أحكام الإحداد:
قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 234].
قال ابن كثير: (يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا وُجُوبُ الْإِحْدَادِ عَلَى المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مُدَّةَ عِدَّتِهَا... وَيَجِبُ الْإِحْدَادُ عَلَى جَمِيعِ الزَّوْجَاتِ المُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الصَّغِيرَةُ وَالْآيِسَةُ وَالْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ، وَالمُسَلَمَةَ وَالْكَافِرَةُ، لِعُمُومِ الْآيَةِ).
1128- عن أمّ عطيّة رضي الله عنها أنّ رسول الله ﷺ قال: «لَا تَحِدّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلْ، وَلَا تَمَسَّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ»، متّفق عليه، وهذا لفظ مسلم، ولأبي داود، والنسائي من الزيادة: «وَلَا تَخْتَضِبْ»، وللنسائي: «وَلَا تَمْتَشِطْ». [زيادة شاذة].
1129- وعن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: جَعَلْتُ عَلَى عَيْنِي صَبْرًا، بَعْدَ أَنْ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِنَّهُ يَشُبُّ الوَجْهَ، فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ، وَانْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ، وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ». قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ؟ قَالَ: «بِالسِّدْرِ»، رواه أبو داود والنسائي، وإسناده حسن. [أعلَّه عبد الحق في الأحكام الوسطى (3/ 223)، والمنذري في مختصـر سنن أبي داود (2209)، وابن حجر في التلخيص الحبير (5/ 2547)، وغيرهم].
1130- وعنها أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ ابْنَتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا، أَفَنَكْحُلُهَا؟ قَالَ: «لَا»، متّفق عليه.
1131- وعن جابر رضي الله عنه قال: طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: بَلْى جُدِّي نَخْلَكِ، فَإِنَّكَ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا»، رواه مسلم.
1132- وعن فريعة بنت مالك رضي الله عنها أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ فَقَتَلُوهُ. قَالَتْ: فَسَألتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي؛ فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ لِي مَسْكَنًا يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةً، فَقَالَ: «نَعَمْ». فَلَمَّا كُنْتُ فِي الْـحُجْرَةِ نَادَانِي، فَقَالَ: «امْكُثِي فِي بَيْتِكَ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ». قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَقَضـى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عُثْمَانُ. أخرجه الخمسة، وصحَّحه الترمذيّ والذهلي وابن حبان والحاكم وغيرهم.
فريعة بنت مالك بن سنان الخزرجية الخدرية، أخت أبي سعيد الخدري، وأمها حبيبة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، لها صحبة، شهدت بيعة الرضوان، وحسان بن ثابت يعرف بابن الفريعة، فهي أمه.
- ثوب عَصْب: العصب ثياب يمانية ملونة بالأحمر والأبيض والأسود، لا زال معروفًا إلى اليوم في اليمن تغطي به بعض النساء وجوههن.
- نبذة: أي شيء يسير.
- قُسْطٍ: القسط: عود يصح للتبخر، وللتداوي بطرق مختلفة.
- أظفار: جنس من الطيب، تشبه القطعة منه الظفر.
- تختضب: أى: لا تصبغ شيئًا من جسمها أو شعرها بالحناء ونحوه.
- الصَبِر: بفتح الصاد وكسر الباء أشهَر، دواء مر.
- يَشِبُ الوَجْهَ: أي: يزيد في لونه وحُسنِه.
- حتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ: أي: حتى تبلغ العدة المكتوبة عليها مدتها.
1 - الإحداد: هو امتناع المرأة عن الزينة في البدن أو الثوب، وعن الخروج من البيت إلا لحاجة. وقد أجمعت الأمة على وجوب الإحداد على المتوفَّى عنها زوجها[1].
2- في حديث أم عطية تحريم إحداد المرأة فوق ثلاثة أيام على أي ميت من أب أو غيره، وجوازه ثلاثًا عليه، وعلى الزوج فقط أربعة أشهر وعشرًا.
3 - وفيه دليل على تحريم الثوب المصبوغ على المحدة، ويعم كل ما يصبغ للتحسين والتزين، وقد أجمع العلماء على أن الحادة يحرم عليها لبس كل ما فيه زينة من الثياب، عدا الظاهرية فقصـروا المنع على المصبوغ فقط[2].
4 - وفيه دليل على منع الحادة من الزينة في بدنها، فالحادة ممنوعة من الخضاب بالحناء، ومن الكحل، ونحوه مما يكون فيه تجمل وزينة، وهو مجمع عليه[3].
5 - وفيه دليل على أن الحادة ممنوعة من الطيب، وعلة المنع أن الطيب مما يدعو إلى النكاح، فمنعت الحادة منه؛ لأنها ممنوعة من النكاح، واستثنى النبي ﷺ الشـيء اليسير من قسط أو أظفار عند الطهر للحاجة إليه، وهما نوعان معروفان من البخور، وليسا من مقصود الطيب، ورخص فيه للمغتسلة من الحيض؛ لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب[4].
6- وفي حديث أم سلمة دليل على أن الحادة تمنع من تحمير وجهها، وتحسينه بالمكياج وغيره.
7 - أخذ الجماهير بحديث أم سلمة الأول الدال على جواز الكحل إذا اضطرت إليه تداويًا لا زينة، فلها الاكتحال ليلًا، وتمسحه نهارًا، وهو قول الأئمة الأربعة وغيرهم[5].
8 - خروج المرأة المحدّة من بيتها لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: إذا كان لغير ضرورة ولا حاجة، كالنزهة أو العمرة، فإنه لا يجوز.
الثانية: أن يكون للضرورة، كحصول حريق أو مرض ونحوه فهذا جائز ليلًا ونهارًا.
الثالثة: أن يكون لحاجة، مثل شراء أغراض، أو أن تكون مدرسة فتخرج للتدريس في النهار، أو ضاق صدرها، فخرجت لتستأنس، فلها أن تخرج نهارا لا ليلا؛ ووجه التفريق بين الليل والنهار أن الناس في النهار في الخارج، والأمن عليها أكثر، وبالليل الناس مختفون والخوف عليها أشد[6].
9 - وفي حديث فريعة بنت مالك دليل على أن المتوفى عنها زوجها يجب عليها لزوم بيت زوجها الذي توفي عنها وهي فيه، عند عامة العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة[7]. إلا أن حديث الفريعة صرحت فيه أن البيت ليس لزوجها، فيؤخذ منه أنها لا تخرج من البيت الذي مات وهي فيه، سواء كان له أو لا[8].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - قال ابن القيم: (الإحداد من محاسن هذه الشريعة، وحكمتها، ورعايتها للمصالح على أكمل وجه؛ فإن الإحداد على الميت من تعظيم مصيبة الموت، التي لا بد أن تحدث للمصاب من الجزع، والألم، والحزن ما هو مقتضى الطباع، فسمح لها الحكيم الخبير في اليسير من ذلك، وما زاد فمفسدته راجحة، فمنع منه. وأما الإحداد على الزوج: فإنه تابع للعدة بالشهور أو بوضع الحمل، وهو من مقتضيات العدة ومكملاتها، فالمرأة إنما تحتاج إلى التزين إلى زوجها، فإذا مات، وهي لم تصل إلى آخر، فاقتضى تمام حق الأول أن تمنع مما تصنعه النساء لأزواجهن، مع ما في ذلك من سد الذريعة إلى طمعها في الرجال، وطمعهم فيها بالزينة)[9].
2 - وفي حديث جابر أنه يستحب لمن عنده تمر يجده، أو يجنيه، أو زرع يحصده: أن يتصدق بجزء منه، ويحسن إلى المحتاجين.
3 - وفيه وفي حديث فريعة أيضًا استحباب سؤال أهل العلم عن حقائق العلم التي يتسـرع العوام إلى إفتاء الناس فيها بلا مستند شرعي[10].
1 - دل التعليل بمنع المحدة من المعصفر: أن علة المنع منه ما فيه من التزين المنافي للإحداد، ولهذا يقاس عليه كل ما كان من اللباس فيه زينة. قال ابن القيم: (دار كلام العلماء على أن الممنوع منه من الثياب ما كان من لباس الزينة من أي نوع كان، وهذا هو الصواب قطعًا، فإن المعنى الذي منعت من المعصفر والممشق لأجله مفهوم، والنبي ﷺ خصَّه بالذكر مع المصبوغ تنبيهًا على ما هو مثله وأولى منه بالمنع، والبرود المحبرة الرفيعة الغالية الأثمان مما يراد للزينة لارتفاعهما وتناهي جودتهما هو أولى بالمنع من الثوب المصبوغ، وكل من عقل عن الله ورسوله ﷺ لم يسترب في ذلك)[11].
2 - الجمع بين حديثي أم سلمة: بأن التي استأذنت لابنتها في الكحل لم يبلغ ما بها حد الضرورة، فيحتمل أنه كان يحصل لها البرء بغير الكحل كالتضميد بالصبر ونحوه، خلافًا لأم سلمة رضي الله عنها؛ فإنها اضطرت إليه فأباحه لها[12]، وهذا الجمع على فرض صحة حديث أم سلمة: «لا تجعليه إلا بالليل وانزعيه بالنهار»، وإلا فإسناده ضعيف كما تقدم.
3 - ما جاء من الآثار عن عائشة وابن عباس في كون المعتدة تعتد حيث شاءت ليس حجة، فلعله لم يبلغهما مضمون ما جاء في حديث فريعة، وقد خفيت بعض السنن المشهورة على بعض أكابر الصحابة، ولم يسوِّغ هذا تركها.
قال الله تعالى: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1] في الآية أنَّ المطلقة لا تخرج من مسكن النكاح ما دامت في العدة، فلا يجوز لزوجها أن يُخرجها، ولا يجوز لها الخروج أيضًا إلاّ لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدّة، والرجعيةُ والمبتوتةُ في هذا سواء. واختلف في خروجها للحاجة.
1133- عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت: «قُلْتَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ»، رواه مسلم.
1134- وعن عمر رضي الله عنه فِي امْرَأَةِ الـمَفْقُودِ: «تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْـرًا»، أخرجه مالك والشافعي.
1135- وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «امْرَأَةُ الـمَفْقُودِ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا البَيَانُ»، أخرجه الدراقطني بإسناد ضعيف. [ضعَّفه أبو حاتم في العلل (1298)، والبيهقي في الكبير (15/ 588)، وغيرهما].
1136- وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا، أَوْ ذَا مَحْرَمٍ»، رواه مسلم.
1137- وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِاِمْرَأَةٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، متفق عليه.
- يُقْتَحَمَ عَلَيَّ: أي: يدخل عليّ سارق، ونحوه.
- تَرَبَّصُ: أصلها: تتربص؛ أي عليها أن تنتظر.
- الـمَفْقُود: هو الغائب الذي انقطع خبره، ولا يُدرى حياته من موته.
- الْبَيَانُ: أي بيان حال زوجها المفقود.
- محرم: هو كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح يحرمها.
1 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن مكان العدة من طلاق أو فسخ أو موت هو بيت الزوجية التي كانت تسكنه قبل مفارقة زوجها، وقبل موته، أو عندما بلغها خبر موته، فإذا كانت في زيارة أهلها، فطلقها أو مات، كان عليها أن تعود إلى منزلها الذي كانت تسكن فيه للاعتداد وإن كانت في غيره، فالسكنى في بيت الزوجية وجبت بطريق التعبد، فلا تسقط ولا تتغير إلا بالأعذار.
2 - وفي حديث فاطمة بنت قيس دليل على أن المعتدة إذا لم يمكنها أن تبقى في المنزل، فتحولت عنه خوفًا على نفسها من أن يسطو عليها أحد لفعل الفاحشة مثلًا، أو لكونها امرأة عندها شيء من الوحشة وعندها رهاب من الوحدة، أو كانت خائفة على مالها، فلها أن تنتقل وتخرج من ذلك البيت، وتنتقل إلى بيت أهلها ولو كانوا بعيدين[13].
3 - في أثر عمر رضي الله عنه دليل على أن زوجة المفقود تنتظر أربع سنين من فقده، ثم تعتد، وهذا المذهب عند الحنابلة؛ لأن الغالب عليه الهلاك [14].
4 - وفي حديث المغيرة بن شعبة دليل على أن زوجة المفقود تنتظر حتى يتحقق لها موته، أو تمضـي مدة لا يعيش فوقها عادة، وهو قول الجمهور[15]. ولعل هذا هو القول الأقرب، وهو أن تقدير المدة يرجع إلى اجتهاد الحاكم، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والأزمان وقرائن الأحوال، فيُحدّد القاضي باجتهاده مدّة يغلب على الظن موته بعدها، ثم يحكم بموته إذا مضت هذه المدة، وتعتد بعدها امرأته عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، وبعد ذلك تحلّ للأزواج.
5 - وفي حديثي جابر وابن عباس دليل على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، باتفاق العلماء [16].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - لا يجوز للرجل أن يخلو بامرأة أجنبية حتى ولو كان يعلِّمها القرآن، ولا يجوز أن يؤمها في الصلاة بمفردهما، وضابط الخلوة المحرمة: أن يخلو بها بحيث تحتجب شخوصهما عن الناس[17]. ويستثنى من هذا كله مواضع الضرورة بأن يجد امرأة أجنبية منقطعة في الطريق أو نحو ذلك فيباح له استصحابها بل يلزمه ذلك إذا خاف عليها لو تركها وهذا لا اختلاف فيه.
2 - كثير من الناس اليوم تساهلوا، وأرخوا للنساء العنان مع السائقين والطباخين ونحوهم، وهذا مع ما فيه من الإثم؛ ففيه خطورة على العار والعرض، والعرض من أهم الضرورات الخمس، والله المستعان[18].
1 - تنتقل المضطرة حيث شاءت من الأمكنة فتعتد فيه؛ لأنه لما تعذر المكان الأصلي سقط الوجوب، والوجوب معلَّق بنفس البيت الذي مات وهي ساكنة فيه، فلما تعذر ولم يمكن سكناه قلنا: تعتد حيث شاءت، مثل ما لو أن أحدًا قطعت يده من المرفق، فأراد أن يتوضأ، فإنا لا نقول له: اغسل العضد بدلا عن المرفق؛ لأن مكان الوجوب زال[19].
2 - قضاء عمر رضي الله عنه في زوجة المفقود ليس حكمًا عامًا صالحًا لكل الأزمان، والأحوال، والأماكن، وإنما هو قضاء بحسب واقعه، كما أنه قد جاءت المخالفة له من بعض الصحابة، ومنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فدلّ على أنه اجتهاد.
3 - قوله: «لَا يَبِيتَنَّ»، وقوله: «لَا يَخْلُوَنَّ»: نهيٌ، وهو من الصيغ التي تدل على التحريم.
4 - قوله: «رجلٌ»: نكرة تعم كل رجلٍ، ولو كان شيخًا كبيرًا، وكذلك قوله: «بامرأة»: تعم كل امرأة؛ ولو كانت كبيرة.
5 - الاستثناء من عموم النهي بوجود المحرم، يدل على أن الخلوة المحرمة تزول مع وجوده.
قال الله تعالى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ [النساء: 24] قال ابن كثير: (أَيْ: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمُ الْأَجْنَبِيَّاتُ المُحْصَنَاتُ وهن المُزَوَّجَاتُ ﴿ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ يَعْنِي: إِلَّا مَا مَلَكْتُمُوهُنَّ بِالسَّبْيِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَكُمْ وَطْؤُهُنَّ إِذَا اسْتَبْرَأْتُمُوهُنَّ، فَإِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ).
1138- وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في سبايا أوطاس: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً»، أخرجه أبو داود، وصحَّحه الحاكم. [ضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (3/ 122)]. وله شاهد: عن ابن عباس في الدارقطني. [الصواب فيه الإرسال، فيما نقله الدارقطني في السنن (4/ 381)].
1139- وعن رويفع بن ثابت رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ»، أخرجه أبو داود والترمذي، وصحَّحه ابن حبان، وحسَّنه البزار.
رويفع بن ثابت الأنصاري النجاري الصحابي، سكن مصـر واختط بها، ولي طرابلس المغرب لمعاوية في سنة (46)، توفي ببرقة وهو أمير عليها، سنة (56).
- الاستبراء لغة: طلب البراءة. والمقصود: طلب براءة الرحم من الحمل[20].
- ماءه: أي نطفته.
- زرع غيره: أي محل زرع غيره، فشبَّه النبي ﷺ الولد إذا علق بالرحم بالزرع إذا نبت ورسخ.
1 - لا يجوز أن يطأ أَمَةً حاملًا سباها أو اشتراها، قال ابن رشد: (وأجمعوا على أنه لا توطأ حامل مسبية حتى تضع، لتواتر الأخبار بذلك عن رسول الله ﷺ )[21].
2 - تُستبرأ الحامل حرة أو أمة بوضع الحمل، وغير الحامل بحيضة واحدة، وإنما جُعِلَتْ عدة المطلقة غير الحامل ثلاثة قروء، وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشـرًا لأسباب أخرى زائدة على مجرد الاستبراء؛ منها حق الزوج مثلا.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - كل هذه الاحتياطات والصيانة محافظة على الأنساب، وتثبيتًا للأعراق؛ لئلا تختلط المياه، فيضيع النسب، وتفقد الأصول، فقد لعن النبي ﷺ من انتسب إلى غير أبيه، وقال الله تعالى: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 5]، وقال الله تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ [الأنفال: 75].
2 - الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر من شأنه أن يردع المسلم عن الإقدام على المعاصي، فمن أقدم عليها، فإنه في تلك الساعة قد تخلى عنه إيمانه، كما قال ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»[22].
1 - قوله: «لَا تُوطَأُ»: نفي بمعنى النهي، وهو يقتضي التحريم.
2 - قوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر»: هذا من خطاب التهييج من قبيل قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة:23]، وقضيته أن استحلال هذا المنهي عنه لا يليق بمن يؤمن بذلك، فهذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف، لا أن الكفار غير مخاطبين بالفروع، ولو قيل: لا يحل لأحد لم يحصل الغرض المذكور[23].
قال الله تعالى: ﴿ وَنَادَىٰ نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴾ [هود: 45].
قال القرطبي: (وَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ، وَلِذَلِكَ قَالَ نُوحٌ مَا قَالَ آخِذًا بِظَاهِرِ الْفِرَاشِ. وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: نَرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ إِنَّمَا قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ مِنْ أَجْلِ ابْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ). اهـ
وآيات اللعان في سورة النور تدل على أن الولد للفراش ما لم ينفه الزوج، وهو عمل بالأصل.
1140- وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ»، متفق عليه. ومن حديث عائشة في قصة، وعن ابن مسعود عند النسائي، وعن عثمان عند أبي داود.
روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص، عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه، قالت: فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص، وقال: ابن أخي قد عهد إلي فيه، فقام عبد بن زمعة، فقال: أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فتساوقا إلى النبي ﷺ، فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي كان قد عهد إلي فيه، فقال عبد بن زمعة: أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال رسول الله ﷺ: «هو لك يا عبد بن زمعة»، ثم قال النبي ﷺ: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، ثم قال لسودة بنت زمعة - زوج النبي ﷺ -: «احتجبي منه» لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقي الله.
- الولد للفراش: أي تابع للفراش، ومحكوم به له، فالولد لصاحبه زوجًا كان أو سيدًا؛ لأنهما يفترشان المرأة بالاستحقاق.
- وللعاهر الحجر: أي وليس للزاني شيء.
1 - الحديث أصل في إلحاق الولد صاحب الفراش -وإن طرأ عليه وطء محرم-[24]. و أجمع العلماء على أن المرأة إذا كانت فراشًا لزوج أو سيد -ولو كانت زانية- وجاءت بولد، ولم ينفه صاحب الفراش، فإنه لا يلحق بالزاني ولو استلحقه، ولا ينسب إليه، إنما ينسب لصاحب الفراش[25].
2 - نقل عن الشافعي أنه قال: قوله «الولد للفراش» له معنيان: أحدهما: هو له ما لم ينفه، فإذا نفاه بما شُرع له -كاللعان- انتفى عنه، والثاني: إذا تنازع رب الفراش والعاهر فالولد لرب الفراش.
3 - قوله: «وللعاهر الحجر» أي: للزاني الخيبة والحرمان، ومعنى الخيبة هنا: حرمان الولد الذي يدَّعيه [26].
4 - جاء في الرواية قوله: «واحتجبي منه يا سودة»، وهو محمول على الاحتياط والإرشاد إلى مصلحة وجودية لا على سبيل بيان حكم شرعي، ويؤكده: أنا لو وجدنا شبهًا في ولد لغير صاحب الفراش لم يثبت لذلك حكمًا، وليس في الاحتجاب ههنا إلا ترك أمر مباح على تقدير ثبوت المحرمية وهو قريب.
5 - في الحديث: أن الشبه وحكم القافة لا يجوز استعماله والعمل به إلا عند عدم ما هو أقوى منه؛ فإن النبي ﷺ لم يرجع إلى العمل بحكم القافة مع وجود حكم الفراش؛ لكون الفراش أقوى منه، ولذلك لم يحكم بالشبه في قصة المتلاعنين، مع أنه جاء على الشبه المكروه.
6 - وفيه: أن حكم الحاكم بالظاهر لا يحل الأمر في الباطن عما هو عليه، وإذا حكم بشهادة شاهدي زور، أو نحو ذلك من الأسباب الظاهرة، لم يحل المحكوم به للمحكوم له، حيث إنه ﷺ حكم به لعبد بن زمعة، وأنه أخ لسودة، واحتمل بسبب الشبه أن يكون من عتبة، فلو كان الحكم يحيل الباطن، لما أمرها بالاحتجاب.
7 - وفيه: استعمال الورع في الأمر الثابت في ظاهر الشـرع، والأمر به للاحتياط؛ فإنه ﷺ أمرها بالاحتجاب من ولد أبيها الذي حكم بإلحاقه به لما رأى الشبه البين بعتبة بن أبي وقاص، وخشي أن يكون من مائه، ويكون أجنبيًّا منها باطنًا، فحكم بظاهر الشرع في إلحاق النسب، وبالورع في الاحتجاب.
8 - هل يثبت النسب بالبصمة الوراثية؟
جاء في قرارات المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من 21-26/10/1422هـ الـذي يوافقه من 5-10/1/2002م، ما نصه:
البصمة الوراثية هي البِنْيَةُ الجينية -نسبة إلى الجينات؛ أي المورثات- التي تدل على هوية كل إنسان بعينه. وأفادت البحوث والدراسات العلمية أنها من الناحية العلمية وسيلة تمتاز بالدقة، لتسهيل مهمة الطــب الشرعي، ويمكن أخذها من أي خلية (بشرية) -مـن الدم، أو اللعاب، أو المني، أو البول، أو غيره- وبعد الاطلاع على ما اشتمل عليه تقرير اللجنة التي كلَّفها المجمع في الدورة الخامسة عشـرة بإعداده من خلال إجراء دراسة ميدانية مستفيضة للبصمة الوراثية، والاطلاع على البحوث التي قدمت في الموضوع من الفقهاء، والأطباء، والخبراء، والاستماع إلى المناقشات التي دارت حوله، تبين من ذلك كله أن نتائج البصمة الوراثية تكاد تكون قطعية في إثبات نسبة الأولاد إلى الوالدين، أو نفيهم عنهما، وفي إسناد العينة (من الدم أو المني أو اللعاب) التي توجد في مسرح الحادث إلى صاحبها، فهي أقــوى بكثير من القيافة العاديــة ( التي هي إثبات النسب بوجود الشبه الجسماني بين الأصل والفرع)، وأن الخطأ في البصمة الوراثية ليس واردًا من حيث هي، وإنما الخطــأ في الجهد البشري أو عوامل التلوث ونحو ذلك. وبناء على ما سبق قرر ما يلي:
أولًا: لا مانع شرعًا من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي، واعتبارها وسيلة إثبــات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص؛ لخبر: «ادْرَؤوا الحُدُودَ بالشُّبُهاتِ». وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع، ويؤدي إلى نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم، وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة.
ثانيًا: إن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لا بد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية، ولذلك لا بد أن تقدم النصوص والقواعد الشرعية على البصمة الوراثية.
ثالثًا: لا يجوز شرعًا الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان.
رابعًا: لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا، ويجب على الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة؛ لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصونًا لأنسابهم.
خامسًا: يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات التالية:
أ- حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء، سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه.
ب- حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات، ومراكز رعاية الأطفــال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب.
ج- حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب، وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف علــى هويتها، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمــفقـوديـــن.
سادسًا: لا يجوز بيع الجينوم البشري لجنس، أو لشعب، أو لفرد، لأي غرض، كما لا تجوز هبتها لأي جهة، لما يترتب على بيعها أو هبتها من مفاسد.
سابعًا: يوصي المجمع بما يلي:
أ- أن تمنع الدولة إجراء الفحص الخاص بالبصمة الوراثية إلا بطلب من القضاء؛ وأن يكون في مختبرات للجهات المختصة، وأن تمنع القطاع الخاص الهادف للربح من مزاولة هذا الفحص، لما يترتب على ذلك من المخاطر الكبرى.
ب- تكوين لجنة خاصة بالبصمة الوراثية في كل دولة، يشترك فيها المتخصصون الشرعيون، والأطباء، والإداريون، وتكون مهمتها الإشراف على نتائج البصمة الوراثية، واعتماد نتائجها.
ج- أن توضع آلية دقيقة لمنع الانتحال والغش، ومنع التلوث وكل ما يتعلق بالجهد البشري في حقل مختبرات البصمة الوراثية، حتى تكون النتائج مطابقة للواقع، وأن يتم التأكد من دقة المختبرات، وأن يكون عدد المورثات (الجينات المستعملة للفحص) بالقدر الذي يـراه المختصون ضروريًّا دفعًا للشك.
قوله: «وللعاهر الحجر»: ذهب بعضهم إلى أن المقصود به الرجم، لكن لم يجرِ العلماء هذا اللفظ على ظاهره، ويجعلوا الحجر ههنا عبارة عن الرجم المستحق في حق الزاني؛ لأنه ليس كل عاهر يستحق الرجم، وإنما يستحقه المحصن، فلا يجري لفظ العاهر على ظاهره في العموم. وأما إذا حملنا (الحجر) على ما ذكرناه من الخيبة: كان ذلك عامًا في حق كل زان، والأصل العمل بالعموم فيما تقتضيه صيغته[27].