
4 - الحقيقة مقدمة على المجاز: فتأويل بعضهم لحديث أكل الشيطان بالشمال بأن المراد أنكم إن فعلتم ذلك كنتم من أولياء الشيطان: خلاف الظاهر، وعدول عنه وهو الأصل، والحقيقة مقدمة على المجاز، ولا يصح التأويل إلا بدليل.